المحتوى الرئيسى

حتى السنابل تتمرد بقلم: خيري حمدان

03/11 21:16

أيتها الشعوب المستضعفة في الأرض "اللي بتتكلم عربي" تمردي على الخنوع والقهر - حتى السنابل تتمرد وترفع رأسها في وجه الشمس أحيانًا. حين ألقي القبض على ماريا أنطوانيتا وأدركت بأنه يستحيل تغيير الخبز بالكعك لأنه أغلى والمقصود بذلك حالة الفقر المدقع التي كان يعاني منها الشعب الفرنسي، عندها أدركت خطأها واعتذرت للشعب الفرنسي قبل أن يُقطع رأسها على المقصلة. لكن ما حدث ويحدث في العالم العربي مختلف تمامًا عن هذا السرد، كأن الضمير العربي بات عبئًا على صاحبه خاصة إن كان رئيس دولة أو ملكًا. غادرت ليلى طرابلسي تونس محملة بالذهب والمال والحرير والجواهر وكلّ ما يخطر على بال إنسان. هذا هو الاعتذار الذي قدمته للشعب التونسي، الذي أظهر مع كل هذا تفهمًا لحقبة حكم زين العابدين وتم تغيير السلطة بأقلّ قدر ممكن من الخسائر. قرأنا بعد هذا عن المال الطائل الذي جمعه الرئيس المخلوع حسني مبارك من شعبٍ عانى الفقر والتجويع، ومورس بحقه أبشع صور الفساد من تقتيل وسجن واغتصاب ومراقبة أمنية ونهب لمقدرات الشعب وخيرات البلاد لحساب فئة محدودة وبلغت ثروت مبارك حسب بعض البيانات 60 مليار دولار، وهو مبلغ خيالي بالطبع (حاول البعض الدفاع عن مبارك قائلاً بأن ثروته لم تتجاوز 5 مليارات فقط) يا للمهزلة!. الآن يشرع القذافي ملك الملوك بمحاربة شعبه بالطائرات العسكرية ليلقي بحمم النيران فوق رؤوسهم، بعد أن جنّ جنونه، لإدراكه بأنه بات جثة سياسية في وطنه الذي اختزله القذافي وقزمه بشخصه ما يزيد عن أربعة عقود، تارة يعلن الوحدة مع تونس أو الجزائر ويقود جرافة بنفسه لهدم الحدود، ثم يسارع بطرد الفلسطينيين إلى مخيمات الشتات وتناسى مشروع الوحدة، وتارة يأمر بإسقاط طائرة مدنية فوق لوكربي، ثم يورط الطبيب الفلسطيني أشرف الحاجوج (أقسم بكلّ معتقداته أمامي بأنه بريء من تهمة الشروع في حقن أطفال بنغازي بفيروس فقدان المناعة المكتسبة، أقسم بأنه وُرّط في هذا الشأن لنشاطه وحضوره المتواصل في المستشفى ورغبته في تعلم أصول الطب والتدريب الحثيث في المستشفى). والده قال لي في صوفيا بأنه لولا الجنسية البلغارية التي قدمت لأشرف لأعدم على الفور. أما الممرضات فقد تعرضن للتعذيب وعضّ الكلاب ووقعن على أوراق بيضاء للخلاص من جحيم التعذيب حتى وإن كان الثمن حبل المشنقة أو الرمي بالرصاص. كان من المقرر أن أكتب حكاية أشرف الحاجوج بعد الاستماع إلى سجل معاناته بلسانه، لكني أحمد الله بأن المشروع لم ينطلق. كنت أخشى أن يحاصرني حجم الألم الذي ألم به زورًا وبهتانًا، كنت أخشى كذلك من نظرات الأطفال الأبرياء أيضًا. شاركت قبل أيام في محاضرة ألقتها المفوضة الأوروبية كريستالينا غيورغييفا مسؤولة قسم الكوارث والأزمات في الاتحاد الأوروبي، الذي تبلغ موازنته مليار ومائة ألف يورو. السيدة غيورغييفا قالت بأن الاتحاد الأوروبي قدم حتى الآن مساعدات للمنكوبين في ليبيا بقيمة 50 مليون يورو، وما تزال الطائرة الحكومية البلغارية تقوم بنقل المساعدات إلى المناطق المنكوبة في طرابلس والمناطق الحدودية مع تونس. وتنقل المواطنين المصريين مجانًا إلى مصر لتخليصهم من لعنة القتال. هذه بلغاريا التي سجنت وعذبت ممرضاتها، إثر طلب القذافي حقن الأطفال في بنغازي على ذمة وزير العدل مصطفى عبد الجليل. أما الاتحاد الأوروبي فما يزال يرفض التدخل العكسري في البلاد ولم يعترف بالمعارضة كسلطة واقعية في البلاد، باستثناء فرنسا التي اعترفت بالمعارضة الليبية وهذا حقها بالطبع. ليست القاذفات الأمريكية أو الأوروبية من تقوم بسحق الشعب الليبي بل هي الطائرات المقاتلة الليبية التي يقودها مرتزقة من إفريقيا والشرق الأوسط. مع هذا نجد هنا وهناك من يحاول الدفاع عن نظام رئسه القذافي ما يزيد عن 40 عامًا، كأن المثقفين ورجال السياسة في ليبيا انقرضوا ولا أحد سوى القذافي وأبنائه قادر على تسلم مقاليد السلطة في البلاد، ولا عجب حين نقرأ عن مئات الملايين من الدولارات التي تصرف لشراء الأقلام والذمم وتُبعثر على الغانيات والممثلات والمطربات الأجنبيات. هذا جنون ومفارقة يستحيل على صاحب ضمير القبول بها. أنا أرفض كل أوجه التسلط وتجميع السلطات كافة بيد شخص أو عائلة واحدة إلى أبد الآبدين، واحتكار خيرات الشعوب وتحقير عقولها وشلّ قدرتها على ممارسة الفكر الحرّ باستثناء النزر القليل من الأنظمة العربية. أتساءل، كيف لم تحرك الجامعة العربية ساكنًا إزاء ما يحدث واكتفت بالصراخ "لا للتدخل الأجنبي" فليقتل الأبرياء وتحرق المنازل وتدمر المدن ومصافي البترول التي هي ملك للشعب وليس للطبقة الحاكمة! لماذا لم تعلن الأنظمة العربية الحظر الجوي على ليبيا لمنع قاذفات الموت من حرق المواطنين الليبيين إذا أردنا أن يبقى الشأن الليبي ليبيًا. سارعت بكتابة هذا المقال لأظهر موقفي كأديب من الأحداث الجارية في شمال إفريقيا والأحداث المرشحة لأن تطال الدول الأخرى في العالم العربي، قبل أن تجفّ الدماء. أيتها الشعوب المستضعفة في الأرض "اللي بتتكلم عربي" تمردي على الخنوع والقهر - حتى السنابل تتمرد وترفع رأسها في وجه الشمس أحيانًا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل