المحتوى الرئيسى

حنان عبد الفتاح بدر تكتب: الميدان العام وهابرماس فى مصر

03/11 15:38

Select ratingإلغاء التقييمضعيفمقبولجيدجيد جداًممتاز  ميدان التحرير إن قُدر لهابرماس أن يعيش فى مصر الآن لرمى كل نظرياته السياسية من الشباك ومات كمداً لأن الشعب المصرى أثبت خطأ كل فرضياته،  أفنى هابرماس حياته فى التنظير السياسى وشَغِلته فكرة رئيسية  تتمثل فى كيفية تحقيق العدالة السياسية  فى النظم الديموقراطية وكيف يضمن أن ممثلى الشعب من نوابه يتصدون فعلاً لقضايا تهم الشعب وأنهم يدافعون عن قضايا من لا صوت لهم والمهمشين، وتوصل إلى أن الحل يكمن فى ساحة حوارية متاحة للكافة يتم فيها تبادل كافة وجهات النظر والتحاور بشأن أهم القضايا أسماها الميدان العام public sphere  ولا يخفى عن القارئ ان وسائل الإعلام هى من أمثل من تقوم بهذا الدور فى حال نزاهتها واستقلالها السياسى وانحيازها للصالح العام كما هو من المفترض أن تكون. المهم أن هذا المفكر الألمانى العظيم كان سيصاب بصدمة عصبية إن كان يجيد اللغة العربية وأطلع على النقاش الدائر فى الميدان العام المصرى عبر وسائل الإعلام المختلفة، فقد تحطمت فرضيته الرئيسية وهى أن الصالح العام هو الهدف من النقاش العام وأن البقاء للرأى الأصلح والأصوب، حيث اعتمد الرجل فى نزعته نحو المثالية معاييراً صارمة مثل عقلانية الرأى وتغليب الصالح العام على الخاص إضافة إلى الاستناد إلى معلومات دقيقة واحترام شروط الحوار، ولا أقصد بآداب الحوار البديهيات كالإنصات والاحترام بل وضع هابرماس شروطاً للعقلانية فى الحوار الدائر منها عدم شخصنة القضايا أو النيل من الشخص صاحب الفكرة أى عدم ضربه تحت الحزام او التشكيك فى مصداقيته بأساليب غير موضوعية من عينة بتاع أجندة أو أنه يتهته. تأتى أهمية هذا الكلام ومواكبته لمصر ما بعد ثورة 25 يناير 2011 لأن هابرماس تأثر فى صياغة نظرياته بظروف شبيهة بما نشهده الآن فى مصر، فقد نشأ بين عهدين فاصلين فى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بعد هزيمة الدكتاتور هتلر وسقوط نظامه وكان يتم إعادة بنائها على أسس ديموقراطية بعد أهوال ما انكشف من مهازل قمعية أثناء العهد النازى، وفى هذه الفترة الحاسمة كان يسيطر على المجتمع الألمانى والقائمين على إعادة بنائه هاجسان: الهاجس الاول كيف حدث كل ذلك القمع تحت سمع وبصر الشعب الذى كان يؤيد الفوهرر العظيم والهاجس الثانى كيف يتم منع ارتداد المجتمع الألمانى للفكر النازى او تقديس عبادة الفرد مرة أخرى، وهما كما نرى هاجسان واردان فى مجتمعنا المصرى الحبيب الذى يريد من الآخر: يعنى فلان الفلانى حلو ولا وحش؟ ولا يريد المواطن عضو حزب الكنبة العظيم أن يرهق نفسه بالتفكير والبحث عن معلومات موثقة قبل اتخاذ قراره، من الطبيعى أنه لا يوجد من هو ناصع البياض ومن هو بالغ السواد..الناس والدنيا درجات من الرمادى وفى ذلك السياق يعد التعامل العقلانى والنقد الدائم ومراجعة موقف الذات باستمرار مراعاة للوقائع الموضوعية ومتابعة المستجدات باستمرار مرهق لنفس قد تميل إلى إراحة الدماغ والانسياق وراء مشاعر عاطفية من عينة استلطف فلان أو هذا يؤثر فى نفسى، وخطورة ذلك أن العملية السياسية فى المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تنساق وراء المشاعر الغاضبة أو الحالمة او الانتقامية، بل الفيصل فى عملية بناء حياة الديموقراطية السليمة هى العقلانية حتى لو يعنى ذلك ارتضاء من لا تميل إليه قلوبنا. أقول كل ذلك لأن –إلى جانب خطر الميل للعاطفية على حساب العقلانية- توجد أسئلة كثيرة تتردد فى ذهنى تكفيك نظرة على تيارات النقاش السائدة لطرحها: لم لا تتسع صدور ناس من المفترض أنهم نخبة المجتمع المصرى للنقد الموضوعى والمحترم ؟ هل النقد أصبح سلبية وعدم وطنية؟ ولم عدم احترام الاختلاف فى الآراء وشخصنة كل شئ والزج بربنا فى الموضوع كأن الناقدين للأوضاع كفرة أو يرفضون مشيئة الله؟ لماذا لا نتحاور بديموقراطية ويسود المنطق التخوينى بدلاً من ذلك؟ لم لا يسود المبدأ الليبرالى عملاً بمبدأ "لكم دينكم ولى دينى"؟ لماذا إقصاء للآخر من ساحة الحوار لأنه إما ليبرالى زيادة عن اللزوم أو متطرف زيادة عن اللزوم؟ ومن له الحق فى تصنيف الناس أساساً؟ لست مقتنعة بنظرية النظام السابق أن الشعب غير ناضج سياسياً وأرى ان الإنضاج لا يتم إلا بالتعلم وإن كنا حرمنا تماماً من اختيار رئيسنا فى انتخابات حرة ونزيهة على مدى آلاف السنين فمن الطبيعى أننا نحتاج إلى كورس مكثف ضاغط وتدريب شاق على ممارسة العملية السياسية الديموقراطية مع تحمل تبعات اختياراتنا حتى إن ساءت فى البدايات، الشرط الرئيسى الضامن لاستمرار عملية تعلم الشعوب هى الهياكل الديموقراطية المستقرة التى تحترم سيادة القانون والتى لا تتلاعب بها النخب لصالحها او لصالح الشلة الحاكمة حتى لا ينحرف المسار العام. من حق الجميع أن يشتبكوا فى حوار ديموقراطى ومنطقى من أجل إقناع الآخرين والرأى العقلانى والمقنع هو الذى من المفترض أن يسود بعد نقاش وجدل صحى. هذا لب العملية الديموقراطية التى نريدها فى مصر.  * حاصلة على منحة الدكتوراه فى الإعلام الدولى والنظم الإعلامية المقارنة بجامعة إيرفورت بألمانيا والمدرس المساعد بكلية الإعلام جامعة القاهرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل