المحتوى الرئيسى

حدود الرقابة: حالة الروائى الفرنسى سيلين

03/11 09:45

بقلم: محمد برادة 11 مارس 2011 09:39:44 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; حدود الرقابة: حالة الروائى الفرنسى سيلين عرفت فرنسا وأوساطها الثقافية، منذ 21 يناير الماضى، جدالا صاخبا أثاره قرارُ وزير الثقافة فردريك ميتران بإلـغاء توزيع «مصنـَّف الاحتفالات الوطنية» الذى تُــعدّه كل سنة لجنة مختصة، وتُضمِّـنه أسماء كتّاب ومفكرين وفنانين يتوافق عيد ميلادهم مع كل سنة. وقد علل الوزير قـراره بوجود اسم الروائى الفرنسى الشهير لويس فردناند سيلـين (1894 ــ 1961) صاحب الرائعة «رحلة إلى حافة الليل»، لأن وجود اسمه فى مثل هذا السجلّ «يتعارض مع القـيم الجوهرية للأمة والجمهورية»... مصدر الجدال والانتقاد والاحتجاج هو أن الوزير كان على علم بإدراج اسم سيلين فى المصنف، منذ انطلقت اللجنة فى التحضـير، ولم يعلن عن اعتراضه إلا فى يوم الاحتفال الذى كان من المقرر أن يوزع خلاله الكتاب الذى طبع منه 10.000 نسخة! كما هو معلوم، ارتبط اسم سيلين بشيئـيْـن اثنـين: كتابة رواية أصبحتْ معلما يُـؤرّخ بها فى مجال التجديد والجرأة (تميزت «رحلة إلى حافة الليل»، 1932، بتوظيف اللغة المحكية وإدماج تركيب الجملة الشفوية باللغة المكتوبة، كما تميزت بتناول العنـف والاستغلال الاستعمارييْـن فى أفريقيا...).والشىء الثانى الذى اشتهر به سيلينْ هو اتخاذ مواقف معادية للسامية نشرها فى نصوص هجائية لاذعة. بتعبـير آخــر، سيلين الروائى العبقرى هو نفسه صاحب النزعة اللاسامية المعادية لليهود والمثيرة لاستنكار وغضب الشعب الفرنسى. لأجل ذلك، تحدثت الصحافة عن تدخل كلارسفيد، رئيس جمعية أبناء وبنات اليهود المعتقلين أثناء الاحتلال النازى، من أجل سحب هذا المصنف وحرمان سيلين من تكريم يسىء إلى ذاكرة ضحايا النازية. وأوضحت الصحافة فى الآن نفسه، أن قرار سحب المصنف جاء بإيعاز من رئاسة الجمهورية الفرنسية التى لا تريد إغضاب الطائفة اليهودية، خاصة أن الانتخابات الرئاسية على الأبواب... فى جميع الأحوال، يبدو موقف وزير الثقافة مهزوزا ومثيرا للجدل والانتقاد نتيجة لارتداده وتغيير موقفه بعد أن وافق على قرار اللجنة التى أعدتْ لائحة أسماء المـُحتفى بهم منذ عدة أشهـر. وقد طرحتْ، أثناء اجتماع اللجنة، مسألة معاداة سلين للسامية، وتمَّ الاتفاق على أن يتولى البروفسور هنرى كودار كتابة تقديم يفضح ويُـدين العنصرية الموجودة فى بعض كتابات سيلـين. وعندما وقع هذا الارتداد، عبـّـر كودار عن غضبه و كشف تناقــض الوزارة، لأن رواية «رحلة إلى حافة الليل» كانت مقرّرة فى برنامج شهادة الــتبـريز سنة 1974، ولم يعترض عليها أحد! وعلى هذا النحو انطلقت شرارة الجدال لتأخذ طابعا ً إشكالــيا. فقد صـرح الباحث ألان كوربان قائلا: «أتفهم قرار الوزير لكننى لا أتفق معه. هى قضية شائكة، فـمِـنْ جهة قد يحرج حضور سيلين ضمن الأسماء المـُحتفـَل بها اليهود الذين استمـروا فى الحياة بعد المحرقة ،أو يحرج أقاربهــم ؛ ومن جهة ثانية، نحن نخاطـر بمثل هذا القرار فى أن نفتح الطريق أمام جدالات لا نهاية لها، إذ سيظهر مـَنْ يقول لنا: «غـير مقبول أن نحتفل بجان جاك روسو، مثلا، لأنه أهمـل أبناءه..». وانتفض الكاتب المعروف فيليب سوليرس المـُتحـمـّس لأدب سلين ليعبـر عن غضبه، مذكـرا بأن الأدب هو الحائط القصير الذى يتعرض للإهانة كلما ساءت الأحوال، مضيفا: «هذا ما نعاينه بكيفية مفحمة من خلال قرار الوزير. لقد أصبح وزير الثقافة اليوم وزيرا للرقابة»! أما الفيلسوف برنارد هنرى ليفـى فعبــّر عن رأيه قائلا: «يجب ألا نـُـعارض إحياء ذكرى سيلين بصفة خاصة، لأنها تُـفـيدنا فى استكشاف اللغـز الكامن وراء ما يجعل إنسانا ما كاتبا كبيرا وفى الآن نفسه شخصا َ فى منتهى السفالة». هذه الآراء المختلفة تجاه مسألة الاحتفال بسلينْ تُــحيلنا، فى نهاية التحليل، على إشكالية ذات حدّيْـن ليس من السهل البتّ ُ فيها:1ــ الحدّ الأول يلخصه ذلك الصراع «الأبـدى» بين مـقــتضـيات الإسـتتيقا وخصوصية عوالمها، وبين نواميس الأخــلاق ومقاييسـها. ذلك أننا نجد تاريخ الأدب والفــن حافلا بأسماء أشخاص عباقــرة يتوفرون على موهـبـة نادرة ولكنهم، فى الآن نفسه، ينطــوُون على ضعف أو انحراف أو جُبن فى اتخاذ المواقف السـياسية الضرورية... كيف نتعامل مع هؤلاء العباقرة ؟ هل «نعْدم» النصوص والإبداعات المتميزة التى تضيف إلى التراث الإنسانى، لأن أصحابها ارتكبوا أخطاء سياسية أو أخلاقية ؟ أم نــرفـع الرقابة والحصــار عنهم، ونكشف عن حقيقـتهم كما هى، تاركين للجمهور المتلـقى الحكمَ والاختيار؟2ــ الجانب الثانى من الإشكالية، يتصل بالسؤال الصعب: ما هو موقف الثقافة والفكر السياسى من الرقابة؟ هل نعتبر سلطة الرقابة ضرورية لحماية المجتمع من المخاطر التى قد تنسف أسسه وتدمّر القــيم الإنسانية المتَّفق على احترامها، فنوافق على أن تُفرَض الرقابة على كل خطاب يدعو إلى العنصـرية أو التعصب الدينى أو إباحة ممارسة الجنس مع الأطفال والأولاد القاصرين؟ بتعبــير آخر، أليس من الضرورى اللجوء إلى الرقابة كلما تعلق الأمر بزعزعة قيم إنسانية تحمى الحدّ الأدنى من الأخلاق اللازمــة للجْمِ الغرائز الوحشية، والسلوك المنحرف؟إن هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بكيفية مطلقة ومجردة، بل هى متصلة بالسياق الذى تُطـرح فيه، وبالاعتبارات التى يقدمها كل فـريق اجتماعى وثقافى بترابطٍ مع المواقع السياسية والإيديولوجية التى يحتلها...، لكن الأهمّ هو أن يكون باب النقاش والجدال مفتوحا فى كل آن، وأن يكون حق الاختلاف مضمونا لتصحيح الأخطاء والتحليلات، سواء تعلق الأمر بوزير أو رئيس أو مؤسسة للدولة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل