المحتوى الرئيسى

في الميزان

03/10 23:51

حكاية شعب كفر بـ‏3‏ أصنام‏!!‏ بعكس ما قد يراه بعض المتفائلين منا‏,‏ بات المشهد في مصر شديد التعقيد‏,‏ ولقد أصبح الأمر بحاجة ملحة إلي نوع من التجريد الشديد حتي تتضح مسببات انفجاره علي نحو أكثر تدقيقا‏,‏ بصرف النظر عن تلك الأسباب التي تطفو للعوام علي سطح المشهد‏;‏ تماما كمثل تلك الإجراءات التنقيبية التي يسلكها خبراء البحث الجنائي عقب وقوع انفجار فعلي‏;‏ فأيا كان حجم الانفجار‏,‏ وأيا كان حجم الخسائر الناجمة عنه‏,‏ لابد وأن هناك مسببا رئيسيا ـ أو قل عدة مسببات تحوم حول المشهد من بعيد‏.‏ وحتي لا أطيل عليك‏,‏ دعني أصارحك بأن المسببات في نظري تنحصر في ثلاثة أنواع بعينها من‏(‏ الكفر‏)‏ قد عبرت عن نفسها‏:‏ الأول‏,‏ هو ما يمكن أن نطلق عليه تعبير‏(‏ الكفر بالإجراءات‏);‏ والثاني‏,‏ هو‏(‏ الكفر بالوعود‏);‏ والثالث‏,‏ هو‏(‏ الكفر بالقانون‏)!!‏ وفي ذلك دعني أشرح‏:‏ فبداية‏,‏ لا يخفي علي عاقل منا أو حتي مجنون أن المجتمع المصري راح يئن ـ وبدون سبب إداري واضح أو قل مقنعا ـ تحت طائلة تراكم بيروقراطي معيق‏,‏ ترك الحبل علي الغارب لشياطين التوقيعات والأختام والمذكرات والموافقات تعيث فسادا بيننا‏,‏ تحت مظلة أكثر شيطانية توحي لبعض أباطرتها البعض بزخرف القول‏,‏ وتزين إليهم بأن في الإكثار من هذه التفاصيل المعيقة ما من شأنه تنظيم دولاب العمل من ناحية‏,‏ ثم تأمين متخذي القرار إداريا من ناحية أخري‏,‏حتي أن القائمين علي العمل الإداري في هذا البلد ـ وأنا حل بهذا البلد ـ أصبحوا ضحايا إخطبوط إجراءات تراكمية بشعة آمنوا بها إيمانا مطلقا فعبدوها ـ والعياذ بالله ـ ولم يستطيعوا أبدا أن يهجروا عبادتها والانصياع لشيطانية تركيباتها‏!‏ ولقد انعكس ذلك علي الناس‏,‏ وحياة الناس‏,‏ وأحلام الناس في كل شكل من أشكال حراكهم الإنساني البديهي‏,‏ فأثقل ذلك كاهلهم‏,‏ وأذل نفوسهم‏,‏ ومرر مذاق فرحتهم قبل أن يمرر مذاق علاجهم‏,‏ ومذاق معاشهم الشهري‏,‏ بل ومذاق وفاتهم نفسها‏..‏ ورق ورق وإجراءات ولوائح وبنود‏,‏ جميعها تؤدي إلي روما‏..‏ ولا أحد يصل إلي روما تلك أبدا رغم سهولة طرق الوصول المؤدية إليها‏,‏ بل وبساطتها في جميع الأحوال‏!!‏ فلما حدث و أن ضاق الناس ذرعا بتضافر ظروف عدة‏,‏ ووقعت الواقعة‏,‏ وانفجر الناس‏,‏كان أهم ما عبر الناس عن كفرهم المطلق به هو أي شيء يمكن أن يذكرهم بضرورة الامتثال للإجراءات‏:‏ استكمال مدة الرئيس السابق لحين إنهاء‏(‏ إجراءات‏)‏ التعديل الدستوري أو عمل دستور جديد‏,‏ من بعد بحث‏(‏ إجراءات‏)‏ حل البرلمان‏,‏ ثم البحث في‏(‏ إجراءات‏)‏ الترشح لمنصب الرئيس الجديد‏,‏ ثم‏(‏ إجراءات‏)(‏ إجراءات‏)(‏ إجراءات‏)..‏ تبا لـ‏(‏الإجراءات‏)‏ وسنين‏(‏ الإجراءات‏)‏ ويوم ما شوفنا‏(‏ الإجراءات‏)..‏ من النهارده ما فيش‏(‏ إجراءات‏)..‏ إحنا‏(‏الإجراءات‏)!!‏ أما المؤسف حقا‏,‏ فهو إنه كمثل ما كانت الناس تشهد بأم أعينها تحايلا مبهرا يتم في وضح النهارعلي‏(‏ الإجراءات‏)‏ التي كانت تكبل الغلابة منهم فقط‏,‏ فيسير كل شيء فجأة بمنتهي السهولة واليسر لصالح أصحاب السطوة والواسطة‏,‏ها هم اليوم يشهدون تهاوي جميع‏(‏ الإجراءات‏)‏ أمام إصرارهم‏;‏ فإذا بالبرلمان يحل في لمح بالبصر‏,‏ثم إذا بالتعديل الدستوري يتم أيضا‏,‏ ثم إذا بحرية تشكيل الأحزاب تتدفق‏...‏ كل ذلك يتم بدون صنم‏(‏ الإجراءات‏)!!‏ تالله إذن لنحطمن صنم‏(‏ الإجراءات‏)‏ هذا في كل شيء‏,‏ وأي‏(‏ معتوه‏)‏ سيتفوه بهذه الكلمة بعد ذلك فإن حزمة من‏(‏ إجراءات‏)‏ التهزئ ستكون من نصيبه‏!!‏ هكذا كان لسان حال الناس‏.‏ أما المشكلة الحقيقية‏,‏ فهي أن هناك أشياء تحتاج بالفعل لـ‏(‏إجراءات‏)‏ كي تتم‏,‏ وهي ليست كتلك الأشياء التي كانت‏(‏ الإجراءات‏)‏ فيها مفتعلة‏!‏ ولكن الناس قد أعلنت كفرها‏,‏ وأصبح من المستحيل إعادتها إلي محراب هذا المعبد مرة أخري بأي حال من الأحوال‏,‏ فعمت الفوضي أمام إحساس عموم الناس بأن كل شيء كان ممكنا لولا هذه‏(‏ الإجراءات‏)!‏ وبينما الناس سائرون في غمرة الفرحة بسقوط صنم‏(‏ الإجراءات‏),‏ إذا بصنم جديد يتبدي لهم في الطريق ــ إنه‏(‏ صنم الوعود‏);‏ وهو شيطان مريد طالما أغراهم وزين لهم السوء ذاته وبرره‏:‏ عودوا من حيث جئتم و‏(‏ لسوف‏)‏ أفعل كذا وكذا و‏(‏لسوف‏)‏ أفعل كذا و كذا من أجل راحتكم‏..‏ أرجعوني أعمل صالحا و‏(‏لسوف‏)‏ و‏(‏لسوف‏)..‏ إلخ‏!!‏ لغة بغيضة ما عاد رصيدها يسمح في قلوب الناس أبدا‏,‏ حتي وإن‏(‏ كادت‏)‏ عقولهم تستمع إليها وتنصت‏;‏ إذ سرعان ما تأجج في الصدور ـ ولم يزل ـ بركان أحاديث طويلة رتيبة من هذا النوع أسفرت في مجملها عن لا شيء يذكر بين أيادي الناس‏,‏ فما يكاد هذا البركان يفور حتي تصرخ الحناجر وتهتز الأجساد ألما من فرط الوعود‏:‏ تبا لـ‏(‏ الوعود‏)‏وسنين‏(‏ الوعود‏)‏ ويوم ما شوفنا‏(‏ الوعود‏)..‏ من النهارده ما فيش وعود‏..‏ إحنا الوعود‏!!‏ أما المشكلة الحقيقية‏,‏ فهي أن هناك أشياء تحتاج بالفعل لـ‏(‏وعود‏)‏ كي تتم‏,‏ وهي ليست كتلك الأشياء التي كانت‏(‏ الوعود‏)‏ فيها مفتعلة‏!‏ ولكن الناس قد أعلنت كفرها‏,‏ وأصبح من المستحيل إعادتها إلي محراب هذا المعبد مرة أخري بأي حال من الأحوال‏,‏ فعمت الفوضي أمام إحساس عموم الناس بأن كل شيء كان ممكنا لولا هذه‏(‏ الوعود‏)!‏ وبينما الناس سائرون في غمرة الفرحة بسقوط صنم‏(‏ الوعود‏)‏ ومن قبله صنم‏(‏ الإجراءات‏),‏ إذا بصنم آخر يسقط من تلقاء نفسه دون أن يمسسه أحد ــ إنه‏(‏ صنم القانون‏)!!‏ والحقيقة أن هذا الصنم بالذات هو أكثر الأصنام إثارة للحيرة‏;‏ إذ يبدو أن هذا الصنم لم يعبده أحد قط من قبل‏;‏ فهو صنم مهجور لا الناس آمنت به من قبل ولا حتي أعتي كهنته فعلوا‏!!‏ فلقد تبين أن أيا من طقوسه لم تمارس‏(‏ حق ممارسة‏);‏ وأن الذين بشروا به لم يكونوا هم مؤمنين به أصلا‏,‏ اللهم إلا من بعض شعائر متناثرة اتبعت‏,‏ لم تجعل له أتباعا ولم ترتق في مجملها إلي مستوي الطاعة والامتثال‏!!‏ ومن ثم‏,‏ فالناس قد كفرت بصنم لم تؤمن به يوما‏,‏ فلم يكن ذلك أمرا مستغربا‏;‏ وإنما الناس كانت تخشي هذا الصنم بالغيب‏,‏ فلما تجسد أمامها هذا الصنم أمطروه بالنعال غير آسفين‏!!‏ وحجة الناس في غمار ثورتهم أن حراس القانون أنفسهم لم يتبعوه وتحايلوا عليه‏,‏ يفعلون بالناس ما شاءوا هم‏,‏ وليس ما نص عليه القانون‏,‏ فإذا بالمجتمع كله يسقط في حيص بيص‏,‏ إلي درجة أعمت العيون عن مخرج أراه بسيطا جدا‏:‏ فالحل في نظري لعودة قبضة الدولة ليس في عودة الشرطة فحسب‏,‏وإنما في‏(‏ إلزام‏)‏ الشرطة بالامتثال للقانون أولا لكي يمتثل الناس لطاعته‏!‏ ولكي يمتثل الناس للقانون فلابد لعموم الناس أن يدرسوه في كل مراحل التعليم‏,‏ لا أن يتعرفوا علي شذرات منه بقدر ما يتعرضون له من مشكلات متباينة‏;‏ فدراسة القانون ليست حكرا علي طلاب الحقوق والشرطة والمتخصصين‏,‏ وإنما هي واقع منتشر في كل تفاصيل حياة الناس اليومية‏,‏ واقع لا تعفي الجهالة به من المسئولية تجاهه ــ فحق تدريسه‏!!‏ وعندما يدرس الناس ما لهم وما عليهم‏,‏ سيدرس الناس ضمنيا ما للشرطة وما عليها أيضا‏,‏ فيكون عموم الناس شهود‏,‏ علي ميزان العدل‏,‏ ويكون تصديهم لتحايل أي جهاز شرطي في المستقبل علي القانون بالقانون‏,‏ وليس تصديهم للظلم بأعمال الشغب‏!!‏ المزيد من أعمدة أشرف عـبد المنعم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل