المحتوى الرئيسى

تكوّن الدولة العثمانية ..بقلم:زياد هواش

03/10 20:47

الاجتهاد مجلة متخصصة تُعنى بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي العددان الواحد والأربعون والثاني والأربعون السنة الحادية عشر شتاء وربيع العام 1419هـ / 1999 م رئيسا التحرير الفضل شلق ورضوان السيد الدولة العثمانية في الدراسات الحديثة من الإمارة إلى الإمبراطورية تكوّن الدولة العثمانية جمال كفادار ترجمة عبد اللطيف الحارس في مرتفعات بيثينيا حيث اعتادت قبيلة عثمان على التجوال، "جاء اليوم" الذي رأى فيه عثمان أن بإمكانه قيادة شعبه وبناء قوة سياسية تحت زعامته. وتحديد "اليوم المناسب" لفرض إرادته على قبيلته وتوضيح معالم توجهاتها السياسية، دلّ على مقدرة فائقة في معرفة اللحظة المناسبة والاستفادة منها. وللحصول على شرعية لنجاحه و"لخروجه" على العادات والتقاليد المتبعة، كان لا بد من تدخّل الهي. ما إن بدأت قبيلة عثمان الصغيرة بتنفيذ مسعاها السياسي حتى دخلت في منافسة مع خصومها الأتراك – المسلمين والمسيحيين في المنطقة، إلا أنها تمكنت في النهاية من تحقيق سيطرتها. لم يتوقع أحد في نهاية القرن الثالث عشر أن تكون النتيجة قيام قوة واحدة منتصرة هي البيت العثماني. كيف تمكنوا من تسخير دينامية التخوم وروحية الغزو، والتراث الثقافي التعددي للمنطقة بشكل ناجح أكثر من خصومهم ؟ ما هي العوامل التي جعلت العثمانيين في النهاية يبزون جميع الدويلات الأخرى وحتى الدولة السلجوقية ؟ مما لاشك فيه أن روحية الغزو (gazi ethos) قد لعب دورا، إلا أن العثمانيين لم يكونوا الشعب الوحيد الذي ادّعى أنه يجاهد في سبيل الله وكذلك الحال بالنسبة للقبيلة أو أي مفهوم أو مبدأ أو أيديولوجية أو عقيدة أو عرق أو قانون بإمكاننا أن نتوقع منطقيا أن يكون ميزة عثمانية. إن البحث عن "أسباب النجاح العثماني" لا يمكن أن يكون أحادي الجانب لكل الفترة التاريخية موضوع الدراسة، فالالتزام الأيديولوجي بالغزو والذي يكاد يكون القاسم المشترك لكل الفترات، كان يتغير باستمرار وكذلك كانت خصائصه ودرجة كثافته. فعلى الرغم من الوجود الدائم لمحاربين ملتزمين بعقيدة البطولة والشرف والجهاد في سبيل الإسلام, فان علاقاتهم بالإمارة من جهة، وبالبيت العثماني من جهة أخرى كانت تتغير باستمرار، وكذلك كانت حال القوى الاجتماعية الأخرى كالدراويش. إن الوضع السياسي والاجتماعي برمته كان في حالة تغير دائم، بينما كانت السلطة تتركز تدريجيا في أيدي إدارة تخدم سلالة معينة. ركز الباحثون بشكل عام على عدة عوامل ساهمت في قيام الدولة العثمانية: _ موقع ولاية عثمان, الذي شكل ميزة فريدة، وخصوصا أن العثمانيين عملوا على تسخير هذه الظروف بطرق معينة ساعدتهم على تحقيق قدرهم. _ سياسة المحافظة على وحدة الإمارة العثمانية وخاصة عند انتقال السلطة تحت زعامة وريث واحد. وشكلت هذه السياسة فرقا واضحا عن الإمارات الأخرى التي سمحت بالتجزئة، وذلك باعترافها بحقوق الورثة جميعا تبعا للتقاليد المغولية _ التركية. _ اتباع العثمانيين منطق المركزية. _ الطريقة التي اتبعها بناة الدولة في تغييرهم الناجح لشبكة تحالفاتهم مع القوى السياسية والاجتماعية الأخرى، وفي مقارنة مع الإمارات المغولية _ التركية والتركية _ الاسلامية في المنطقة نرى بان هؤلاء لم يتمكنوا من حل إشكالات الصراع والوحدة بشكل ناجح كما فعل العثمانيون. صحيح أن كل الإمارات كانت وارثة للثقافة السياسية لسلاجقة الأناضول، وهذا ما اعتبره كوبرولو في غاية الأهمية في بناء الدولة العثمانية، إلا أن العثمانيين كانوا أكثر خبرة في إعادة تشكيل هذه الثقافة لتتوافق مع حاجاتهم، فكانوا أكثر إبداعا في عمليات الدمج غير المتوقعة للتقاليد المختلفة, التركية والإسلامية والبيزنطية. استراتيجيات التحالف والصراع الإمارة الأولى تعتبر التقاليد التاريخية العثمانية أن القبيلة التي مثلت قاعدة قوة عثمان قدمت إلى آسيا الصغرى في عهد جده وترافق ذلك مع بداية الفتوحات "الجانكيزخانية" في أواسط آسيا. وعلى الرغم من أن هذه القصة مقبولة تاريخيا، إلا أن تفاصيلها، وما يتعلق منها بهوية الجد اقرب إلى الأسطورة منها إلى الحقيقة. والأهم من ذلك انه ليس واضحا متى وكيف انتهى العثمانيون في بيثينيا، على نهاية حافة الأناضول التركي _ الإسلامي. أما كونهم ينتمون إلى بطن القايي من قبيلة الأوغوز فيبدو أنها إعادة اكتشاف مبدعة من قبل ملفقي الأنساب في القرن الخامس عشر. فهي غير مذكورة لا في التاريخ الأحمدي ولا في تاريخ "يخشي فقيه" الذي يعطي روايته الخاصة والمفصلة بقبيلة القايي فمن الصعب أن نتصور أن "يخشي فقيه" لم يسمع به. أما يازجي زاده فهو أول مصدر مكتوب يربط العثمانيين بقبيلة القايي وذلك سنة 1430 م، إلا أنه يضيف بان عادات الأوغوز ومن ضمنها افتراضا، "الارتباط الحقيقي" لقبيلة أرطغرل، كانت قد نسيت كليا في أيامه. أما شكر الله والذي كتب تاريخه لاحقا، فيخبرنا بأنه قام بزيارة إلى بلاط القره قويونلو سنة 1449، ليتعرف على فروع العائلة العثمانية من الأوغوز والقايي. ويؤكد شكر الله أنه اهتدى لهذه الحقيقة وأعطى دليلا على ذلك قرابة النسب بين العثمانيين والقره قويونلو وتحالف الاثنين ضد الأق قويونلو. وعلى الرغم من رأي كوبرولو بأن الارتباط بالقايي لم يكن بالشيء المميز ولذا فانه لا يستحق التزوير, فان المكاسب السياسية من وراء هذا الادعاء كانت واضحة. تنسب بعض التواريخ إلى أرطغرل قيامه ببعض الغزوات وتحقيق بعض الانتصارات العسكرية، يرى آخرون بان هذا الجيل لم يكن ناشطا عسكريا ولا سياسيا، على الأقل بعد قدومهم إلى بيثينيا. ويروي أبز أنه في زمن أرطغرل وبعد انتقال القبيلة إلى بيثينيا "لم يكن هناك أي قتال أو معارك عسكرية، لقد كانوا ينتقلون فقط بين مراعي الصيف والشتاء". ويبدو واضحا من كل هذا بأنّ سعي العثمانيين للتنافس السياسي لم يبدأ إلا مع عثمان. فالأكيد إذا أن القبيلة تمتعت بارتقاء مهم في مستوى نجاحاتها العسكرية وادعاءاتها السياسية المبنية تحت قيادة عثمان، ولذلك كان اسم عثمان وليس أي اسم آخر من أسلافه، هو المعرّف للإمارة، ولا نعلم بأي أسم عرفت قبيلته قبل قدومه. ولكن كعثمانيين (أتباع عثمان) فان القبيلة والإمارة نعتتا بهذا الاسم لمدة طويلة. لقد عرف أرطغرل وجيله مفهوم الغزو. والخصم الأساسي لأرطغرل كان بيت جرميان، واستمرت هذه الخصومة حتى أوائل عهد عثمان. لقد أُعطي أرطغرل أرضا رعوية حول سغوت, وكانت الأراضي المجاورة التي أصبحت تشكل أرض جرميان ما تزال دار حرب. ويبدو أن قبيلة أرطغرل قد كرهت قدوم قبيلة جرميان الأكثر قوة، لأنها هددت حرية تحركها. وقد لعبت قبيلة "جرميان" دور الوصي "الأخ الأكبر" على القبائل الأخرى، على الأقل حتى أوائل القرن الرابع عشر. وبدأ الصراع بين قبيلة عثمان والبيت الجرمياني بسبب من أن الأخير وقف مع السلاجقة في قمع الثورة التي قامت خلال السنوات 1239 _ 1241 بقيادة الدراويش البابائية، والذين هرب الكثيرون منهم كزعيمهم أده بالي (Ede Bali) إلى بيثينيا وأقاموا علاقات ودية مع العثمانيين. وإذا كان الغموض لا يزال يحيط بالسنوات الأولى من حكم عثمان، فهذا الغموض يطال أيضا هويته الذاتية. أقدم المصادر البيزنطية تقرأ اسم عثمان كالتالي: أتومان أو أتمان واستنتج بعض البحاثة من ذلك أن مؤسس الإمارة العثمانية كان له اسم تركي في البدء، على الأرجح أتمان، ثم تغير لاحقا إلى عثمان. والغريب أن مصدرا من أقدم المصادر العربية التي ذكرت اسم عثمان، المؤرخ والجغرافي "العمري" سنة 1330، يهجىء الاسم بالطاء أيضا في مكانين ثم يذكره بشكل صحيح لاحقا. وهناك صدى لهذا "الاسم الآخر" في مصدر تركي متأخر، سيرة حياة "الحاج بكتاش" المكتوبة في القرن الخامس عشر. ولا نحتاج هنا إلى إعادة إحياء نظرية "غيبون" التي تقول بتحوّل عثمان من الوثنية إلى الإسلام لتفسير تغيّر اسم عثمان وجعل هذا التغير ممكنا تاريخيا. فالأسماء التركية، كانت وما تزال، تعطى للأطفال الذين يولدون مسلمين. إلا أنه إذا كان الاسم الفعلي لعثمان هو أتمان ثم تبنى اسما عربيا أكثر هيبة ومقاما لاحقا، فهذا يمكن أن يدلّ على نقطة انعطاف هامة في الهوية الذاتية أو الأيديولوجية السياسية للعثمانيين الأوائل. البيزنطيون والمغول وحتى السلاجقة كانت لهم بعض السلطة على مجتمع التخوم. في العقد الأخير من القرن الثالث عشر بالنسبة للجانب الإسلامي _ التركي في غرب الأناضول، كانت هناك طبقات سلطوية متعددة: 1_ خانات المغول وحكامهم. 2_ سلطنة السلاجقة. 3_ سلطنة المماليك. 4_ أمراء سلاجقة لهم وجود مادي عسكري في التخوم ويسعون إلى السلطة. 5_ أمراء الأوك وهم معينون ومعترف بهم من المغول أو السلاجقة. 6_ بكوات أو أمراء القبائل. 7_ وجهاء دينيون وأتباعهم. 8_ المغامرون والطامحون وبعضهم توصل إلى أن يكون أميراً. انطلاقاً من هذه الأرضية المعقدة والمتغيرة لمناطق التخوم، كان من الصعب الحديث عن "الجانب الاسلامي _ التركي" ككيان ذاتي مغلق، أو "كمجموعة قومية". حتى الإمبراطور البيزنطي كان له نفوذ مباشر بين المسلمين والمسيحيين خصوصاً وأنه كان هناك أمراء محليون مسيحيون إضافة إلى مجموعات كهنوتية. وأظهر عثمان براعة سياسية في هذه البيئة حيث التحالفات تتجاوز الخطوط القبلية والاثنية والدينية. يتحدث أبز عن علاقات عثمان الودية مع قادة المدن والقرى المسيحية، كما أنّ قبيلة عثمان في ترحالها نحو مراعي الصيف، كانت تترك حاجياتها عند قلعة "بيلجيك" البيزنطية وعند عودتهم كان يهدون مسؤولي الروم، عربون لخدماتهم، "الجبن وزبدة الحليب المحفوظة في جلود الحيوانات والسجاد الجيد". وعند سيطرة عثمان على أول مركز ديني، أقام (سوق المدينة) وكان يقصده المشركون من المناطق المجاورة كما المسلمون من الإمارات العثمانية والجرمانية. أنّ مفهوم الغزو يرتبط بمبدأ الشرف، والصداقات القديمة والخدمات والوعود والارتباطات كان لها وزن معين وتأثير على روحية الغزو. احترم الأتراك الكسيوس فيلنتروبينوس إلى درجة أنهم كانوا مستعدين للتخلي عن حصار فيلادلفيا سنة 1323، "متذكرين لطافته وبسالته". إنّ أفضل محاربي التخوم هم أولئك الذين يستطيعون المحافظة على قضيتهم بشجاعة وإصرار، ويظهرون تعاطفاً وشهامة نحو العدو. صلاح الدين الأيوبي هو مثال محاربي القرون الوسطى الذين جمعوا وبأناقة بين هاتين الخاصتين متناقضتين ظاهرياً. علاقة عثمان مع خصومه المسيحيين والمسلمين تأتي علاقات عثمان مع ميهال (Mihal) أحد جيرانه، ورئيس قرية هرمنكايا لتقف دليلاً على تعاون عثمان مع جيرانه البيزنطيين. وعلى الرغم من ميهال قد تحول لاحقاً إلى الإسلام، إلا أنّ بعض الغزاة قد كرهوا وجود مشرك بينهم يساهم في عمليات الغزو ويتمتع بفوائدها. وقد أوضح البعض أنّ علاقة عثمان مع ميهال توضح "الطريقة العثمانية في الفتح"، وذلك بانتقال ميهال من مشارك إلى خاضع إلى مندمج في بناء هرمي جديد. المصاهرة والإستراتيجية السياسية ولقد تصرف عثمان ببعد نظر وإستراتيجية طويلة المدى. وربما اتبع في ذلك غريزته ومتطلبات خطته. فإحدى زيجاته كانت لابنة شيخ هو رأس مجموعة مزدهرة من الدراويش والرعاة في التخوم. علاقة المصاهرة بين العثمانيين والشيخ القائد لهذه الجماعة "أده بالي" تفسر علاقات العداء التي قامت بين العثمانيين وبين بيت جرميان. فهذا الأخير قد كوفئ من قبل السلاجقة بسبب خدماته لهم في إخضاع ثورة البابائية. أما بالنسبة للإستراتيجية العسكرية للعثمانيين الأوائل، فإننا لا نعرف عنها شيئا أكيداً. حتى معركة بافوس (Bapheus) وهي أول حدث مؤرخ في تاريخ عثمان، حيث انتصر في مواجهته مع قوى بيزنطية سنة 1301 أو1302 . بعض هؤلاء المتطوعين في بافوس، كوفئوا بكرم ربما بقوا وأصبحوا عثمنليين، بينما الآخرون وبسبب عدم تحقق توقعاتهم، ربما تركوا وانضموا إلى قائد آخر. وحتى عام 1330 فإنّ قوات الإمارات تكونت وبدرجة كبيرة من "محاربين متأرجحين"، كانوا مستعدين لنداء الغزو من قبل زعماء مختلفين. أهمية موقع الإمارة العثمانية لقد كان لمركز قاعدة سلطة عثمان أثر كبير في تحقيق نجاحاته. إلا أنّ الميزة الأولى والأساسية كانت موقع القوات الموالية لعثمان الكائن في نهاية طرف التخوم. إن نجاح هذه المؤسسة الصغيرة التي يرأسها عثمان وأبناؤه في سلسلة من الغزوات والفتوحات لمدن صغيرة في بيثينيا، قد دفعت بالعديدين، ليس فقط من المحاربين، وإنما من الدراويش والعلماء، للانضواء تحت قيادتهم. ويذكر يخشي فقيه أنّ انتشار أي خبر عن إنجاز عثماني آخر، كان يدفع شعوباً جديدة ً نحو السلطنة العثمانية. وإن "عدالة وكرم" العثمانيين الأوائل، يذكر أبز دفعت بالمزارعين الهاربين من المناطق المفتوحة للعودة مجدداً إلى مزارعهم. لقد أدرك العثمانيون أنّ الوضع الجيد لرعاياهم هو "عامل في إطالة عمر الدولة واستمرار النظام في الإمبراطورية". إنّ انحطاط المصالح المباشرة للدولة البيزنطية في هذه المنطقة قد سهّل ولا شك عملية التوسع العثماني. فنقص الدفاعات البيزنطية ساعد العثمانيين على التقدم دون لفت انتباه القوى الكبرى. لقد عمل البيزنطيون من 1290 إلى 1294 على تحصين حدود بيثينيا على طول النهر الفاصل. العثمانيون الذين كانوا يقيمون جنوباً ، تحركوا على طول النهر من الجنوب، مما جعل القلاع البيزنطية عديمة الفائدة. التحرك العثماني الأول كان على طول النهر ثمّ امتد غرباً نحو بيثينيا وهذا ماحصل في السنوات الأولى بعد معركة بافوس، ولم يدرك العثمانيون أنّ توسعهم هذا كان حاسماً إلا في مرحلة متأخرة. واستناداً إلى المعلومات المأخوذة من العمري، ومن حقائق سنة 1320، فإنّ هناك إمارات أخرى (آيدن ومنتشى) كان بإمكانها جمع قوات أكثر مما كان بإمكان البيت العثماني أن يجمع. وفي التصوير الجغرافي العربي العمري لإمارات غرب الأناضول، نراه يبرز العثمانيين وحدهم كقوة متصارعة عسكرياً مع البيزنطيين. وعندما مرّ ابن بطوطة على إمارات المنطقة سنة 1330، وصف أورخان على أنّه "أعظم أمراء التركمان سعة أرض، وضخامة جيش وثروة" . الخلافة وفي منصف 1320 م كان للعثمانيين نظام إداري _ عسكري معقد لإصدار نقود باسمهم، ولإعطاء مناصب للعبيد، ولإقامة الأوقاف ولإصدار الوثائق المكتوبة (بالفارسية) ولامتلاك مدينة مهمة كبورصة. إلا أن أهم انجاز لهم في هذه السنوات، كان وبحق في تخطي الإمارة العثمانية لاستحقاق موت عثمان دون أية خسارة لوحدة الإمارة. لم يتحدى أورخان أحد من أخوته في خلافته، كما أنّ إمارة عثمان لم تقسم. يرى أبز في أنّ عثمان نفسه، وكان لا يزال حياً، أعطى العرش إلى أورخان، حتى يتم قبول هذا الرجل الشاب في حياة أبيه. مما يعني أنّ عثمان كان ينوي عدم ترك أي مجال لتحدي خلافة ابنه على الأراضي والقبيلة العثمنلية. ومعلومات أبز هذه جاءت مباشرة من يخشي فقيه، ابن الزعيم أورخان، والذي من المفترض أن يكون عارفاً بتفاصيل هذه المسألة. ففي كل جيل، كانت هذه المعارضة لتقسيم المملكة تبرز نفسها، وأخيراً مع محمد الثاني (1451_ 81) الذي شرّع قتل الأخوة كتتويج لمنطق المركزية، هادفاً القضاء نهائياً على عناصر التقسيم. تحديات للسلطة العثمانية استراتيجيات سيادة المركزية لم تكن الخلافة هي الإستراتيجية الوحيدة التي اتبعها العثمانيون للحفاظ على سلطتهم المركزية وعلى حدود ممتلكاتهم، إذ كان عليهم مواجهة مراكز النفوذ الأخرى التي كانت تنشأ في ممتلكاتهم خلال الظروف التاريخية التي مروا بها. ولا نعرف الكثير عن إمارة كارازي (Karasi) سو أمر واحد مؤكد، وكانت له أهميته الخاصة بالنسبة للتاريخ العثماني. لقد كان لكارازي مجموعة من المحاربين الأكفاء الذين علموا العثمانيين أشياء كثيرة من ناحية العبور نحو ثراس، والتي مثلت أرضا لها الأولوية في عمليات الغزو. وعندما قضى أورخان على التي الكارازي وضم ممتلكاتهم، تحول هؤلاء المحاربون إلى خدمته وقدموا له خبرة عسكرية هامة في نقل نشاطات الغزو إلى الضفة الأخرى من الدردنيل، والتي أصبحت بالأساس ممكنة بسبب دعوة كونتاكوزينوس الذي احتاج للمحاربين الأتراك لاستخدامهم ضد خصومه. بعد خسارة العثمانيين لغليبولو (Gelibolu) الرابط الأساسي بين الضفتين (الأناضول وثراس) تمتع الغزاة في ثراس باستقلالية عن العثمانيين حتى ولو كانوا بالأساس تحت الحماية العثمانية. وهذا جزء من قواعد اللعبة العسكرية السائدة. وأشهر القادة المحاربين الراغبين بالاستقلال كان حاجي الباجي، وهو من محاربي الكارازي السابقين. وربما كان هو الفاتح الذي عرف باسم سيد علي سلطان. ويبدو أن الشخصية المركزية في الطريقة الكباشية قد قامت على محارب له الفضل في نقل نشاطات الغزو إلى ثراس. ومن الواضح في المصادر العثمانية أن حاجي الباجي كان له الفضل في الانتصار الساحق على القوات الصربية سنة 1371. وقد ذكرت هذه المصادر أيضا أن حاجي الباجي قد قُتل من قبل قائد موالٍ لمراد الأول ابن أورخان. وهذا ما يثبت أن التوجهات الانفصالية قد بلغت أوجها في السبعينيات من القرن الرابع عشر، ما دفع العثمانيين إلى تطوير جهاز حكمهم المعقد. فبعد ملاحظاتهم لضعف الروابط بين المحاربين من جهة وبينهم وبين البيت العثماني من جهة أخرى أصبح الأمير العثماني سلطانا وابتدعت الدولة الناشئة جيشا جديدا هو الانكشارية والمؤلف من شباب كانوا عبيدا حتى يكون ولاؤهم الوحيد للسلطان. أن التعقيدات المؤسساتية لإمارة عثمان ظهرت مبكرا، وقبل وصول عائلة الجاندرلي التي سيكون لها دور هام في تعزيز السلطة المركزية العثمانية. فبدءا من الجاندرلي قره خليل سيطرت ثلاثة أجيال من هذه العائلة على الوظائف العليا في الإدارة ولعبت دورا هاما في بناء بُنى معقدة للحكم دعمت التوجهات المركزية للدولة العثمانية على الرغم من استياء الغزاة ومؤيديهم لهذه التوجهات. والمصادر التي تذكر هذا الامتعاض تربط "بداية" كل الشرور والاضطرابات مع قدوم عائلة الجاندرلي وبايزيد الأول. فنظام مثل نظام (الدفشرمة)، حيث كان يتم جمع الصبيان من عائلات الفلاحين غير المسلمين، "فيحولون إلى عثمانيين" ثم يرفعون إلى أعلى مراتب الحكم، لا يمكن رؤيته إلى من خلال دولة ولدت في ظروف التخوم، واستخدمت خصائصه في المرونة والحركة في أناضول العصور الوسطى. أما القوى الاجتماعية التي تضررت من هذه السياسة المركزية فكان على رأسها قادة الحركات الدينية الصوفية، ولكن في النهاية فضّل العثمانيون الحركات الصوفية المدنية والأكثر علما وحداثة، خصوصا بعد تحول بعض حلفائهم القدامى من الدراويش إلى أعداء. وقد تمكن الصفويون من كسب أنصار لهم ليس فقط من بين القبائل وإنما أيضا من بين مجموعات الدراويش التي كانت مرتبطة بالعثمانيين والذين أصبحوا مستعدين لتبني المذهب الشيعي. أما جماعات الآخيين القريبة من مفهوم النقابات والمؤسسات شبه الصوفية والمكونة من رجال من المناطق المدنية، فقد خسرت استقلاليتها التي تمتعت بها في السابق وتحولت إلى نقابات مسيطر عليها من قبل الحكومة. مجموعة أخرى، هي محاربو التخوم وعلى رأسهم أمراء الأوك عانت من القوة المركزية في الإمارة العثمانية النامية، ومن التبني العثماني في النهاية للمفهوم الإمبراطوري في الإدارة والحياة الثقافية. التوتر النظامي والعميق نشأ بين الغزاة الذين اعتادوا أن يروا أنفسهم شركاء للبيت العثماني. واستياؤهم يعود على الأقل إلى الربع الأخير من القرن الرابع عشر. عندما لم يقم العثمانيون فقط بضم الأراضي التي فتحها الغزاة أنفسهم وبشكل مستقل في مناطق ثراس، وإنما فرضوا أيضا ضريبة على غنيمتهم الأساسية: العبيد. الشيخ بدر الدين، القائد "المبتدع" لأعظم حركة ثورية (على الرغم من فشلها) في التاريخ العثماني (1419)، كان ابن غاز. وتؤكد التقارير أن والده كان مرافقا للحاجي الباجي. المعارضة للقوة المركزية العثمانية التحمت مع توجهات عرفتها الدولة العثمانية بأنها "بدعية"، كما أنها انتشرت ضمن أوساط محاربي التخوم والدراويش والبدو. صحيح انه لم يتحول كل الغزاة والدراويش إلى متمردين أو هراطقة، كما لم تؤيد كل القبائل القضية الصفوية، لكن هذه القضية عرضت نفسها كخيار ثقافي وديني وسياسي منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر. ولا يمكننا بالطبع أن نتوقع لهذه الفئات الاجتماعية المختلفة أن تتصرف كمجموعة واحدة. المهم أن الغزاة كمجموعة اجتماعية مميزة لها طرق حياتها الخاصة، وتحالفاتها وصراعاتها كما يمكن ملاحظة مواقفها بسرعة. لماذا وقف بعض الغزاة مع الدولة العثمانية ؟ لأن دولة مركزية يمكن أن تؤمن لهم الأمان نسبيا. كما من الممكن أيضا أن تجعل الغزوات اللاحقة أكثر ربحا. ولذا فمن الطبيعي أن يكون قبول مستوى معين من الخضوع خيارا مقبولا بالنسبة لبعض المحاربين. وفي نهاية القرن الخامس عشر، كان ورثة تقاليد الغزو الأولى قد ابتعدوا عن الاتجاه العثماني السائد. وهكذا فان أبز والمؤرخين الآخرين تبنوا الاتجاه الأصلي لاستمرار تقاليد الغزو الأساسية، بينما أعطى بيروقراطيو البلاط مفهومهم "الغريب" للغزو، ففشلوا في ذلك في كسر ورثة التقاليد الأولى. ويجب التنبيه هنا إلى أن الصفويين كسبوا ولاء القبائل والدراويش ليس فقط بالدعاية الدينية، وإنما أيضا بتبنيهم مفهوم "الغزو الحقيقي". أما في البلقان فبعد إخماد ثورة بدر الدين، انحصر الوجود التركي _ الاسلامي بالوجود العثماني. واستمر العثمانيون في توسعاتهم، وكان لسياسة إقامة المستعمرات والاستقرار التي اتبعها العثمانيون بعد انتصاراتهم العسكرية اثر مميز في عملية التوسع. وقد ساعدت طبيعة السلطة السياسية المجزأة في البلقان ومشكلة وجود كنيستين على هذا التوسع أيضا. وقد ركز الكثير من المؤرخين على خفض العثمانيين للأعباء المالية المفروضة على فلاحي البلقان الذين عانوا ولوقت طويل من جشع سادتهم. والأهم من ذلك كانت الطبيعة المنتظمة والمستقرة للإدارة العثمانية التي جاءت بعد فترة ضياع وفوضى، إضافة إلى تأثير الانتصارات "الساحقة" {سيب سنديغي (Sip Sindigi) 1371، كوسوفو 1389، فارنا 1444، وكوسوفو الثانية 1448} التي كرست نهائيا وجود الإدارة العثمانية في البلقان. ركز إينالجك في دراسته للأطراف السياسية العثمانية في سنوات 1430 و 1440 على مجموعة من الأمراء الأوك الذين شكلوا في ذلك الوقت الأعضاء القياديين لـ "حزب الحرب" الذي وقف معارضا لعائلة الجاندرلي الذين كانوا من الداعين للتعاون مع حكومة الإمبراطورية البيزنطية. وستكون هذه هي المرة الأخيرة التي يلعب فيها وجهاء محاربي التخوم دورا استراتيجيا هاما كان له أثره في التوجه العام للسياسة العثمانية. وعلى الرغم من أن اعتقال مراد الثاني والتتويج الأول لمحمد الثاني سنة 1444 ، اظهر وكأن أمراء الأوك لهم اليد الطولى في السياسة العثمانية، إلا أن انقلابا مضادا سيقوم بين جيش العبيد (بتشجيع من عائلة الجاندرلي) بعد اقل من سنتين. رغم عودة محمد الثاني سنة 1451 وأتباعه لسياسة أكثر عنفا نحو البيزنطيين وفتح اسطنبول، فان تحقق حلم الغزاة لم يؤدِ إلى تعزيز دور أمراء التخوم في النظام السياسي العثماني بسبب نضج التوجهات المركزية للدولة العثماني في ذلك الوقت. وعلى الرغم من إعدام جاندرلي خليل من قبل الفاتح بعد الفتح مباشرةً، فان بعض زعماء "حزب الحرب" من أمراء الأوك قد قتلوا أيضا بعد فترة لم تكن ببعيدة. وعلى الرغم من أن القرن الذي تلا فتح القسطنطينية ظهر وكأنه عهد مجد الغزاة في البلقان كما نقرأ في (غازيات نامه) التي سجلت أعمال الغزاة، إلا انه كان مجدا عابرا وتمتع الغزاة به على حساب خضوعهم المتزايد للدولة المركزية. وفي سنة 1457 عندما أمر محمد الثاني بالهجوم الأخير واحتلال قلعة بلغراد، احتج محاربو الحدود في البلقان قائلين كما يروي أبز، "إذا فُتحت بلغراد، فما علينا سوى فلاحة الأرض". ويتبين من "سلجوق نامه" التي أُلفت سنة 1474، أن الغزاة كانوا يشعرون بأنهم لم يعطوا مردودا عادلا في مقابل خدماتهم. ونقول مجددا أن فتح القسطنطينية وجعلها عاصمة شكل الحسم النهائي في هذه المسالة، لأن هذا الفتح كان يمثل قمة الرؤية السياسية التي همشت الغزاة. ولكن وقبل الفتح بكثير، كما تقول الروايات التي كتبت بعد أن خسرت أدرنة دورها كعاصمة، زار سلجوق هذه المنطقة وحذر الحكام المسلمين من المستقبل قائلا: "أي شخص يرغب في فتح ارض الروم، يجب أن يكون مركزه في أدرنة. وأي شخص يرغب في تدمير المشركين والأعداء، يجب أن يبقى في أدرنة لأنها قلب الغزاة ..". وسيكون من الخطأ الحديث عن محاربي التخوم كقوة سياسية بعد القرن السادس عشر. وتحويل العاصمة بعيدا عن اسطنبول، استمرت في حمل معانيها الرمزية في التاريخ العثماني السياسي حتى الأيام الأخيرة للإمبراطورية. وأخيرا فان اختيار أنقرة كعاصمة للجمهورية التركية لا يحتاج إلى أي تفسير كرمز للانقطاع النهائي عن النظام السياسي العثماني. ومهما كانت عظمة الدور الذي لعبه الغزاة في ظهور الدولة العثمانية، فإنهم لا يمثلون أكثرمن جزء معين من مجتمع التخوم في أناضول العصور الوسطى، مع عاداتهم الخاصة ومصالحهم وتحالفاتهم، ضمن ائتلاف حظي بنجاح أكبر أدى في النهاية إلى ابتلاع بعض أعضائه. لقد مثل الغزاة فئة اجتماعية صلبة، تُركت في النهاية خارج الطبقة الحاكمة بسبب ظهور الإمارة المركزية بقيادة البيت العثماني، الذي كان يوماً مثلهم واحداً من أمراء الغزاة. لقد أصبحت عمليات الغزو تخضع لقرارات الباب العالي. فالغزوة لم تعد مسألة على مستوى المحلة أو المنطقة إنما ارتقت إلى مصاف المسائل العالمية في عالم السياسة الحقيقية. ولذا فعندما وقّع سليمان القانوني معاهدة سلام مع آل هابسبورغ وكان في نيته الحفاظ عليها أمر قائد الغزاة ميهال أوغلو بالامتناع عن القيام بأية غزوة في أراضيهم. آذار 2011 / زياد هواش ..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل