المحتوى الرئيسى

ثنائية ( المرأة / الوطن ) قراءة نقدية في ديوان احتلال مدينة للشاعر المصري : محمود الحكيم بقلم:د. أحمد كُريِّم بلال

03/10 19:45

ثنائية ( المرأة / الوطن ) قراءة نقدية في ديوان : احتلال مدينة للشاعر المصري محمود الحكيم بقلم الدكتور : أحمد كُريِّم بلال akorimblal@yahoo.com نحن العرب أمة شاعرة . والشعر – كما قيل ويقال – فن العربية الأول، ولا يزال رغم مزاحمة كثير من الفنون الأدبية وغير الأدبية له هو القمة الفنية التي لا تُطَال، والمجد الذي يتطلع إليه كل أديب. ونحن نشهد بهذا ونقر دونما شك، غير أننا نشهد أيضًا بأن شاعر القرن الحادي والعشرين ( وإن اختلفت مهامه وتغيرت صورته في عصر السماوات المفتوحة والأقمار الصناعية، وفي عصر الشبكات الإلكترونية ) نشهد بأنه رجل يحمل في عروقه جينات أسلافه الجاهليين، وأن ثمة جرثومة فنية لا تفتأ أجيال الشعراء تتوارثها من لدن امرئ القيس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأحسب هذه الجرثومة هي علاقة الشاعر بالجماعة التي ينتمي إليها، ورغبته في أن يكون صوت الجماعة الناطق باسمها المعبر عن أوجاعها، والمترنم بأفراحها. قد تتشكل بأشكال متباينة ومتنوعة من عصر إلى آخر؛ لكنها تظل باقية على كل حال. نقول هذا ونحن نقرأ ديوان احتلال مدينة، وهو الديوان الأول لشاعرنا: محمود الحكيم(1) ، ولا أعني – بالطبع – أن شاعرنا لا يحمل صوتًا متميزًا، أو أنه – على الرغم من كلاسيكيته المفرطة التي تشوبها أوشاب رومانسية – لا يحمل بصمة متفردة متميزة ينفذ من خلالها إلى رؤية شديدة الخصوصية؛ رؤية يبني من خلالها عالمه الجمالي المنشود، بل وأقول – غير مبالغ – إنه يستشرف من خلالها مستقبل عالمنا المادي الذي نحياه. وعلى الرغم من عدم تحمسي كثيرًا للمقولات النقدية الحديثة التي تنادي إلى حد الشطط بموت المؤلف علي حين تُعلي من دور القارئ، وتجعله الركن الركين في الاستقبال والتلقي؛ أقول ( مُبْقيًا على شاعرنا وداعيًا له بطول البقاء ) إن قارئ هذا الديوان في وسعه أن يعيد صوغه وتشكيله وفهم معانيه في إطار رمزي عميق انطلاقًا من صوره الكلاسيكية التي قد تبدو للوهلة الأولى صورًا نمطية وتقليدية. ومن ثمّ يستطيع القارئ إن يرى في هذا الديوان الصادر سنة 2008م إرهاصات ونبوءات بالثورة المصرية العظيمة التي نتنفس الآن هواءها وننتشي بنجاحها. ولنقل في البداية إن العنصر المحوري المهيمن على بنية هذا الديوان هو عنصر المرأة المحبوبة حبًا ساميًا كما يقول في قصيدة ( عذبت قلبي ) : ورأيتُ وجهَكَ بين أحضان السما من يا حبيبُ إلى السماء دعاكا؟ لا لســــت أطمع في هواكَ فربمــا لو نلتـــــه لدنوت مـــــن عليــــاكــــا إن الشاعر يومئ إلى قارئه إيماءة حصيفة بأن عليه ألا يضيّق من حدود هذا الحب الصوفي، وأن يجعل من حب هذه الحبيبة السامية حبًا أرقى وأعلى من تطلع رجل إلى امرأة، والتأويل يتجه مباشرة إلى اعتبار هذا الحب إنما هو للحبيبة الكبرى التي يقع دونها حب كل حبيبة. والرغبة العارمة في الوقوع في شراك هذا الحب مع التخوف من عواقب وهجه وأوجاعه هو – أيضًا – من صور الغربة في الوطن التي عانينها – نحن المصريين – كثيرًا في ذلك العهد البائد، وهو الذي جعل حبنا لبلادنا جرحًا مطمورًا في حنايا نفوسنا . يقول محمود الحكيم في قصيدة ( فارس ) : رددت يد الحب عني... وقلبي يذوبُ ... وروحي تموتُ .. وتحيا ( .... ) عطشتُ ، ومتُّ ... ومائي أمامي ... فكيف أموتُي ومائي لديا ؟؟!! إن هذا الفارس المكلوم في حبه ليس له إلا أن يثور ويثور ليتجدد العطاء : قتلت الحياة بقلبي .. لتحيا قلوب بموتي .. ألست قويا؟! وعليه أن يلوذ بمبادئه وقيمه ودينه؛ فلا يقوده التيار إلى ما انقاد إليه الآخرون، فلا يستبدل حبه السامي بحب بديل يرجو به عَرَض الدنيا حين يكون التيار الغالب هو تيار التربّح والانتهازية دون أدنى اعتبار لوازع من ولاء لدين ، أو حب لوطن، يقول الشاعر محمود الحكيم : أنا لو أضعت شعوري وقبلي ... لضعت .. أنا والحبيب سويا فديني أعزٌّ عليّ وأغلى وربي أراه أحبَّ إليّا .. وعلى الرغم مما يشوب البيت الأخير من تبرير نمطي تقريري؛ تنأى به المباشرة عن جوهر الشعر؛ فالشعر من شأنه أن يُفجِّر الأسئلة العميقة دون أن ينشغل بالبحث عن إجابات مرضية لها، من شأنه أن يترك القارئ مثقل الكاهل بتساؤلات مصيرية ووجودية حيرى دون أن يسوق له المبررات الوديعة التي تتركه في طمأنينة وسكون، نقول على الرغم من ذلك كله إلا أننا نلتمس لشاعرنا العذر حين يدفعه وازع الألم الإنساني إلى ضبط التلقي بالكشف والإيضاح والبوح. ولقد تجاوز شاعرنا هذه المرحلة التقريرية في كثير من قصائد هذا الديوان ، وفيما تلاه من تجارب أخرى. وفي قصيدة أخرى عنوانها : ( طوق العهد ) يمكن أن نتجاوز الأمومة المادية الواقعية لنجعل منها أمومة الوطن. ولنقرأ هذه الأبيات لنرى من خلالها ذلك الواقع المرير الذي عايشناه، والذي ثار عليه بنو مصر : لم أشعر أبدًا في حضنك إحساس القسوة والغابة .. والكل ذئاب يا أمي الكل يكشر أنيابه فالقيم الحلوة ما زالت ... تلعب بالقلب وبالأنفاس إننا نستطيع أن نقرأ التشوف إلى الثورة والشوق إليها – أيضًا – بين ثنايا صور شعبية واقعية بسيطة يجوز أن نعيد تأويلها وقراءتها من منظور جديد تختلط فيه مشاعر حب الوطن والشوق إليه بمشاعر الحنق على سارقيه والتطلع إلى الثورة عليهم، يقول الشاعر في نفس القصيدة : وملاعب كنا نعشقها نترامى فوق حشائشها ونمثِّل لصًا وعساكر ونحارب بالسيف الثائر ... أما درة هذا الديوان وقصيدته الأم التي يحمل عنوانها وهي قصيدة ( احتلال مدينة) فهي قصيدة رائعة تستدعي من القارئ وقفة طويلة، وتتطلب ومزيدًا من التأمّل والتأويل؛ فالقراءة الحَرْفية العجلى لهذه القصيدة دون استبطان بنيتها الدلالية العميقة قد تجعلنا نحكم عليها بالتناقض أو لا منطقية التكوين ، فالشاعر – وفقًا لهذه القراءة السطحية – يعلي من أسوار مدينته ويعتصم بها فرارًا من الحب، لكن جحافل الحب تغزوه في عقر داره ، ولا تفتأ كتائبه تتهاوى وحصونه تندك، فيجد نفسه مرغمًا على الفرار من وجه الحب، ثم يعود بعد حين إلى مدينته ليجد قلبه أسيرًا لهذا الحب الذي فر منه، وهو يتألم حين يجد هذا الأسر ، على حين أنه عاد – أصلاً – إلى مدينته لينقذ إنسانيته. ونحن في قراءة أعمق لهذه القصيدة نستطيع أن نفسِّر هذا التناقض في طبيعة علاقتنا الشائكة بمعشوقتنا وحبيبتنا الكبرى مصر التي نحبها ولا نجد من جرَّاء هذا الحب إلا كلّ جحود وإنكار، ونحاول أن نفرّ من محبتها إلى حيث لا ينفع الفرار، نطوِّف في الآفاق، ونقنع من غنيمتنا بعد لأيٍ وعنتٍ بالإياب، حيث تكون حبيبتنا مدينة تحتلها الذئاب، ويحكمها المستبدون والطغاة. يقول الشاعر : قررت العودة للبلدِ ... كي أنقذ فيّ الإنسان ودخلت مدينة أحلامي ... فوجدت لهيب النيران . وأنينًا يوجع ودموعًا .. وخرائب ... كانت جدران . وعلى الرغم مما نلقاه في بلادنا من عنت وفساد يحيلها إلى خرائب يظل القلب معلقًا بها، يهواها ويأبى الرحيل عنها، وإن كان رازحًا تحت نير طغمة من الساسة الفاسدين : ورايت جنودًا ورماحًا ... وأسودًا تزأر ... وكلابًـــا !! جبروت القوة أعجزني ... فبكيت حزينًا مكسورا ووقفت أراقب في لهف من بين حشود وجموع .. والقلب أسير مجروح ويطأطئ في ذل وخضوع .. وأراه يغيب عن العينِ ... وأنا .. لا أملك غير دموع .. ودعت القلبَ وودعني.. وانطفأت أنوار وشموع... لم يكن شاعرنا محمود الحكيم يعلم أن تلك الأنوار والشموع التي شكا انطفاء بريقها ستعود إلى التوهج بعد أعوام قليلة جدًا؛ ستعود إلى التوهج حين تزكي شعلتها دماء الشهداء الأبرار ، وإرادة الشعب العظيم، ومن وراء هذا الشعب البطل المغوار فرسان القلم، أولائك الأبطال الذين لا يقل جهادهم الأدبي شرفًا عن جهاد الأبطال الذين غيروا تاريخ مصر . تحية إلى شاعرنا ونحن في شوق إلى المزيد من عطائه الذي نتوقع من خلال قراءتنا لهذا الديوان أن يكون حاملاً لتجارب أعمق وأنضج. هوامش وتعليقات (1) الشاعر محمود الحكيم شاعر مصري معاصر، ولد في محافظة البحيرة سنة 1978م . يعمل بالتدريس في القاهرة . وهذا الديوان الذي نتناوله بالدراسة هو الديوان الأول، وهو الوحيد المنشور له، غير أن له بعض القصائد المتفرقة الأخرى نشرت بعد صدور هذا الديوان، وله بعض قصائد شعبية وطنية مسجلة بصوته وصورته على موقع : اليوتيوب

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل