المحتوى الرئيسى

والقَلَمِ وما يَسْطُرُون بقلم: جواد البشيتي

03/10 19:17

والقَلَمِ وما يَسْطُرُون جواد البشيتي كل الدول الديمقراطية تخلو، في صحافتها وصحافييها، ممَّا يسمَّى "قسم الرقابة"؛ لكن ليس كل دولة تخلو من هذا القسم يجب أن تكون ديمقراطية في حياتها الصحافية، فثمَّة دول تنتفي لديها الحاجة إلى "قسم الرقابة"، فتلغيه؛ وهذه الحاجة تنتفي عندما يصبح الرقيب الحكومي نفسه مقيماً في داخل كل صحافي، يأمره تارةً، وينهاه طوراً، فوظيفة "قُلْ ولا تَقُلْ" تصبح عادة مهنية يومية لدى الصحافي! الصحافي في عمله ومهنته إنَّما هو الصراع اليومي والدائم بينه، أو بين ما بقي فيه من ميل إلى الحرِّية، أو من وجود لـ "الصحافي الحُر"، وبين ذلك "الرقيب الداخلي الكامن المستتر"، فكلَّما زيَّنت له نفسه "الأمَّارة بالسوء" أن يكتب بما يوافِق "حُبه للحقيقة"، ولو غضب أفلاطون، نهاه ذلك "الرقيب الخفي"، وهدَّده وتوعَّده؛ وينتهي هذا الصراع، على وجه العموم، إلى غلبة وانتصار هذا الرقيب. ذات يوم، وصف رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبد الرؤوف الروابدة الإعلام لدينا بأنَّه "مرعوب"، متَّخِذاً من "الإعلام المرعوب" سبباً يَنِسِب إليه كثيراً من "النتائج السلبية"، ضارباً صفحاً عن حقيقة أنَّ هذا "السبب" يمكن ويجب النظر إليه، وفهمه، على أنَّه "نتيجة"، فالصحافي أو الإعلامي "المرعوب" لا يُوْلَد "مرعوباً" وإنَّما "يصبح" كذلك؛ وكفانا الله جميعاً شرَّ السؤال "لماذا إعلامنا مرعوب؟". الصحافي عندنا، أو كاتب مقالة الرأي على وجه الخصوص، يكتب وكأنَّه يزحف في حقلٍ من الألغام، فهو، أوَّلاً، ينأى بقلمه عن "المحرَّمات"، أو كل قضية يمكن أن يُنْظَر إلى تناولها على أنَّه تجاوز لـ "خطٍّ أحمر". و"قائمة المحرَّمات" تشمل مواضيع وقضايا هي في منزلة "الأصول"؛ ويكفي أن يتقيَّد بها الكاتب حتى لا يبقى لديه من أمر يستطيع الكتابة فيه إلاَّ ما يشبه "حبوب منع الحمل"، و"كيفية الوقاية من مرض أنفلونزا الخنازير"، وكأنَّ خير موضوع يمكن أن يستنفد فيه جهده ووقته ومداده هو ذاك الذي يملك "خواص الماء الصالح للشرب". يَكْتُب وهو يَعْلَم أنَّ القارئ لا يبحث عن مواضيع بخواص الماء الصالح للشرب، وإنَّما عن مواضيع تشبه "ماء البحر"، كلَّما شرب منها أكثر ازداد عطشاً! لقد استفحلت في الصحافي والكاتب، قلماً ولساناً، "الرقابة الذاتية"، فَلَمْ يبقَ لديه من وسيلة للعيش (مع أن الكاتب الحُر هو الذي يعيش من أجل أن يكتب، ولا يكتب من أجل أن يعيش) سوى تلك المواضيع والقضايا التي يبحث من خلالها في "رائحة الشيء"، وليس في "الشيء ذاته"، فيرتفع في صحافتنا منسوب المقالات التي لا تضر ولا تنفع، وينخفض، في الوقت نفسه، منسوب القراءة، وكأنَّ صحافتنا تعاني "أزمة فيض في الإنتاج"، فهي تُنْتِج، وتُكْثِر من الإنتاج؛ لكن "السوق" تكاد أن تخلو من "المستهلكين"! 95 في المئة من صحافيينا وإعلاميينا يمارسون "الرقابة الذاتية" التي هي أشدُّ وطأة من الرقابة الحكومية المباشرة والصريحة، فيا معشر الصحافيين والإعلاميين، إنْ استطعتم أن تنفذوا من الرقابة الحكومية، فانفذوا لا تنفذوا إلاَّ بالرقابة الذاتية، وبمزيدٍ منها! الكاتِب هو الذي يستطيع اختبار وإدراك المنسوب الحقيقي لحرية التعبير في مجتمعه؛ فهذه الحرية إنَّما هي تجربته الدائمة، واليومية عند كثير من الكتَّاب؛ وهو، من ثمَّ، الذي يحقُّ له أكثر من غيره أن يتحدَّث عمَّا يتمتَّع به مجتمعه، بأفراده وجماعاته، من حرِّيات فكرية وسياسية وصحافية. وأذْكُر أنَّ كاتباً قضى عمره في الكتابة في أمور وقضايا جُلها من "المحرَّمات الفكرية والسياسية" قد قال وكأنَّه يستخلص أهم الدروس والعِبَر من تجربته الطويلة في الكتابة وحرِّية التعبير: "إنَّ كل حرية التعبير في عالمنا العربي لا تكفي كاتباً واحداً أراد أن يُعبِّر في حرية تامة عن كل ما في رأسه من أفكار، وعن كل ما في قلبه من مشاعر"! حتى "الحل الوسط (أو التسوية)" الذي اقترحه فولتير، إذ قال "قد يرغمني الأقوياء على أن أمنع نفسي من قول كل ما أن مؤمِن به؛ لكن ما مِنْ قوَّة في مقدورها أن ترغمني على قول ما أنا لست بمؤمِن به"، يشقُّ على الكاتب عندنا أن يأخذ به ويمارسه، فالأقوياء (في عالم السلطة والمال) عندنا قد يرغمون الكاتِب على أن يكون القلم الذي من خلاله تنتقل أفكارهم هُم إلى رؤوس وعيون وآذان الناس من القرَّاء والمشاهدين والمستمعين. "الكاتِب الحر" إنَّما هو الكاتب الذي يكتب بقطرات دمه، ويتَّخِذ من الحرف سِكِّناً، ويعيش من أجل أن يكتب، ولا يكتب من أجل أن يعيش؛ وهو الذي مهما أحبَّ أفلاطون يظل حبه للحقيقة أكبر وأعظم، فلو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره لا ينطق إلاَّ بما يراه حقَّاً وحقيقةً. هذا الكاتِب نادر الوجود في مجتمعنا، فهو لا يظهر، ولا يَكْثُر، إلاَّ في مجتمعٍ حر.. مجتمع يخشى حجب الحقيقة، ولا يخشى إظهارها؛ ظاهره باطنه، وباطنه ظاهره، فلا باطنية، ولا سرِّية، في الفكر والتفكير. أمَّا الكتبة من الذين لا يميِّزون "البقالة" من "الكتابة"، فهم كُثْرٌ متكاثرون، يَزِنون "الفكر"، في حبرهم وورقهم، بميزان كذاك الذي نراه على بعض الأرصفة، لا يُظْهِر وزنكَ إلاَّ إذا أطعمته "قرشاً". هؤلاء مع "فكرهم" يحظون بالرعاية والعناية، يُجْزِلون لهم العطاء، يُلمِّعونهم، ويُزَرْكشونهم، و"يُنَجِّمونهم"، ويُمَلِّكونهم حتى يظلوا ممتلكين لهم، ويحقنونهم بمصول "القوَّة" مع أنَّ التجربة تنتهي دائماً إلى تأكيد أنَّ البغل مهما قوي، أو قوُّوه، لن يصبح حصاناً. تراهم دائماً في "الصورة"، تارةً يبرقون، وطوراً يرعدون؛ أمَّا "الحقيقة" التي ينطقون بها، إذا ما حسبنا النهيق نُطْقاً، فهي ما يُفكِّر فيه الآن أولياء أمورهم، الذين لا يملكون من المصالح والأهداف إلاَّ ما يَحْملهم على استنفاد جهدهم ووقتهم في محاولة إثبات أنَّ اللبن اسود، وأنَّ المرأة نصف الحامل حقيقة واقعة! إنَّهم، في مبدأ وسبب وجودهم، كالنقد المزوَّر، فهل من حاجة إلى "النقد المزوَّر" حيث لا وجود لـ "النقد الحقيقي"؟! هؤلاء استوى عندهم الفكر والحذاء.. البقالة والكتابة، فأصبح للقارئ الواحد عندنا عشرة كُتَّاب؛ أمَّا في المجتمعات الحرَّة، التي تعشق "الكتابة"، وتكره "الإملاء"، وتميِّز "الكتابة" من "الإملاء"، فنرى للكاتِب الواحد مئات، وآلاف، القرَّاء، فبئس "كتابة" جعلت القرَّاء قطرة في بحر "الكُتَّاب"! يقال في الكاتب الجيِّد الأصيل: كاتبٌ مُجيد، بارع، لبق، متفنِّن، رشيق اللفظ، منمَّق ومصقول العبارة، بديع الإنشاء، صحيح ورائق الديباجة، سبَّاك للكلام، حَسَن الصياغة، حرُّ اللفظ، سهل الأسلوب، منسجِم التراكيب، مُطَّرِد السياق، ناصع البيان، متصرِّف بأعنَّة الكلام، مقبول الإطناب، بليغ الإيجاز، أُنْزِلت الفصاحة على قلمه، أطول الكتَّاب باعاً، وأوسعهم مجالاً، وأسرعهم خاطراً، وأحضرهم بياناً، متبحِّر في معرفة مفردات اللغة، عارف بفصيحها وركيكها، مأنوسها وغريبها، عليم بأسرار اللفظ واشتقاقه، وحقيقته ومجازه، لا يهجم على المعنى من غير بابه. أمَّا في الكاتب الرديء الزائف فيقال: سقيم العبارة، سخيف الكلام، ضعيف الملكة والأداة، متطفل على موائد الكتَّاب، مبتذَل اللفظ والتراكيب، يتلمَّظ بركيك الكلام، ويحوم حول المعاني المطروقة، ضعيف النقد، مِنْ صيارفة الكلام، جُلُّ بضاعته ما ينسخه من متقدِّمي الكتَّاب، وما يمسخه من ألفاظهم، يبدِّل جيِّده بالرديء، ويخلط الفصيح منه بالعاميِّ، ويُفْرِغه في قالب من أسلوبه الركيك الرديء. هذا معيار من معايير، وميزان من موازين، فلا ننسى ونحن نميِّز كاتباً من كاتب محتوى ما كَتَب، ومضمونه، وفكرته، وغايته، ودافعه..، فالورد فانٍ؛ أمَّا عطره فيجب أن يبقى ويدوم؛ والبحث في ذات الشيء وماهيته خير وأبقى من احتراف البحث في رائحته؛ وكم من كتَّابنا يستنفدون جهدهم ووقتهم في البحث في رائحة الشيء! في تجربة "الكتابة"، أو "التأليف"، نقِف على كثيرٍ من معنى "السهل الممتنِع"، فالكاتِب هو في الصورة، والشكل، اجتماع اليد والقلم والورقة، فليس من كاتِب لا يُمْسِك بقلم، ليسيل منه الحبر كلمات على ورقة؛ لكن، ليس كل من امسكَ بقلم، وسَيَّل حبره كلمات على ورقة أصبح كاتباً. وهذا الذي قُلْت لم أقله استعلاءً، وإنَّما إنصاف للحقيقة في عالم الكتابة، فالكتابة هي أوَّلاً بنت العلم والفن، وهي، ولو كانت "مَلَكَة" في معنى ما، إنَّما تنمو وتتطوَّر في التجربة، فالكاتِب لا يُوْلَد كاتِباً، بل يصبح كاتباً. وأنتَ يكفي أن تخوض تجربة الكتابة زمناً طويلاً حتى تتوصَّل إلى استنتاج مؤدَّاه أنَّ الكتابة هي "التفكير في درجته العليا"، أو هي "التفكير في حُلَّته الرسمية". قد تُعبِّر عن فكرة ما في رأسكَ باللسان؛ لكن يكفي أن تحاول التعبير عنها كتابةً حتى تشعر أنَّكَ في حاجة إلى أن تَزِن كل كلمة تريد كتابتها بموازين عدة، منها "ميزان اللغة"، و"ميزان الفكر والمنطق"، و"ميزان الأسلوب"، و"ميزان الحلال والحرام"، الذي قليله ديني، وكثيره سياسي؛ وهذا الشعور يشعر به عادةً رجال الدولة وهم يُدْلون بتصريحات "رسمية"، بألسنة من الدبلوماسية الخالصة تقريباً، فـ "الكلمة"، وفي عالم السياسة والدبلوماسية على وجه الخصوص، إنَّما تستمد جزءاً كبيراً من أهميتها ووقعها من وزن قائلها. إنَّ الكتابة هي "السهل الممتنِع".. "الممتنِع" ليس على المبتدئين في محاولتها فحسب، وإنَّما على "كُتَّابٍ"، نجحوا في كتابة أسمائهم، أو ما يشبهها، فتوهَّموا أنَّهم "الكُتَّاب". إنَّها ممتنعِة عليهم هم على وجه الخصوص، ولو كانت أقلامهم أعلى من قاماتهم! وأعرف من هؤلاء مَنْ لا يملك من كفاءة يتَّجر بها سوى أنْ يؤكد لرئيسه، بالكذب والتلفيق، أنَّ الجميع، باستثنائه هو، لا يكنُّون له الود والوفاء والإخلاص. إذا جالسه أحسن معاشرته ومجاملته، وبذل الجهد الجهيد في إقناعه بأنه بدر البدور والأجمل والأكفأ والذي لم تلد مثله النساء بعد حتى إذا خرج من عنده مسخه مسخا لا تقوى ساحرات الإغريق على أنْ تأتين بمثله! وفي كل مجتمع يسترخص الإنسان لا بد للكلمة من أنْ ترخص، وأنْ تتحول في سوق الفكر والسياسة إلى السلعة الأرخص، فبائعوها، من كثرتهم ومن ضعف الحاجة إليها، يبيعونها بأرخص سعر، ومشتروها يشترونها وكأنهم يتصدقون تصدقا على بائعها. وعند الأزمات التي تعصف بالمجتمع والأمة يسألون في استغراب ودهشة: أين هم أهل الفكر والقلم؟! فهل نجيب بألم وحسرة: بعدما تعودوا قلَّة الأكل ماتوا جوعا؟! لو سألْتَ القابضين على "المدينة الإعلامية" أيَّهما أسوأ، إبليس أم "أسوأ" صحافي عربي ولدته أُمه، لأجابوكَ على البديهة قائلين: "إبليس، وهل يخفى الأمر؟!". أجل، إبليس؛ لكنهم يضربون صفحاً عن حقيقة أنَّ الله سمح حتى لإبليس بأن ينطق بما نطق، وبأن يعترض حتى على مشيئته، وبأن يعصي أمره له بالسجود لآدم، فلمَّا ظلَّ على عصيانه، وتمرُّده واستكباره، عاقبه الله؛ لكن "عقاباً رحيماً"، فلم يقطع رأسه، ولم يهدر دمه، ولم يزجه في غياهب السجون؛ بل لبَّى له طلبه أن يمنحه الحرِّية في أن يُفْسِد، ويُجنِّد له أتباعاً، مُقدِّراً أنَّ في المؤمن من قوى الخير ما يكفيه شرور وساوس إبليس، ويُحْبِط سعي هذا الشيطان الأكبر (الذي في هذا السياق ليس الولايات المتحدة). وكم نتمنى أن يتمثَّل حُكَّامنا "المعاني السياسية" في "قِصَّة إبليس"، فيقفون من "معارضيهم" و"المتمردين عليهم" موقفاً مشابهاً لموقف الله من إبليس؛ فَلْيُعامِل حُكَّامنا المعارضين لهم، والمتمرِّدين عليهم، والعاصين لأوامرهم، على أنَّهم "أبالسة"، فيَتْركون لهم "حرِّيَّة الإفساد (الفكري والسياسي)" في المجتمع "إلى يوم الوقت المعلوم"، فإذا مالَ إليهم مواطِن، و"اقترب من تلك الشجرة"، يعاقبونه؛ لكن ليس بقطع رأسه، وإنَّما بـ "إهباطه" مِمَّا يعدُّونه "جنَّة" على الأرض.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل