المحتوى الرئيسى

كيف يمكن إعادة تنظيم جهاز الشرطة

03/10 00:20

عن الحوار العام الدائر حاليا حول ضعف دور الأجهزة الأمنية في المحافظة علي الأمن العام والمطالبة بضرورة إعادة تنظيم أجهزة الشرطة بهدف الحد من مظاهر التسيب والانحراف عن الرسالة المتوقعة منها‏,‏  وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلي تجربة ألمانيا الاتحادية في سعيها إلي تطوير أجهزتها البوليسية لتضييق فرص التعدي علي الحريات العامة للأفراد من جانب‏,‏ ورفع مستوي فاعليتها في حفظ أمن المواطن من جانب آخر‏,‏ وقد انطلقت هذه الجهود نتيجة ما شاهدته ألمانيا من الانحراف في استخدام السلطة‏,‏ فكثيرا ما اتخذت إجراءات ضبطية متطرفة بحجة المحافظة علي أمن المجتمع‏,‏ مع ان المقصود في الواقع هو حماية الحزب الحاكم وسياساته‏,‏ وقمع المعارضين له‏,‏ وهي ظروف مشابهة إلي حد ما لما تمر به مصر‏.‏ وكان من أهم الخطوات التي اتخذتها جمهورية ألمانيا الاتحادية لتحقيق أهداف التطوير المشار إليها هو العمل علي تفتيت السلطة المركزية لوزارة الداخلية ونقل بعض من اختصاصاتها بصفة خاصة في مجال الضبط الإداري إلي وحدات الحكم المحلي أو إلي هيئات مدنية‏,‏ وتقنين ذلك دستوريا لمنع أي محاولة لاستعادة السلطة المركزية هذه الاختصاصات‏.‏ وللتوضيح يجب التفرقة بين اختصاصين رئيسيين للشرطة‏:‏ الأول هو الضبط القضائي المتمثل في تتبع الجريمة وضبط مرتكبيها وعرضهم علي النيابة العامة‏,‏ أما الاختصاص الثاني فهو المتعلق بأعمال الضبط الإداري الذي حدد الفقه الألماني مفهومه قانونيا بأنه هو توفير الحد الأدني من طمأنينة لأفراد المجتمع علي أنفسهم وصحتهم وحرياتهم وشرفهم وأموالهم في خطر الاعتداء عليهم وأيضا درء أي خطر يهدد هيئات الدولة ومؤسساتها العامة‏,‏ ويفهم من ذلك أن البوليس يتدخل إذا وجد أن هناك احتمالا بوقوع خطر في المستقبل القريب علي المصالح الفردية والجماعية‏,‏ ويخول هذا الاختصاص أجهزة البوليس‏(‏ أجهزة الضبط الإداري‏)‏ اتخاذ عدد من التدابير التي تري أنها ضرورية لمنع ما يهدد المصالح الخاصة أو العامة‏,‏ وهذه التدابير يطلق عليها إجراءات منع الجريمة‏,‏ وتتجلي خطورة هذه التدابير في كونها عادة ما تتضمن قيودا وضوابط للحريات الفردية ويترتب علي الإساءة في استخدامها تعد سافر علي الحريات الفردية‏,‏ خاصة أنها تتخذ دون وقوع أي من الجرائم المنصوص عليها‏.‏ ومن الأمثلة المعروفة عن هذه التدابير الاعتقالات والاشتباه وتسجيل البيانات الشخصية ووضع الأكمنة الأمنية وغيرها‏,‏ وتأخذ بعض هذه التدابير شكل القواعد العامة التي تنظم الأنشطة المختلفة في المجتمع مثل القواعد الخاصة بتنظيم المرور أو نقل وبيع المواد الغذائية وغيرها‏,‏ ولخطورة اختصاصات الضبط الإداري علي الحريات فقد اتجهت جهود التطوير في ألمانيا‏,‏ أولا‏:‏ إلي تدوينها ووضع كل الضوابط الممكنة للحد من الانحراف في استخدامها‏,‏ وثانيا‏:‏ العمل علي نقل جزء كبير من هذا الاختصاص إلي أجهزة مدنية أو أجهزة الحكم المحلي مع إلغاء الطابع العسكري والرتب العسكرية للجهاز المكلف بالقيام بها‏,‏ وذلك بغرض الحد من فرص إساءة استخدامها من الشرطة لمصلحة السلطة السياسية من جانب‏,‏ وترتفع درجة فعالية أدائها من جانب آخر‏.‏ والآن نحن بصدد الحديث عن ضرورة إعادة تنظيم جهاز الشرطة في مصر‏,‏ نجد أنه تضخم بشكل كبير دون الشعور بفاعليته وخدمة أفراد المجتمع‏,‏ علاوة علي تدخله الواسع في كل شئون المجتمع سواء الاقتصادية أو الاجتماعية دون مبرر منطقي‏,‏ وظهر عدد من وحدات الشرطة المتخصصة مثل‏:‏ شرطة السكك الحديدية‏,‏ وشرطة المسطحات المائية‏,‏ وشرطة الدفاع المدني والحريق‏,‏ وشرطة الأحوال المدنية‏,‏ وشرطة السياحة‏,‏ وشرطة الجوازات والجنسية‏,‏ وشرطة أمن المواني‏,‏ ومباحث مكافحة الضرائب‏,‏ ومباحث التموين والتجارة‏,‏ وشرطة الآثار‏,‏ والإدارة العامة لشئون الانتخابات والحج‏,‏ وشرطة المرافق‏..‏ إلخ‏.‏ وعلي ذلك نطرح بعض التساؤلات للحوار العام‏:‏ هل من الضروري أن يكلف جهاز الشرطة في مصر بكل هذه الاختصاصات؟ وهل مازال المجتمع المصري لا يخشي إلا السلطة القمعية الشرطية دون باقي أجهزة الدولة؟ وهل من الاستحالة نقل بعض من هذه الاختصاصات للإدارة المحلية في مصر أو لوحدات مدنية تلحق بالوزارات المختلفة كما هو الحال في جمهورية ألمانيا الاتحادية؟ وهل نحن مؤهلون بعد الثورة الشعبية العظيمة والوعي المتحضر الراقي أن نطبق نظام لامركزية أعمال الأمن العام وحراسة المنشآت وبعض واجبات الضبط الإداري ذات الطبيعة المدنية كما هو الحال في عديد من الدول المتقدمة؟ وهل ليس من الأفضل أن توكل اختصاصات الأمن السياسي والقومي لهيئة مدنية مستقلة عن وزارة الداخلية؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل