المحتوى الرئيسى

السنوسي: الأنظمة والغرب متماثلان

03/09 20:19

حاوره: خالد المهيريلوذ الروائي الليبي صالح السنوسي بصمته بعيدا عن صخب الإعلام، ويفضل في أحيان كثيرة الصمت، لكن وراء هذا الصمت ثمة كتابات ونصوصا "صاخبة" من بداياته في "لقاء على جسر القديم" إلى "سيرة آخر بني هلال".يكتب السنوسي الرواية بعقل المثقف والمفكر "المهموم" بالموقف الحقيقي، وليس "المزيف". وهو أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة بنغازي.يُشار إلى أن السنوسي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة باريس- نانتير 1987، وله مؤلفات سياسية وأدبية منها: العرب من الحداثة إلي العولمة (القاهرة 2000) العولمة أفق مفتوح وإرث يثير المخاوف (القاهرة 2003) إشكالية المجتمع المدني العربي.. العصبة والسلطة والغرب (القاهرة 2011).ومن أعماله الإبداعية: متى يفيض الوادي (بيروت 1980) غدا تزورنا الخيول (تونس 1984) لقاء على الجسر القديم (الدار البيضاء 1992) سيرة آخر بني هلال (القاهرة 1999) حلق الريح (القاهرة 2002).وتاليا الحوار مع السنوسي: من رواية "متى يفيض الوادي" إلى "حلق الريح" هل تعني تطورات الكتابة لإعادة صياغة مفهوم المكان والإنسان؟ غلاف رواية لقاء على الجسر القديم (الجزيرة نت)لاشك أن أي نص روائي هو محصلة لتفاعل مكوناته الثلاثة المتمثلة في الإنسان والمكان والزمان، ورغم أنه ليس هناك نص يستطيع أن يتجاوز هذه المعادلة إلا أن الاختلاف بين النصوص يكمن في تباين المفاهيم التي يتبناها الروائي لهذه المفردات الثلاث، فالإنسان في رواياتي -على سبيل المثال- يفرح ويحزن ويبكي ويضحك ويتألم ويحب ويكره، وهذه كلها صفات ومشتركات تجمع بين جميع البشر، غير أن خصوصية هموم وأفعال وعلاقات هذا الإنسان هي التي تحدد هويته في رواياتي، فهو إنسان ولكنه عربي بسبب هذه الخصوصيات.لهذا فإن مفهوم الإنسان في حدود هذا المعنى لم يتغير ولم تجر إعادة صياغته، فما تزال شخصيات رواياتي عربية في همومها وأفعالها وعلاقاتها، ولعل بعض النقاد الذين كتبوا عن رواياتي كانوا صادقين عندما صنفوها على أنها "رواية الهم القومي". أما بالنسبة للمكان في معناه المباشر، أي مسرح الحدث الروائي، فإن معظم أحداث رواياتي تتموضع خارج الفضاء العربي في لحظة جريان الحدث، إلا أن هذا الفضاء يظل يفعل فعله في تشكيل الحدث، ففي رواية "غدا تزورنا الخيول" مكان الحدث هو مدينة ديجون الفرنسية، غير أن الأحداث التي تجري في الوطن العربي هي التي كانت تؤثر في أبطال الرواية.وكذا الأمر بالنسبة لرواية "لقاء على الجسر القديم" التي تجرى أحداثها في مدينة فلورانس بإيطاليا، فالواقع العربي هو الفضاء الحقيقي لهذه الأحداث رغم وجود بطل الرواية من الناحية الجغرافية في فضاء آخر، وينطبق هذا أيضا على رواية "سيرة آخر بني هلال" التي تجرى أحداثها في باريس، فأنا لم أعد صيغة مفهوم المكان والإنسان عندما كتبت رواية "حلق الريح" كما قد يبدو لك، فحلق الريح رغم أن أحداثها تجرى على رقعة جغرافية تقع داخل الوطن العربي وفي ليبيا تحديدا إلا أن هذا المكان لم يكن مقطوعا ولا منفصلا بأحداثه وشخوصه عن مفهوم المكان بمعناه العربي الذي ظل ولا يزال حاضرا في نصوصي رغم غربة أبطالها وتغريب فضاءاتها.هل تعني أعمالك القومية هروبا من قضايا الوطن الليبي؟ إنني أعزو ما تعتبره أنت هروبا من قضايا الوطن الليبي إلى أن رؤيتي السياسية التي تشكل خلفية ومتكئا للعمل الإبداعي، هي رؤية قومية تشكلت في وقت كانت الكتابة فيه عن القضايا القطرية المجزوءة هي التي تعتبر تهمة بالهروب وليس العكس.إلى جانب أن تجربة حياتي في الغرب عمقت من هذه الرؤية، فالمعادل الحضاري والثقافي للواقع الذي كنت أعيش فيه وأحتك به كل يوم لم يكن أوطان العشائر والمذاهب والقبائل التي صيرها الغرب أوطانا وصرنا نطلب منه أن يحميها ويدافع عنها، بل كان وطن الجماعة الكبرى في بعده العربي، فالفرنسي الذي ألتقيه في شوارع باريس أو الألماني الذي التقيه في شوارع هيدلبرغ لا تكون ردة فعله تجاهي سواء الازدراء أو الكراهية أو الشفقة، متأتية من أنه قد عرف أنني ليبي أو تونسي أو قطري بل لأنني عربي، فهو يتعامل معي تلقائيا على أساس تلك الهوية الجماعية في بعدها التاريخي والثقافي والحضاري، أما معرفته لاحقا بأنني ليبي أو خليجي -على سبيل المثال- فهذه المعلومة لا تضيف شيئا إلى الصورة التي في ذهنه سوى أنني عربي ولكن على الأغلب معي دولارات بترولية، ولكن لا شيء عدا ذلك يتغير من تلك الصورة، ولهذا فإن ليبيا بقضاياها وأمراضها ومشاكلها تظل جزءا من أمراض وإشكاليات ذلك الوطن الذي يحدد انتمائي إليه هويتي بالنسبة للآخر ويقود سلوكه في مواجهتي.وهل تعتقد أن هذا الاهتمام القومي وراء تجاهل النقد الليبي لمسيرتك الإبداعية؟أعتقد إن مثل هذا السؤال ينبغي أن توجهه إلى النقاد الليبيين، فهم الذين يملكون الإجابة عنه، ولكنني لن أترك سؤالك يعود بدون إجابة فسأجتهد وإن لم أوفق فلي أجر واحد فقط. أما السبب الثاني في اعتقادي هو أن الكثير من النقاد الليبيين تحولوا إلى كتابة الرواية والقصة، وهم أيضا أصبحوا في حاجة للكتابة عنهم، وبما أنني لست ناقدا أدبيا ولا أكتب عن أعمالهم، فلعل البعض منهم اعتبر ذلك ترفعا وتكبرا من جانبي فكانت ردة فعله هي المعاملة بالمثل وفق تصوره.كما أعتقد أن هناك سببا آخر وهو أن الناقد الليبي مثل الناقد العربي ضحية الدعاية والبروباغندا، وبالتالي يعاني من عقدة نقص تجاه الأسماء التي تتبناها السلطة أو الغرب ويسمع عنها ولا يراها في المدن والشوارع الليبية، وبما أنني لست موضع احتفاء من أي من هاتين الجهتين وأعيش معهم في ليبيا، ويرونني صباح مساء في المدن والشوارع التي يرتادونها، فإن كل ذلك دليل –في نظرهم- على أنني ليست لي قيمة تذكر. أين تحدد موقعك على خريطة المشهد الثقافي العربي؟لست أنا من يملك الإجابة عن هذا السؤال لأن تحديد موقعي على خريطة هذا المشهد تعني أن أقوم بتقييم نفسي، وهذا يعد تعديا مني على المتلقي الذي هو الوحيد صاحب الحق في ذلك، ولكن بإمكاني أن اجتهد وأحدثك عن المشهد الثقافي العربي وعن علاقتي به.كانت ولا تزال لدى قناعة بأن المشهد الثقافي العربي هو إعادة إنتاج للمشهد السياسي بكل مرجعياته التي من ضمنها العصبة والغنيمة، حيث ينبغي عليك أن تكون جزءا من إحدى شلل أو عصائب هذا المشهد، ولكي تكون عضوا في هذه العصبة يجب أن تكون من الذين أصابهم شيء من فيض غنيمة السلطة حتى تستطيع أن تتبادل المنافع والمصالح في سوق هذا المشهد الثقافي العربي فتستكتب النقاد وتؤجر الطبالين والمترجمين. لا يوجد سوى طرفين هما مصدر الصخب والدعاية بالنسبة للمشهد الثقافي العربي، وهذان الطرفان تحديدا هما السلطة العربية والغرب، أي لكي يتبناك هذا المشهد العصبوي لا بد أن تعمدك السلطة العربية أو يتبناك الغرب الثقافي لأسباب سياسية، ولا أحد من هذين الطرفين يعتبرني صديقا له ولا من رجاله وهما قطعا محقان في ذلك.لم تهتم بالسعي إلى ترجمة أعمالك الروائية، هل هو تقصير شخصي منك؟ أم أنه لا توجد لديك شبكة علاقات عامة؟ سؤالك يحمل نصف الإجابة لأنه يحمل مفردات مثل "لم تسع إلى ترجمة أعمالك.. ولا توجد شبكة علاقات "فهذه في الحقيقة هي مفاتيح الإجابة عن سؤالك، فمن حيث السعي لترجمة أعمالي فأنا أفضل أن تسعي إلى المؤسسات المهتمة بالترجمة لا أن أسعي إليها، ولكنني أشك في أن مؤسسات الغرب الثقافية ستتبنى أعمالي وتترجمها لأن أعمالي لا تتوافر فيها الشروط السياسية غير الإبداعية المطلوبة والمتعلقة بالموضوع وليس بالجانب الإبداعي. كما ينبغي عليه كباحث عن فرصة تبني أن لا تتعارض مواقفه وكتاباته مع وجهة نظر الغرب السياسي إزاء جملة من القضايا مثل إسرائيل والصهيونية وفلسطين والمقاومة والقومية العربية والإسلام، فهذه القضايا تعد ركائز أساسية في إستراتيجية الغرب السياسي في المنطقة ولا يمكن لمؤسسات الغرب الثقافي العريقة وذات الصيت أن تتبني مبدعا وتصنع منه اسما أو تفبركه فيصبح له وزن أدبي ومعنوي بينما مواقفه وكتاباته تتصادم مع رؤية الغرب السياسي.فليس على سبيل المثال لرواية بطلها أحد أفراد المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي أن تفوز بأية جائزة مهمة من جوائز الغرب الثقافي مهما بلغت قيمة وفرادة هذا النص لأنه يمثل دعوة للعنف ونشر الكراهية في المنطقة وفق مفهوم الغرب السياسي.بينما يمكن لرواية تتحدث عن علاقة بشر بحيوان أو أخرى تتخيل قيام علاقة صداقة بين من تبقى من جماعة فلسطينية في قريتهم وبين جماعة من المهاجرين الروس أو البولنديين من اليهود الذين استقروا في هذه القرية بعائلاتهم وكلابهم وأسلحتهم، أقول يمكن أن يفوز كاتب أي من هاتين الروايتين بالترجمة وبجوائز الغرب الثقافي و"بعالميته". كل هذه الشروط لا تتوافر في كتاباتي الروائية ولا في مواقفي السياسية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل