المحتوى الرئيسى

عقدة الأخذ بالثأر وقانون الإجتثاث بقلم أحمد ابراهيم الحاج

03/09 18:08

عقدة الأخذ بالثأر وقانون الإجتثاث بقلم أحمد ابراهيم الحاج 7/3/2011م لم يستفد العالم العربي من التجارب السابقة، وهو غير قاريء جيدٍ للتاريخ وغير مستقريءٍ للمستقبل، فلو كان العالم العربي يعتبر من تجارب الماضي لما استوقفه هذا الماضي عن المضي للأمام بدلاً من التلهي بأخطاء الماضي. ولو كان العالم العربي قارئاً جيداً للقرآن لما شدته عقدة الثأر عن المضي قدماً في حاضره الجديد بعد انتصار ثورات شعوبه في كل من تونس ومصر. ففي سورة الفتح قال الله عز وجل" إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا" صدق الله العظيم. في هذه الآية التي يُذكِّر فيها الله نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بالنصر على الكفار يوم فتح مكة مسقط رأس النبي، والتي كانت تغرق بالكفر والفساد وممارسة المحرمات والرذائل وعبادة الأوثان، ويذكره بمشهد الكفار وهم يدخلون في دين الله أفواجاً بطريقة كانت تفوق التوقعات والأحلام، ويطلب منه أن يشكر الله ويسبحه على نعمة النصر ودخول الناس في دين الله، ثم يذكر الله نبيه بصفة من صفات الله القادر على كل شيء واسم من أسمائه الحسنى وهو "التواب". وكأنه يقول له " يا محمد إن عفوك وصفحك ومغفرتك عن كل ما بدر من قومك من أهل مكة من أذىً وإساءات وقتالٍ وصدٍّ وتعنيف ونفي، هو الذي جعل هؤلاء الناس يتبعون دينك ورسالتك وينضوون تحت لوائك. فقد كنت القوي المنتصر، وتصرفت من منطلق قوة المنتصر وأصدرت عفواً عاماً عن أعدائك ممن كانوا يناصبونك العداء السافر ويقاتلونك ويقتلون من أتباعك وأحبابك وأقاربك وأحب الناس الى قلبك. فعفوت عن المقدرة وبذلك نلت هذا النصر المؤزر الذي فاق كل التوقعات وعدت الى مسقط رأسك فاتحاً ومرفوع الرأس. ولم تتصرف بمنطق الأخذ بالثأر تلك الصفة التي كان يتصف بها أهل الجزيرة العربية. فلو تصرفت بمنطق الإنتقام والأخذ بالثأر لما استقرت لك مكة ودخلت تحت لوائك طائعة ومؤمنة. فتلك هي أخلاق المؤمن القوي. ففي النهاية هؤلاء الذين عفوت عنهم هم أهلك وشعبك وسيخرج منهم ومن أصلابهم الصالحون الذين سيحملون لواء دعوتك، ويفتحون الأمصار والأقطار وينشرون رسالتك في كل انحاء الدنيا. فنعم التصرف منك بالعفو والسماح وعدم الإلتفات الى الماضي والسير قدماً بخطوات واثقة للمستقبل المشرق. لم يستفد المنتصرون في مصر وتونس من تجربة فتح مكة. فقد منحهما الله هذين الإنتصارين الرائعين. وما أشبه هذا الإنتصار في كل من تونس ومصر بشموليته وسهولته ويسره على أنظمة كانت فاسدة ومفسدة بفتح مكة الذي انتصر فيه المسلمون على الكفار أشد اعدائهم خصومة (انتصار الحق والعدل على الباطل والفساد). فقد فاق هذا الإنتصار كل التوقعات، حيث فلّ الشعب الأعزل بسواعده أغلال الحديد التي كانت تقيده. واستجاب له القدر وانكسر قيده. وبدلاً من أن يفكر الثوار فيما بعد هذا الإنتصار المؤزر التفتوا الى الماضي يشدهم عقدة الأخذ بالثأر والإنتقام والإجتثاث لرموز النظام القديم الذي كان متغلغلاً في أعماق تلك الشعوب وله من الأنصار الطائعين الأنتهازيين الذين كانوا يعملون ضمن قوانينه وتعليماته التي كانت سائدة على الجميع مستثمرين هذه الطاعة لمصالحهم الشخصية، وهنالك الأنصار المكرهين من الشعب تحت ضغط لقمة العيش وسياط الفقر والعوز ، وكذلك الأنصار المتمردين شكلاً فيما يسمى المعارضة، معارضة شكلية ناعمة لتجميل النظام ومعارضة فعلية خشنة عاجزة عن الحراك. التفت الثوار الى الماضي وعطلوا عجلة الحياة الإقتصادية للبلد ليقللوا من مداخيل البلد الإقتصادية ويزيدوا من أعباء الخسائر والديون على كاهله. فكل هذه الأطراف من المؤيدين بفرعيهم ومن المعارضين بفرعيهم كانوا يسيرون جميعاً ضمن معادلة الحكم السابق وتحت شرعيته، ويدورون بفلكه وفي إطار منظومته التي كانت تطبق على الجميع بدون استثناء. فكان المعارضون يتحركون في هوامش قليلة من الحرية، معارضة ناعمة ومعارضة خشنة، والمناصرون المكرهون يطيعونه بعصا الجوع والفقر. والمناصرون المؤيدون الإنتهازيون يطيعونه بجزرة المصالح والمنافع الشخصية. وكل هذه الفئات هي مكونات الشعوب العربية الثائرة في تونس ومصر، ويجب أن يحظى الجميع بنصيبه وحصته من هذه الثورة البيضاء. فالثورة الشعبية يجب أن يعم ويشمل فرحها بانتصارها الجميع لأنها شعبية وملك لكل الشعب. ويجب أن يشارك في بنائها المنتظر الجميع دون استثناء. الفاسد وجد أمامه طريقاً شرعياً معبداً ومقننا للفساد وذلك في عرف النظام السابق فكان فساده يستظل بنظام حكم شرعي للبلاد. والنفس الإنسانية أمارة بالسوء إن كان السوء هو القانون السائد، كما أنها توابة ثوابة إن وجدت أبواب التوبة والمغفرة مفتوحة في جو تسوده العدالة والحرية والقانون. والمناصر للنظام السابق والمكره على نصرته له بعصا الجوع والحاجة هو في الأصل انسان صالح لوثته الأنظمة الفاسدة السائدة فغرد في سرب النظام القديم مكرهاً أخاك لا بطل وكانت الثورة كامنة بداخله تنتظر لحظة الإنفجار. والمعارض بفرعيه الناعم والخشن شقت له الثورة طريق الحرية والمشاركة وابداء الرأي ، تلك الشعارات التي كان ينادي بها دوماً دون خوف أو وجل. الثورة هي اصلاحٌ واستصلاح وتسامح ومصالحة وتقويم للمسار والفكر، إصلاح للفاسد واستصلاح لذوي النفوس الضعيفة. الثورة البيضاء تستقطب الأصدقاء وتقلل من الأعداء. والتسامح والعفو يولد الندم في النفوس الضعيفة والأمارة بالسوء على مطاوعتها للظلم واستغلال الثغرات للنفاذ الى حيز الفساد. ليست الثورة إقصاء واستقصاء وتحرٍّ وتفتيش ومحاكم ومحاكمات ومشانق وإعدامات. الثورة هي احتضان للأبناء وحنان على الظالم والمظلوم برد الحق للمظلوم وردع الظالم عن ظلمه. من منطلق السنة النبوية الشريفة "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". وهي تجميع والتفاف حولها لا تفريق وفرقة وانفضاض من حولها، "لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" الثورة الشعبية كالأم الرؤوم تفرد جناحيها على أبنائها الصالحين والفاسدين جميعهم لتحميهم من الأعداء المتربصين وتحاول التقريب بين قلوبهم لتجمعهم على الإصلاح. وبالرغم من قدم تجربة فتح مكة وتقادمها، الاّ أن هنالك نماذج حاضرة للعيان كان بالإمكان الإستفادة وأخذ العبرة والعظة منها في تصحيح مسار الثورة لتوضع في اطارها الصحيح. فتجربة 23 يوليو 1952 اتخذت موقفاً مناهضاً للإقطاع والإقطاعيين الذين كانوا يشكلون نسبة لا بأس بها من الشعب، وعملت على إقصائهم من المجتمع ومن نظام الحكم. فخلقت لنفسها أعداءً من ذاتها. والمثال الأقرب هو النموذج العراقي بعد التغيير، فبالرغم من اختلاف اسلوب التغيير الاّ أنه يمكن الإستفادة من التجربة العراقية بعد التغيير. فنظام الحكم الجديد في العراق عمل على إقصاء حزب البعث من المجتمع ومن الساحة السياسية وأصدر قانون الإجتثاث الذي اعتبر عقاباً جماعياً لفئة لا بأس بها من الشعب العراقي. فخلق لنفسه الأعداء من شعبه. وغرق العراقيون في بحر من الدماء ما زال يتدفق بفعل الفتنة بين الأخوة وايقاظ الضغائن والأحقاد. وأقام المحاكم وعلق المشانق. وها هو العراق ما زال يعاني من غياب النظام والقانون والأمن والأمان إضافة الى الجوع والفقر. ويعاني من عدم القدرة على إعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها وعدم القدرة على تشغيل الخدمات للشعب. وهنالك تجربة حماس في غزة، فبعد أن سيطرت على قطاع غزة أقامت المحاكم الميدانية السريعة ونفذت أحكام اعدام بدون محاكمة وحاولت اجتثاث فتح وكوادرها من المجتمع. ونسيت العدو وغرقت في اقتتال دموي مع الأشقاء من الفصائل الأخرى ومع العائلات الفلسطينية. وأحدثت انقساماً سرطانياً بالجسد الفلسطيني المثخن بجراح الأعداء. فما معنى أن تقصي وتجتث الثورة التونسية جهازاً أمنياً كاملاً بقرار عاجل وعشوائي لإرضاء رغبة جامحة من الجماهير الثائرة في لحظة غضب على النظام السابق دون عملية استصلاح لأعضاء هذا الجهاز ومنتسبيه ودون استيعابهم بفعاليات المجتمع كأعضاء فاعلين ومنتجين ليعيلوا أبناءهم التونسيين الذين لا ذنب لهم. وما معنى أن تطالب الثورة المصرية بإقصاء جهاز أمني قوامه أكثر من مليونين عنصر يعيل حوالي خمسة ملايين من المواطنين القصر والعجزة، وتحرم أطفالهم من الطعام والشراب والكساء والحياة. يجب أن تسلط الثورة أنظارها الى الأمام نحو المستقبل. ولا تغفل النظر الى الخلف بين الفينة والأخرى لاتخاذ العبرة من الأخطاء والعظة من الإنجازات. ـ

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل