المحتوى الرئيسى
alaan TV

البدعة مفهومها وأنواعها بقلم:موسى حجيرات

03/09 18:08

البدعة مفهومها وأنواعها موسى حجيرات إنّ البدعة، لغة، هي من جذر(بدع)، ومعناها اللغوي الجديد الذي أنشئ على غير مثال سابق، أيّ اخترعه الناس لأول مرة، ولم يكن له مثيل موجود قبل ذلك. وما يؤكد هذا المعنى ويثبّته من القرآن قوله تعالى:"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ". والمعنى إنّ الله خلق السموات والأرض حين خلقهما على غير مثال سابق أيّ لم تكن قبل ذلك سموات ولا أراضين؛ فبديع هنا أيّ خالق وفي فعله هذا لم يكن مقلدا إنّما مبتكرا محدثا في خلقه. وكذلك يقول الله تعالى: "مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ". أيّ أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ها أنا رسول من عند الله، وأنا لست الرسول الأول أيّ لم يكن رسول قبلي، بل أنا رسول كغيري ممن سبقني من الرسل، لذلك فبدعا من الرسل أيّ رسول لم يسبقه إلى الرسالة أحد. كما يقال في الأدب والشعر إنّ الشاعر أبدع في قصيدته أيّ أنّه قال فيها قولا لم يسبقه إليه أحد أيّ أنّه استحدثه، وجاء به جديدا حديثا. ويقال أيضا إنّ التفكير الإبداعي مثلا، هو المعالجة التفكيرية لأيّ مثير حسيّ جديد، وبطريقة غير تقليدية حتى الوصول إلى غير المألوف، وهنا يعتبر الأمر استحداثا وتجديدا . أمّا البدعة في المعنى الشرعي فهي أنّها "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعيّة، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى". ويقول ابن رجب في جامع العلوم والحكم إنّ البدعة "ما أحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأمّا ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة". وقال أيضا: "فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين منه بريء". ويؤكد ذلك ابن حجر بتوضيحه لـ"كل بدعة ضلالة"، إنّ البدعة هي "ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام، فهو ضلالة". وهكذا، فيمكن التمييز بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للبدعة، والاستدلال إنّ معناها اللغوي أعمّ من معناها الشرعي، وإنّ البدعة في الشرع ملازمة لصفة الضلالة؛ وليست البدعة بمعناها اللغوي. فالبدعة الشرعيّة إذن، في أعمال العباد حسبما قسّمها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: "إنّ الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم، هو أنّ أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها دينًا ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة ، وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم. فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله". وهكذا فنستدل من ذلك أنّ البدعة نوعان: بدعة في العبادات وبدعة في العادات، أمّا ما كان منها في العادات فليس بحرام، وإنّما هو مستحسن لأنّه استحداث للانتفاع الجسدي والعقلي في الحياة الدنيا، ولإيصال الفرد إلى الراحة الجسدية والنفسيّة. وهذا أمر مرغوب وتحث عليه المجتمعات بأكملها، وتصرف في سبيله مبالغ طائلة، وهو ما يسعى إليه الناس بغية التقدم والتطور والرقي. أمّا ما كان منها في العبادات فهو أمر مذموم وغير جائز شرعا، لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ رسالته كاملة، وهي أمانة أدّاها كما هي، ولم ينقص (حاشا لله) شيئا منها، وعلم أصحابه كلّ شيء حتى أنّ سلمان رضي الله عنه حين قيل له: "علمكم نبيكم كل شيء؟"، قال: "أجل، علمنا كل شيء حتى الخراءة". وقد شرع الله الشرع، ولذا فكلّ ما خلاه باطل، وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنّه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دينًا إلا ما شرعه الله، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحّة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. وهنا يأتي دفاع المعارضين للبدعة والاستحداث في الدين، ودفاع الملتزمين بشرع الله وبسنة رسول الله فيقولون إنّ البدعة والأمثلة من أقوال السلف، والتي يحتج بها المبتدعون ومتبعوهم إنّما هي بدعا بمعناها اللغوي وليس بمعناها الشرعي، ويؤكد ذلك ابن رجب أيضا، وهي ليست استحداثا وتجديدا على غير مثال سابق. ومن ذلك، مثلا، قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نعمت البدعة هذه"، حين جمع الناس ووحدهم على إمام واحد في صلاة قيام رمضان. فالبدعة هنا ليست سنّة جديدة إنّما إحياء وإنعاش لسنّة موجودة وقائمة أو أنّ أصولها موجودة في الشرع. كما أنّ المبتدعون ومتبعوهم في هذا العصر يقسمون البدعة إلى قسمين بدعة حسنة وبدعة سيئة. وذلك ردّا على من يطالب بالالتزام بشرع الله وسنّة نبيه، ومن ينبذ البدع بأشكالها وردّا على من يتّبع الحديث "كل بدعة ضلالة" بظاهره وبحذافيره، وكأنّهم يروجون للعامة والبسطاء من الأمة، إنّ نياتهم سليمة، وإنّها خالصة لوجه الله وعاملة ناصبة لعبادة ربهم، ولهذا فلا ينبذون كلّ البدع؛ لأنّ منها ما هو حسن، وهنا القول: إنّ البدعة هي أمر جديد مستجد مستحدث، وذلك بإطلاق المعنى. وهكذا فإن كانت البدعة تجديدا، وقبلها الناس فكأنّ الاعتقاد بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوصل رسالته، ولم يبلغها، وبذلك لم يؤدّ الأمانة التي ائتمنه الله عليها، وحاشا لله أن يكون ذلك، وأمّا أن يكون عدم إيصاله لهذا الشيء هو غفلته عنه، وأيضا، حاشا لله وللرسول أن يغفل عن مثل هذا الأمر، وهو لم يبق شيئا صالحا ولا مكرمة إلا أتى بها، ولا أحدا طالحا أو رذيلة إلا وحذر منها. ثمّ إنّ أتباع الرسول هم صحابته الكرام البررة الذين ربّاهم على الفضائل ومكارم الأخلاق؛ فإنّ كانت البدع حسنة، فأين هم منها، أغفلوا عنها؟ أم لم يدركوا الحاجة إليها، ونحن ندرك أنّهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها، حتى إنّ أهل السنة والجماعة يقولون في كلّ فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم هو بدعة، لأنّه لو كان خيراً لسبقونا إليه. أمّا قول البعض إنّما هي تعبّد لله وعبادة له وهذا هدفها فقط، وهذا ما يعطي طابعا للعامة والبسطاء أنّ هذا المبتدع خيّرا داعيا إلى الخير، وينظر إليه بالتوقير والتبجيل. ولكن الواقع أنّ هذا الأمر مستحدث إن كان عبادة لله، فإنّ عبادة الله أمر موقوف وقد أمرنا بها وبإتباعها وبتنفيذها، وعلى الهيئة التي جاء بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة النيّرة، والمثال الخيّر الطيّب الذي أجدر أن يحتذى. وقد أمرنا قرآنيا بإتباعه، فقال تعالى:" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً". وقال أيضا:"وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". ومن السنة النبوية أيضا العديد من الأحاديث التي تحثّ على ذلك. ففي الصلاة، مثلا، قال صلى الله عليه وسلم:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولهذا فليس للمسلم أن يخترع طرقا وهيئات للعبادة مهما كانت. *********************** - القرآن-سورة البقرة: 117. - القرآن-سورة الاحقاف: 9. - أبو اسحق إبراهيم الشاطبي، الاعتصام، دار ابن عفان، 1992. - ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة، 2001. - ابن حجر العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث، 1986. - احمد ابن تيميّة، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، القاهرة-مطبعة السنة النبويّة، 1369هـ. - سنن الترمذي: 16. - ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن ربّ العالمين، القاهرة-مكتبة الكليات الأزهريّة، 1968. - صحيح البخاري: 2/252. - القرآن-سورة الأحزاب:21. - القرآن-سورة الحشر: 7. - صحيح البخاري: 595.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل