المحتوى الرئيسى

فتحى الشقاقى..ودور نظام القذافى فى إغتياله بقلم: د.رياض حسن محرم

03/09 16:30

حفلت السبعينيات من القرن الماضى بحراك سياسى هائل وخاصة على مستوى الحركات الراديكالية والثورية فى مصر والعالم العربى، جاء ذلك تحديدا كرد فعل على الهزيمة الوخيمة التى وقعت فى 1967 وضياع ما تبقى من فلسطين، الى جوار احتلال اسرائيل لأراض عربية لدولتين عربيتين كانتا تتصدران تيار العروبة وقتها، مصر وسوريا. كان وقع الهزيمة على الشباب العربى مريرا، هذا الجيل الذى عاش وهم الإنتصار السريع على إسرائيل، وصوروها له على أنها دولة هشّة، تتكون من مجموعة من العصابات، وأن الحرب لن تكون الاّ نزهة سريعة، وأن الموعد فى "تل أبيب" غدا، كما كانت تصدح الأغانى، وشاهدوا كيف كان الإنتصار الإسرائيلى السريع وهزيمة المشروع القومى مذلة ومدمرة. لقد أحدثت النكسة (كما سماها عبد الناصر) شرخا عميقا فى وجدان ذلك الجيل، ومنهم بالطبع الفلسطينيون، أصحاب القضية العربية المركزية، والذين ضاعت أحلامهم فى لحظات، لتكتمل نكبة 48 ويفقدوا ما تبقى من أرضهم، وينتهى الحال بهم الى مرحلة جديدة من اللجوء و الضياع والتشرد، ومن عمق هذه المأساة جاءت محاولة البحث عن المخرج، ولم يكن الشقاقى إبن الستة عشر ربيعا المحمل بالافكار الناصرية بعيدا عن ذلك. نشأته: ولد فتحى إبراهيم عبد العزيز الشقاقى فى مخيم رفح بقطاع غزة فى عام 1951 ( لم أعثرعلى تاريخ الميلاد بالضبط)، من أسرة نازحة من قرية "الزرنوقة" إحدى قرى قضاء يافا بفلسطين، كان أبوه عاملا بسيطا، ذو خلفية دينية سلفية اهلته لإعتلاء المنبر فى خطب الجمعة، وكان فتحى الإبن البكر لهذا الرجل، ماتت أمه التى تعلق بها كثيرا وهو فى الخامسة عشر من العمر، مما ترك أثرا عميقا عليه طوال حياته، أكمل دراسته للرياضيات بجامعة "بير زيت" بالضفة الغربية، وعمل بالتدريس بالقدس لفترة قصيرة، ولكن طموحه دفعه للعودة الى مقاعد الدراسة ليحصل على الثانوية العامة مجددا، ليتمكن من الحصول على مجموع كبير أهله للإلتحاق بكلية الطب بجامعة الزقازيق إحدى الجامعات الإقليمية بجمهورية مصر العربية، حيث كانت بالنسبة له فرصة للإحتكاك بتيارات سياسية متعددة أعادت تكوينه ثقافيا وفكريا، ومهدت الطريق لتحقيق هدفه من أجل قضيته التى يحملها بين جنبيه. المناخ السياسى: كان مناخ الهزيمة هو الطابع العام لهذه الحقبة "حقبة السبعينات"، وكانت الفرصة لإنتشار التظيمات السرية والنصف علنية التى تدعو الى التغيير والثورة، وتشبه السبعينات "حقبة الأربعينات" فى مصر، ففى أعقاب الحرب العالمية الثانية وإنتصار الحلفاء، وأثناء وبعد هذه الحرب الكونية، خرجت عشرات التنظيمات الشيوعية والقومية ذات الطابع الشوفينى والدينية لتعلن عن نفسها، وتكررت صدامات الشوارع بين السلطة والشعب، وحدث أكبر الصدامات بين الطلبة والنظام فى حادث كوبرى عباس الشهير، وانتهت هذه الحقبة بالحريق الذى التهم القاهرة فى عز الظهر. كان المناخ فى السبعينيات مشابها، المنظمات الشيوعية التى أعيد بناؤها تسعى للتواجد بقوة فى الجامعات وبين العمال، والجماعات الإسلامية تتقوى بالنظام لتنتشر وبقوة فى الأحياء الشعبية والجامعات، والإخوان المسلمين بعد خروجهم من المعتقلات يعيدون تنظيم صفوفهم وإصدار جريدتهم" الدعوة"، قبل حرب 73 كانت الجامعات تغلى مطالبة بالحرب الشعبية، شعار اليسار المفضل، وانضم لحركتهم المثقفون والنقابات المهنية، وصدرت عشرات البيانات تدين تخاذل النظام، وفى العام التالى لحرب اكتوبر 1973 كانت بروفة الإنقلاب العسكرى للتيار السلفى الجهادى فيما عرف بقضية الفنية العسكرية، لتتصاعد الأحداث بإنتفاضة غير مسبوقة فى تاريخ مصر فى يناير 1977. كانت المنظمات والحركات الفلسطينية بمختلف أطيافها متواجدة بقوة بين طلاب الجامعات من الفلسطينيين الدارسين فى مصر، وذلك على إلتحام مع الطلاب المصريين الثائرين، وبرزت أسماء فلسطينية عديدة فى القاهرة منهم "مازن أبو غزالة" بطل وشهيد عملية طوباس الذى رثاه الكثيرمن اصدقائه مثل أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودى وسيد حجاب، وكذلك ايضا "محمد سالم رحال" ودوره فى تنظيم وقيادة عدد من التنظيمات السلفية الجهادية، والدكتور "صالح سرية" قائد محاولة الإنقلاب ضد السادات وإقامة الدولة الإسلامية، أيضا قدم الشباب المصرى إسهامات عديدة فى دعم ومساعدة الثورة الفلسطينية ولم يبخل حتى بالشهداء فى صفوفها كالشهيد "صابر خضر" المنتمى لمجموعة يسارية من الأسكندرية. فى ظل هذه الأجواء حضر الى مصر الشهيد "فتحى الشقاقى" لدراسة الطب بجامعة الزقازيق. الشقاقى فى مصر: يقول رفيق دربه ونضاله وخليفته فى قيادة حركة الجهاد الإسلامى" رمضان عبدالله شلّح" "كانت غرفة فتحي الشقاقي، طالب الطب في جامعة الزقازيق، قبلة للحواريين، وورشة تعيد صياغة كل شيء من حولنا، وتعيد تكوين العالم في عقولنا ووجداننا"، لقد وضع الشقاقى وعددا من إخوانه الفلسطينيين الدارسين فى مصر الأساس لحركة الجهاد الإسلامى والتى تعد حركة المقاومة الأولى التى تبنى على أفكار إسلامية صميمة، وذلك قبل ظهور حركة "حماس" بسنوات من خلال ورشة عمل كبرى أقامها فى سكنه سماها" معسكر الإعداد". عندما جاء الشقاقى الى مصر لدراسة الطب فى جامعة الزقازيق عام 1974 كان عمره وقتها ثلاث وعشرون عاما، كان قد تخلص نهائيا من الأفكار الناصرية ونبتت فى عقله أفكار جديدة خليط من الفكر الدينى المستنير والفكر القومى وبعض الأفكار اليسارية. فترة وصول الرجل الى مصر كانت الحركات اليسارية قد بدأت فى الإنحسار، خاصة بعد حرب إكتوبر التى أبطلت حجة القائلين أن النظام لن يحارب، ولكنه حارب وحقق إنتصارا نسبيا مهما، وكانت هذه أحد أخطاء اليسار القاتلة فى تركيزه على هذا الشعار والمراهنة عليه، فى نفس الوقت كانت التيارات الدينية فى أوّج صعودها بعد الحرب، لأسباب عدة منها هذا الإنتصار الجزئى قد أنجز تحت راية "الله اكبر"، وبدء موسم الهجرة الى الخليج والعودة بأفكار وهابية سلفية، وأسباب أخرى . لقد لعبت الصدفة دورا فى تشكيل أفكار الشقاقى على هذا النحو، ربما لو كان حضوره الى مصر قبل ذلك بعامين أو ثلاث عندما كان اليسار مسيطرا على الشارع السياسى لكان الأمر قد إختلف، وربما لو كانت إقامته فى مدينة كبرى كالقاهرة أو الأسكندرية التى تمور بتيارات اليسار بدلا من المدن الريفية حيث يعشش الفكر السلفى لكان قد إختار توجها آخر، ولكنها تبقى مجرد إحتمالات، ولكن مما لا شك فيه أن الرجل إقترب بأفكاره من ضفاف إنسانية أكثر رحابة من الفكر السلفى، لقد قرأ نجيب محفوظ ويوسف إدريس وكولين ولسون وهمينجواى، وحفظ أشعارا لمحمود درويش وسميح القاسم ونزار قبانى، وغنى مع الشيخ إمام أشعار نجم، بل أنه كتب شعرا على نفس شاكلة نزار ودرويش مع الفارق طبعا فى الحرفية حيث يقول فى قصيدته حكاية من باب العامود" المنشورة بالعدد الأول من مجلة المختار الإسلامي في يوليو 1979م: كانوا خمسة… في يد كل منهم منجل.. في يسرى كل منهم قفة.. كانوا يا أصحابي خمسة.. وقفوا في صف مكسور.. في أعينهم نامت مدن وبحور.. بهذا الصف المكسور.. خذ حذرك.. مولانا هلت طلعته.. يا صاحبي حضر المأمور.. مولانا كفا في كف ضرب.. في العين لهب.. في الصدر غضب.. مولانا كالعادة صاح: عرب.. فوضى عرب.. كانوا خمسة.. في يمنى كل منهم منجل.. في يسرى كل منهم قفة.. تركوا (الدرق) الأخضر قالوا: يوماً يومين ولا اكثر يا عمال بلادي.. هرمت غابات الزعتر.. وانسكب الزيت وغصن الزيتون تكسر.. يا قلب الأرض تحجر لا تزهر أبداً لا تزهر.. إلا غضباً.. إلا بركاناً يتفجر.. وكان يفرح كثيرا بغناء إبنته "خولة" التى يطلب منها ترديده أمام أصدقائه (إني أحب الورد، لكني أحب القمح أكثر…".) ولكن إعجاب الشقاقى كان أكثر بكتابات "سيد قطب" خاصة كتابه العمدة (معالم فى الطريق) وكتابات أخرى من وراء الخليج للإمام "الخومينى"، لقد انبهر كثيرا بما كتبه سيد قطب فى المعالم، هذا الكتاب الذى درسه بدقة وتأنى، وكتب تعليقات طويلة عليه أنهاها بتذييل ( معذرة.. استاذنا الإمام الشهيد.. معذرة إني وضعت كتابك فوق طاولة البحث والتحليل.. معذرة إن كنت أصبت.. والف معذرة إن كنت أخطأت)، واصفا الكتاب ( هذاالكتاب الذي قتل مؤلفه وهو نفس الكتاب الذي احيى جيلا تربى عليه) . وكما تأثر الشقاقى بأفكار "سيد قطب" تأثر أيضا وبشكل بالغ بفكر الإمام الخومينى وخاصة بكتابه (الحكومة الإسلامية)، وألف كتابا مهما عن الثورة الإيرانية أسماه "الخومينى..الحل الإسلامى والبديل"، وكون علاقات صداقة قوية مع عدد من مفكرى وقادة الثورة فى إيران، وكان نشر هذا الكتاب فى مصر سببا فى القبض عليه عام 1979 ، وعاودت السلطات المصرية إعتقاله بتاريخ 2/7/1979 لمدة أربعة شهور على أثر نشاطاته الاسلامية والسياسية ، وتمكن الشقاقي من مغادرة مصر سرا ً نتيجة ملاحقة رجال الأمن بتاريخ 1/11/1981 عائدا ً إلى قطاع غزة، وذلك بعد مقتل السادات واتهامه من قبل الدوائر الأمنية بأنه طرفا فيه وعلى علاقة مع الجماعات الاسلامية في مصر. فى القطاع إستطاع معاودة نشاطه سرا حتى تمكنت السلطات الإسرائيلية من القبض عليه عام 1983 لمدة 11 شهرا، وأعيد إعتقاله عام 1986 ليحكم عليه بالسجن بتهمة التحريض ضد الاحتلال الصهيوني، و نقل الأسلحة إلى القطاع و الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي، و قبيل انقضاء فترة سجنه أصدرت السلطات الصهيونية قرارا بإبعاده مباشرة من سجن نفحة إلى الحدود اللبنانية بتاريخ 1-9-1988م بسبب مشاركته في قيادة الانتفاضة الأولى من داخل السجن. حركيته: كان للشقاقى قدرات تنظيمية فائقة، فقد إستطاع وهو فى لبنان توحيد ثلاث تنظيمات هى سرايا الجهاد والتي تشكلت في جنوب لبنان عام 1986من الحركة الإسلامية ، وكان يتزعمها إبراهيم غنيم وحامد أبو ناصر ومحمود حسن وكمال قزاز . والاتجاه الإسلامي داخل حركة فتح ، وكان يتزعمه منير شفيق ومحمد بحيص وحمدي سلطان . وحركة الجهاد ـ بيت المقدس ، وكان يتزعمها أسعد بيوض التميمي . وقد أسفرت الاتصالات عن تشكيل إطار عسكري يحمل اسم " حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين" . لقد حجز الشقاقى لحركة الجهاد موقعا متقدما على ساحة العمل الجهادى فى فلسطين، فما تزال من حيث قوتها تمثل القوة التنظيمية والقتالية الثالثة بعد فتح وحماس، ورقما صعبا من العسير تجاوزه فى أى تسوية محتملة. ومما يؤخذه البعض على الشقاقى إعجابه المبالغ فيه بالنموذج الإيرانى، وخاصة بالإمام الخومينى، ويبرز هنا سؤال موجه للجميع، من منا لم يعجب بهذا النموذج فى حينه، من لم ينفعل مع تصاعد الثورة ضد الشاه، تلك الثورة التى صاغ أهدافها هذا الرجل السبعينى متحالفا مع طيف واسع من قوى اليسار واليمين، لتنطلق بقوة الجماهير الفقيرة العزلاء فى شوارع طهران فى مواجهة السافاك الإمبراطورى، حيث أكبر قوة عسكرية إقليمية، من لم يبكى أمام مشهد هبوط طائرة الخومينى وفرار الشاة مذعورا، نعم كلنا ذلك الرجل، ولكن الإعجاب والإنجذاب كان يجب أن يخضع لتحليل دقيق ومتعمق لما تلا ذلك من انقلاب على الحلفاء، ونكوص عن نضال الجماهير، ومغامرات خارجية مشبوهة، ولكن إغتيال الشقاقى مبكرا ربما، لم يعطه الفرصة الكافية لمراجعة هذه الأفكار. إغتياله: كان الرئيس الإسرائيلى "إسحق رابين"قد أقر خطة إغتيال الشقاقى بعد عملية "بيت ليد" التى تبنتها حركة الجهاد الإسلامى وأسفرت عن مصرع عدد من الجنود الإسرائيليين، وتم اغتياله فى مالطا يوم الخميس 26/10/1995، وذلك فى طريق عودته الى دمشق من ليبيا ولقاءه بالعقيد القذافى، لقد ذهب الى ليبيا يحمل جواز سفر ليبى بإسم مستعار هو "ابراهيم الشاويش"، وكان فى صحبته اثنين من قادة الفصائل الفلسطينية فى دمشق هما "ابو موسى" و"طلال ناجى" فى محاولة لإثناء القذافى عن طرد آلاف الفلسطينيين العالقين على الحدود المصرية فى اوضاع مأساوية، بزعم ان عليهم العودة الى بلدهم والنضال ضد المحتل من هناك، وحمّلت حركة الجهاد الموساد الإسرائيلى المسئوليته عن العملية، بينما أشار بعض زملائه بإصبع الإتهام الى ضلوع النظام الليبى فى العملية، وقيل أن ذلك تم بعد رفض الشقاقى إصدار بيان طلبه الليبيون ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، خصوصا أن للقذافى سابقة حول إختفاء "الإمام موسى الصدر"، ولكن هذه المعلومة لم يتم التأكد منها، والأرجح أن إسرائيل هى من قام بهذه العملية الإجرامية. ويعد "فتحي الشقاقي" أحد رموز التيارالدينى المستنير داخل الساحة الفلسطينية لما يتمتع به من ثقافة موسوعية، واستيعاب عقلاني لمشكلات الواقع الفلسطينى. كما يعتبر من مجددى الحركة الاسلامية وباعثها في اتجاه الاهتمام بالعمل الوطني الفلسطيني، وإعادة تواصلها مع القضية الفلسطينية عبر الجهاد المسلح والفكر الدينى المستنير، فدخلت بذلك طرفاً رئيسياً ضمن قوى الاجماع الوطني الفلسطيني بعد طول غياب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل