المحتوى الرئيسى

9‮ ‬مارس

03/09 14:55

هذا‮ ‬هو يوم الشهيد في تاريخنا الحديث‮. ‬ففي مثل‮ ‬هذا اليوم من سنة‮ ‬1969‮ ‬وكان يوم أحد‮. ‬استشهد الفريق عبد المنعم رياض‮. ‬والذي سمي بالجنرال الذهبي‮. ‬استشهد البطل في أبعد مكان وصل إليه قائد كبير في القوات المسلحة المصرية في الجبهة‮. ‬في اليوم السابق السبت‮ ‬8‮ ‬مارس كانت لديه خطة مصرية أشرف عليها من أجل هدف وطني نبيل هي تدمير خط بارليف‮. ‬جري ذلك خلال حرب الاستنزاف التي يعتبرها الجميع حرباً‮ ‬عربية إسرائيلية كاملة‮. ‬وربما كانت من الحروب النادرة التي حقق فيها الجيش المصري العظيم انتصاراً‮ ‬كبيراً‮. ‬ولكن لأنها تقع بين صدمة يونيو‮ ‬1967‮ ‬ويقظة أكتوبر‮ ‬1973‮ ‬لا نتوقف كثيراً‮ ‬أمام دلالاتها‮. ‬ولا نعطيها ما تستحقه كحرب قائمة بذاتها في سلسلة هذا الصراع العسكري الطويل‮.‬جري هذا يوم السبت‮ ‬8‮ ‬مارس‮.‬لكن يوم الأحد‮ ‬9‮ ‬مارس توجه عبد المنعم رياض بنفسه ليري علي الطبيعة ما أسفرت عنه المعركة ويكون وسط جنوده كأي قائد عظيم‮. ‬وهكذا وفي لحظة نادرة تقدم إلي أبعد مكان لم يكن يبعد عن مرمي النيران سوي‮ ‬250‮ ‬متراً‮. ‬وكان هذا الموقع يحمل رقم‮ ‬6‮ ‬وكان أول موقع يفتح نيرانه علي دشم العدو في اليوم السابق بتركيز‮ ‬غير عادي‮.‬ما إن كان هناك عبد المنعم رياض حتي فتح العدو نيرانه عليه‮. ‬ساعة ونصف من الحرب الحقيقية كان يقودها عبد المنعم رياض‮. ‬يجب ألا ننسي أبداً‮ ‬أنه كان رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية‮. ‬وأنه قاد هذه الحرب بنفسه‮. ‬ثم انفجرت إحدي طلقات المدفعية بالقرب من الحفرة التي كان يقود المعركة منها‮. ‬ونتيجة للشظايا القاتلة وتفريغ‮ ‬الهواء استشهد عبد المنعم رياض‮. ‬متوجاً‮  ‬بدماء الاستشهاد النبيلة والذكية والطاهرة سنوات تصل إلي الربع قرن من الخدمة العسكرية الشريفة والعظيمة‮.‬حتي آخر لحظة في حياتي لا أنسي جنازته في ميدان التحرير‮. ‬كان يتقدمها عبد الناصر بملابسه البسيطة‮. ‬لا ينسي الإنسان قِدَمْ‮ ‬ما كان يرتديه من ملابس‮. ‬ربما كان بعضها قد عرف طريقه إلي الرفّة‮. ‬وعندما أدركت الناس أن عبد الناصر يتقدم الجنازة‮. ‬تجمعوا من كل مكان وذاب النعش ومن حوله ومن كان في المقدمة وسط بحار من المصريين الذين حولوا الجنازة إلي مطلب جماهيري بالثأر من العدو‮.‬في المساء كان عبد الناصر بذات نفسه يقف علي رأس صفوف من يتقبلون العزاء في عبد المنعم رياض في مسجد عمر مكرم‮. ‬ورغم مقدمات مرض عبد الناصر‮. ‬إلا أن الرجل ظل أكثر من أربع ساعات يصافح كل من أتي ليقدم العزاء في شهيد العسكرية المصرية‮. ‬كانت مصر في حالة حرب‮. ‬وكان العدو عدواً‮ ‬حقيقياً‮. ‬ومازال هذا العدو حتي الآن‮. ‬إلا أن عبد الناصر وقف بدون أي ترتيبات أمنية يصافح كل من وصل إلي المكان معزياً‮.‬لن أنسي حتي آخر لحظة في العمر سيارة عبد الناصر السوداء وهي في طريقها من عمر مكرم حتي منزله في منشية البكري‮. ‬كنت أقف في شارع رمسيس قبيل ميدان‮ ‬غمرة‮. ‬لم يكن في الميدان ذلك الكوبري الحالي الذي يقلل من شكله واتساعه‮. ‬وكانت سيارة عبد الناصر تتهادي في طريق شبه خالٍ‮ ‬وكان الشتاء يستأذن في الانصراف‮. ‬والربيع لم يعلن عن نفسه بعد‮. ‬وكان صالون السيارة مضاء‮. ‬وكان عبد الناصر يجلس علي المقعد الخلفي وبيده أوراق ينظر فيها‮. ‬ثم ينصرف عن الورق ليحيي الجماهير القليلة التي كانت موجودة في ذلك الوقت الذي كان يسبق لحظة انتصاف الليل‮. ‬لكن العزاء والجنازة أكدا معاً‮ ‬تصميم أهل مصر علي الثأر من العدو الصهيوني‮. ‬أنا متأكد الآن من خلال ذاكرة المشهدية أن سيارة عبد الناصر لم يكن يسبقها سوي موتوسيكل وحيد‮. ‬ولم يكن ثمة موكب ولا حراسات ولا جنود يملأون الشارع‮. ‬ولا مخبرون يقفون في الشرفات وفوق أسطح المنازل لحراسته‮.‬إن التاسع من مارس يمر علينا كل عام‮. ‬لكن له في هذا العام أكثر من دلالة‮. ‬فالميدان الذي يحمل اسم عبد المنعم رياض شهد فصولاً‮ ‬شديدة الأهمية من الثورة الشعبية‮. ‬ثورة شعب مصر كله ابتداءً‮ ‬من‮ ‬25‮ ‬يناير حتي الآن‮. ‬كان ميدان عبد المنعم رياض هو المدخل إلي ميدان التحرير‮. ‬وهو المخرج منه‮. ‬وشهد الكثير من الأحداث البالغة الأهمية‮. ‬ورغم أن تمثاله لا يرقي لمستوي بطولته‮. ‬ولا يصل لمشارفها‮. ‬لكن الرجل شاهد من الغيب فصولاً‮ ‬مهمة تكمل ثورته من‮ ‬1968‮ ‬حتي‮ ‬2011‮ ‬تكون قد مرت بمصر‮ ‬43‮ ‬سنة من عمر مصر‮. ‬لكن كلمتي الثورة والشهيد تشكل رابطاً‮ ‬عبر التاريخ بين شهيد الأمس وشهداء اليوم‮.‬في ضمير مصر وتاريخها مكان لشهداء الخامس والعشرين من يناير‮. ‬إنهم‮ ‬365‮ ‬شهيداً‮. ‬هذا‮ ‬غير المفقودين منهم الذين مازالوا في علم الغيب‮. ‬يجري البحث عنهم كما يبحث الإنسان عن إبرة في كوم من القش‮. ‬لأن الخصم كان مخيفاً‮ ‬وكانت لديه قدرة نادرة علي إخفاء آثار جريمته‮. ‬ما أقصد إليه أننا من الآن علينا أن نحتفل بشهدائنا جميعاً‮. ‬سواء الشهداء الذين استشهدوا في حروبنا مع عدونا الإسرائيلي‮. ‬أو شهداء الشباب‮. ‬شهداء الداخل المصري الذين قدموا حياتهم شهداء في حربهم ضد الديكتاتورية والفساد والنهب المنظم لثروات مصر‮. ‬وأعتقد أن أعداء الداخل لا يقلون شراسة عن أعداء الخارج‮.‬أتذكر أنني عندما كتبت في روايتي‮: ‬الحرب في بر مصر‮. ‬أن كل رصاصة انطلقت في حرب السادس من أكتوبر باتجاه العدو الصهيوني كان لا بد أن ترافقها رصاصة أخري تطلق علي الداخل‮. ‬علي سلبيات الواقع التي كانت موجودة‮. ‬وهذه السلبيات لو قرأناها في صفحات التاريخ الآن سنكتشف أنها أقل مليون مرة مما كنا قد وصلنا إليه قبل الخامس والعشرين من يناير‮. ‬وما زال الخطر ماثلاً‮ ‬ما لم تكمل الثورة فصولها وتستكمل أحداثها وتعلن حرب اليوم والغد والزمن الآتي علي ما حاربنا ضده منذ سنوات بعيدة‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل