المحتوى الرئيسى

مصطفى شرعي: شهيد البساتين البار

03/09 11:00

- زوجة الشهيد مصطفى شرعي: حق زوجي سوف يعود مع عودة حقوق الشعب كله- كان زوجًا خلوقًا ورجلاً ربانيًّا يعشق مساعدة الجميع- نَعَتْهُ مساجد المنطقة ولقَّبته بالشهيد الحبيب الغالي- جنازته تحولت لمظاهرة حاشدة لكثرة معارفه وأحبائه حوار: مي جابرعرفه جيرانه بحبِّه الأعمال الخيرية وكفالة الأسر الفقيرة ورعاية الأيتام، وقضى حياته في خدمة المحتاجين والفقراء وحث الآخرين عليها، فاستحق لقب "رجل البر" الذي أطلقه أهالي البساتين على شهيد ثورة 25 يناير مصطفى شرعي، الذي استشهد أمام قسم السيدة زينب عن عمر يناهز 51 عامًا، يوم جمعة الغضب الموافق 28 يناير 2011م. وما إن تصل شوارع منطقة البساتين حتى ترى شرفاتها ونواصيها مزينة بصور الشهيد وكلمات الحب والتقدير، مع الفخر الذي يكنُّه الأهالي لابن منطقتهم الذي حبَّب أهلها كلهم في الشهادة، فلم تعد أسرته فقط تحلم بها، بل المئات والآلاف ممن خالطوه وعرفوه. أسرته الصغيره تتكون من زوجته سعاد ثابت وأولاده الأربعة وهم: محمد بالفرقة النهائية بكلية الهندسة، وسلمى بالفرقة الثالثة بكلية الهندسة أيضًا، ثم منة ووجدي تلميذان بالمرحلة الابتدائية، أما الشهيد يوسف فقد توفي العام الماضي بحادثة اختناق. (إخوان أون لاين) زار منزل الشهيد والتقى زوجته التي على الرغم من فقدان شريك حياتها لكن الابتسامة لم تفارق وجهها، فكانت تتحدث بثبات وسكينة، مؤكدة أنها احتسبت زوجها عند الله عزَّ وجلَّ شهيدًا، وخاصةً أنه ليس أول شهيد في عائلتها الصغيرة كما تقول، بل هو الثاني بعد طفلها يوسف. زوج خلوق* "رجل البر" هكذا قال عنه أبناء منطقته، فهل يمكن أن تصفي لنا ملامح شخصيته؟!** رحمه الله كان زوجًا خلوقًا مرحًا، لم تفارقه الابتسامة منذ أول يوم في زواجنا، كما كان خير عون لنا، مطبقًا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله"، وكان مصطفى على علاقة قوية بالله عزَّ وجلَّ بدوام اللجوء إليه، ومستجاب الدعاء في أغلب الأوقات، حتى إنه كان يناجي الله عند حدوث عطل في أي شيء بالمنزل، ويسأل الله عزَّ وجلَّ في أكثر دعائه أن يجعل عمله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يقضي حاجته فنراها تُقضى على الفور. مشهد الاستشهاد* كيف استشهد زوجك في جمعة الغضب؟** بعد هروب الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، كان مصطفى يشعر بأمل كبير، فعندما أبلغته بهذا الخبر قال: "الله أكبر عقبالك يا مصر، امتى بقى؟"، وصباح الجمعة 28 يناير استيقظ مصطفى باكرًا، على الرغم من مرضه الذي أصابه بالأرق في الليلة السابقة، استعدادًا للمشاركة في المظاهرات المتواصلة منذ الثلاثاء، وكان الإخوان قد قرروا الانطلاق من مسجد (آل الرواس) بالسيدة زينب بعد صلاة الجمعة، فتوجه إليه مع ابنه الأكبر محمد، وقبل الذهاب إلى المسجد بدأ يومه بتوعية ابنه في كيفية التعامل الحذر مع قوات الأمن الباطشة. وهو في طريقه إلى المسجد مازحه أحد أصدقائه قائلاً:" أهلا بالشهيد مصطفى شرعي"، فرد عليه الشهيد: "إن شاء الله هاكون شهيد النهاردة"، وعندما سأله آخر" نسمي اليوم النهاردة إيه يا حج مصطفى؟"، فأجابه: "لنسميّه يوم الشهداء وأنا أولهم بإذن الله"، وهو يذكرهم بخطورة الفرار يوم الزحف، مشددًا على الثبات أمام قوات الأمن المركزي والبلطجة التي يقوم بها الحزب الوطني الفاسد، وكان زوجي دائمًا يتمنَّى أن يتوفاه الله شهيدًا أو في الحرم المكي الشريف، كما كان يدعو كثيرًا في الفترة الماضية أن يلحقه الله بابنه يوسف الذي كان قرة عينه وروحه على الأرض". وعقب صلاة الجمعة خرج مصطفى مع ابني محمد لمشاركة الجموع في المظاهرات؛ ليرفعوا شعار "تغيير.. حرية.. عدالة اجتماعية"، وعلى الرغم من تأكيد المتظاهرين على سلمية مظاهراتهم، لكن بلطجية الداخلية أبوا إلا أن ينكِّلوا بهم، فقاموا بالهجوم على عددٍ كبيرٍ من المتظاهرين بالأسلحة البيضاء من (سنج ومطاوي وخناجر)، وفجأة لمح مصطفى مجموعة من البلطجية ملتفين حول ابنه محمد، فحاول التدخل لحمايته من أيديهم، إلا أنهم تركوا محمد وحولوا هجومهم إلى الشهيد. وفي وسط هذه المعارك قال أحد الإخوان للبلطجية اتركوه ده تبعنا، فظن البلطجية أن الشهيد منهم فتركوه على الفور، في الوقت نفسه اعتقلت مجموعة أخرى من الشرطة ابننا محمد، وتركوه عندما لم يجدوا له مكانًا في سيارة الترحيلات، وفي اللحظة التي كان زوجي يبحث عن ابننا محمد قامت قوات الشرطة بإلقاء القنابل المسيلة للدموع، والتي تلقى مصطفى قنبلة منها في صدره مباشرة، لأنه كان في مقدمة المتظاهرين، وأصابته القنبلة باختناق حادٍّ نُقل على إثره إلى داخل المسجد ليلفظ أنفاسه الأخيرة هناك، وقد قالت لي زوجة أحد أصدقائه إنها عندما ذهبت للمسجد للتأكد من هوية زوجي الشهيد وجدته يرقد على الأرض وتحيطه هالة كبيرة من النور لم تمكنها من رؤية وجهه بوضوح. ثبات واحتساب* ومتى عرفت بخبر الاستشهاد؟** جاء محمد بالخبر في الرابعة عصرًا، عندما نقل بعض الأصدقاء الجثمان إلى منزله، فرزقني الله الثبات في هذه اللحظات واحتسبته عند الله شهيدًا، وأدعو الله أن يجمع بيني وبينه في الجنة.* وكيف وقع الخبر على أهل المنطقة؟** كانت جنازة مصطفى مظاهرة حاشدة، وامتلأت الشوارع عن آخرها بالمُعزِّين، فأدى الآلاف صلاة الجنازة في الشارع؛ حيث لم يتسع لهم المسجد، ولم أستطع الوصول إلى النعش، بسبب الزحام الشديد الذي أعاقني عن التحرك من مكاني مع السيدات في آخر الجنازة. ولم يكن غريبًا أن تخرج جنازته بهذا الحجم، فأحباء الشهيد مصطفى شرعي كُثَّر، سواء كانوا من الأصدقاء أو معارفه أو جيرانه وكل مَن كان يقدم لهم يد العون، فضلاً عمن كان يشجعهم على الإنفاق في سبيل الله.  أسرة الشهداء *وماذا عن مشاعر أبنائه بعد استشهاد والدهم؟** كل العائلة تشعر بالفخر باستشهاد مصطفى، وأولنا محمد الذي تلقى الخبر بثبات كبير؛ لأنه يعلم أن "سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر، أمره ونهاه، فقتله"، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفس حال سلمى التي تفخر باستشهاد والدها دفاعًا عن الحق والمطالبة بالإصلاح، وتغضب بشدة إذا ما شخص هاجم المتظاهرين وسبَّهم. وعلى الرغم من صغر سن وجدي ومنة لكنهما يتمنيان الشهادة كأبيهم، حتى مازحتهم مرة قائلة: "ديه شغلانة بقى، كلكم هتموتوا شهداء وأنا هأقعد اتفرج عليكم كده؟!"* لو عاد بك الزمن هل كنت تنصحينه بالخروج في المظاهرات؟** لم أندم يومًا على نزول مصطفى للمشاركة في المظاهرات، لأني على يقين أن حياته أو مماته هو قدر من عند الله، وأينما كان سيأتيه أجله حتى لو كان في بيته، ولكن كان من الأشرف والأكرم له أن يموت بطلاً شجاعًا، ولم أكن لأمنع أبنائي من المشاركة بالمظاهرات، فعندما نصح أحد أقاربنا ابني محمد بعدم المشاركة عارضته وقلت له: "لو أراد محمد النزول لن يمنعه أحد فالأعمار بيد الله عزَّ وجلَّ". رؤى ومبشرات* هل كان ثمَّة إرهاصات سبقت شهادته؟** كنت أشعر بقرب وفاة مصطفى فقبل استشهاده بأسبوعين رأى محمد أن والده يتزوج بأخرى بينما أجري خلفه وأنا أبكي، وقتها وقع في قلبي أنه سيموت ولكني لم أستجب لهذا الشعور، فقلت له: هل ستذهب لأداء فريضة الحج وتتركني، "رجلي على رجلك". ومن المبشرات التي ظهرت بعد استشهاد مصطفى كانت عددًا كبيرًا من الرؤى التي رآها أبناؤه، في أحدها أنه نال رتبة عالية في ملابس الجيش، وتشع البدلة التي يرتديها نورًا كبيرًا، وفي رؤية أخرى عاد مصطفى إلى شبابه في الثلاثينيات ويجلس مع يوسف ابنه، وهما في قمة السعادة. حق الشهيد*  بعدما حققت الثورة عددًا من مطالبها، هل تشعرين بأنك أخذت حق زوجك؟** عندما سمعت بقرار تنحي حسني مبارك، شعرت بسعادة بالغة وراحة كبيرة، حتى إني أخذت أبحث عمن أهنئه، والتقطت هاتفي لأتصل بمعارفي وأبلغهم بالخبر السعيد، بينما لم يتوقف هاتف مصطفى عن الرنين، واتصل أغلب أصدقائه ليقولوا لي إن دماء مصطفى لم تذهب هدرًا. ولكن لم يتنهِ الأمر عند هذا الحد، فمحاكمة كلِّ من أعطى أوامر القتل أو نفذه هو القصاص العادل لجميع شهداء الثورة المصرية وليس الشهيد مصطفى فقط، وأحلم باليوم الذي سيحاكم فيه مبارك وحبيب العادلي محاكمة علانية؛ لتدبيرهم المؤامرات ضدَّ الشعب المصري ومحاولاتهم لتحويل الثورة العظيمة إلى حرب أهلية ليذبح الشعب بيد أبنائه. وسيعود حق زوجي عندما يعيش المصريون حياة كريمة، ويحصل كلُّ مواطن على ما يكفيه من أجر، ويحق للجميع ممارسة الحياة السياسية بديمقراطية، وينتهي تهديد أمن الدولة الإرهابي، فمصطفى كان يتمنَّى أن يحيا حتى يرى هذا اليوم، ولن يمنعه استشهاده من رؤيته، فهو حي عند الله يُرزق كما قال المولى عزَّ وجلَّ في كتابه العزيز. 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل