المحتوى الرئيسى

كرة اللهب والمجلس العسكري‏!‏

03/09 09:54

عاد السؤال التقليدي بقوة إلي قلب الحياة المصرية‏:‏ ماذا بعد؟‏..‏ لم يعد يخلو منه أي حديث في أي مكان في مصر‏,‏ بل إن المكالمات التليفونية العادية بين ربات البيوت تنتهي أو تبدأ به‏!‏ بالقطع المخاوف كثيرة‏,‏ وطريق المستقبل تطويه أطياف من الظلال وبقع من الضوء وكثير من الصخب‏,‏ فلا يكاد يستبان فيه الحفر والمطبات من الأرض المستوية‏,‏ خاصة أن عدم الإحساس بالأمن والأمان يكسب مساحة جديدة كل يوم في نفوس الناس‏..‏علي عكس ما كانوا يتوقعون‏!‏ وتبدو مصر في هذه الأيام كما لو أنها تعرضت لزلزال قوته مائة ريختر‏,‏ قلب عاليها واطيها‏,‏ أخرج كل ما في جوفها‏,‏ وفتح جروحا متقيحة منتشرة في جسدها بلا دواء أو علاج دهرا من الزمان‏..‏ وشئ طبيعي ألا يكون العلاج سهلا ولا الدواء في متناول الأيدي‏,‏ وهي حالة استلزمت بسرعة ودون إبطاء عرض هذه الجروح للهواء والشمس‏,‏ وإجراء عملية تطهير لا يستخدم فيها أي مخدر‏,‏ نتج عنها آلام عنيفة وقاسية‏,‏ وهو ما يعاني منه المصريون الآن‏.‏ وفي لحظة الآلام لا يستحسن وجود قرارات مصيرية‏,‏ فالألم العنيف يولد توترا يؤثر علي سلامة التفكير المجتمعي‏,‏ فمع هدير الأصوات يكتسب الأعلي صراخا والأشد جموحا رضا الغاضبين الثائرين‏,‏ وقد لا يكون الأصلح لنا‏!‏ بالقطع نحن نحتاج إلي بعض الوقت وبعض الهدوء العصبي‏,‏ وأي تشخيص للخروج الآمن بالعاصفة الثورية إلي شواطئ الأمان الآن قد لا يحدد المسار الصحيح‏,‏ فالتشخيص العلمي المجرد لا يتوافر في الساحة حاليا‏,‏ وأي تشخيص صادر عن شخص أو جماعة أو حزب هو محمل بالضرورة بأفكار هذا الشخص أو الحزب أو تلك الجماعة‏,‏ والأفكار هي في النهاية مصالح يريد الحفاظ عليها أو تحقيقها‏,‏ وأيضا هي تصورات خاصة في المستقبل الذي يسعي إلي دفع البلاد إليه‏!‏ صحيح أيضا أننا ندرك تماما أننا نريد مصر دولة مدنية ديمقراطية‏,‏ يتمتع مواطنوها جميعا بالعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص ونظام تعليم كفء وموحد‏..‏وهذا عنوان كبير يلزمه عشرات التفاصيل‏,‏ التي نختلف عليها حسب الانتماءات السياسية والدينية‏..‏ باختصار أمامنا حوار وطني طويل‏,‏ لا يجوز أن نترك لأحد أو فئة او جماعة أو حزب يحدد لنا شكل المستقبل‏,‏ لأنه يخصنا جميعا دون استثناءات‏.‏ لكن في ظل العاصفة التي فجرناها أو الزلزال الذي صنعناه لابد أن نفكر‏:‏ كيف نعبر هذه المرحلة الانتقالية بأقل الخسائر الممكنة‏,‏ لأن تجنب الخسائر مستحيل؟ الإجابة عن هذا السؤال‏,‏ تبدأ من وصف الواقع‏..‏ أولا‏:‏ غياب أمني أشاع قدرا هائلا من المخاوف والفزع في أفئدة المصريين جميعا‏,‏ لاسيما ان البلطجية والمجرمين يعيثون فسادا في الشوارع والطرقات‏,‏ أحيانا بالنهار وغالبا بالليل‏,‏ وبعض هذا الفساد مدبر حتي لا ترتاح أعصاب مصر ويهدأ تفكيرها وتندفع إلي المسارات السليمة الملائمة والتي في بعضها هدم بقايا النظام القديم بكل أصحاب المصالح فيه‏.‏ ثانيا‏:‏ احتجاجات واعتصامات ومطالب فئوية تكاد تصيب العمل والاقتصاد بالشلل‏,‏ يصاحبها نداءات بالتخلص التام من كل القيادات القديمة التي تدير كل مناحي الأنشطة المصرية في المؤسسات والهيئات العامة‏:‏ محافظين‏,‏ رؤساء مدن‏,‏ مديري أحياء‏,‏ رؤساء مجالس إدارات‏,‏ مديري عموم‏..‏الخ‏,‏ اي أننا نتحدث عن بضعة آلاف وربما عشرات الآلاف دفعة واحدة‏.‏ وهذه عملية معقدة وليست سهلة علي الإطلاق‏,‏ وقد يكون ضررها رهيبا إلي حد كبير‏,‏ في الوقت الذي تسود فيه حالة سيولة كل قطاعات المجتمع المصري‏,‏ لا فرق بين خاص وعام‏,‏ والمدهش أن أعدادا كبيرة من أنصاف الموهوبين وغير المؤهلين وغير الأكفاء هم الذين يقودون هذه المطالب‏,‏ كما لو أننا نسعي إلي استبدال وجوه نشكك في كفاءتها‏,‏ ليحل محلها وجوه علي نفس درجة الكفاءة أو أزيد قليلا لا تصنع فارقا في الأداء والمستوي المهني العام‏.‏ لمجرد أن هؤلاء القدامي معينون من النظام القديم أو تابعون له‏!‏ ثالثا‏:‏ قوات مسلحة موجودة في الشوارع والميادين والمدن بعيدة عن مهامها الأصلية‏,‏ وأدوارها التقليدية‏,‏ حامية للشعب وثورته ومطالبه الشرعية‏,‏ وقد تستمر لفترة أطول‏,‏ وهذه خطورة داهمة وحقيقية علي امن مصر القومي لا يرصدها البعض أو لا يراها‏..‏ وقد وصف أحد العسكريين الكبار الوضع الحالي بأنه أشبه بكرة من اللهب وضعت في أيدي القوات المسلحة‏,‏ صحيح أنه يتحملها لكنها تأكل في قدراته وإمكاناته‏,‏ في منطقة من العالم هي بطبعها متوترة وناشب فيها صراعات قديمة وتدار بها مؤامرات لا تتوقف‏,‏ دون أن ننسي أن مصر تقع في قلب هذه المنطقة‏,‏ وحدودها الشرقية مهددة طول الوقت‏,‏ وحدودها الغربية تشهد ثورة وحربا أهلية‏,‏ وجنوبها القادم منه النيل مصدر حياتها لا يخلو من تعقيدات واتفاقات تحوم بالأخطار حول هذا المصدر‏.‏ هذه هي معضلات مصر التي يجب ان نتعامل معها فورا‏,‏ مهما كانت العاصفة أو الزلزال الذي صنعناه لإزالة واحد من أفسد النظم الاستبدادية في تاريخنا الحديث‏,‏ ويكاد فساد نظام عائلة محمد علي يكون لطيفا وخفيفا ومقبولا‏,‏ وهو النظام الذي ثار عليه الجيش في عام‏1952,‏ وشهر به وتخلص منه‏..‏ فماذا نفعل؟‏!‏ ‏1-‏قطعا لن نتفهم عدم نزول الشرطة بكل طاقتها إلي الشارع‏,‏ ولن نقبل أي تبريرات أو أعذار‏,‏ ونتصور أن استمرار غيابها الأمني ليس مجرد مصادفة أو تعبير عن فقدان ثقة بين الداخلية والشعب‏,‏ فالداخلية مؤسسة عسكرية لها قوانين ولوائح‏,‏ والعمل فيها ليس بالمزاج‏..‏وهذا الغياب يثير مزيدا من الشك ويقطع الطريق علي بناء الثقة المطلوبة‏..‏صحيح أن هذا الغياب جعلنا نعترف بأهمية وظيفة الشرطة في حياتنا‏,‏ لكننا بالقطع لن نسمح بعودة الممارسات القديمة والعنجهية القديمة‏,‏ نحن نكن احتراما كاملا للشرطة ونريد في المقابل احتراما موازيا للمواطن مع صرامة في تنفيذ القانون دون شخصنة‏..‏والناس جاهزة نفسيا للتعاون ومساعدة الشرطة في أداء عملها بسلاسة‏.‏ ‏2-‏ قد نتفهم أسباب الاعتصامات والاحتجاجات والمطالب الفئوية‏,‏ فالظلم كان بالغا وشديدا‏,‏ لكن علينا أن ندرك أن إصلاح الأحوال يتطلب وقتا‏,‏ ولا يمكن ان نعمل بقاعدة من لا يحصل علي نصيبه الآن لن يحصل عليه أبدا‏,‏ هذه قاعدة فاسدة في وقتنا الحالي‏,‏ فهل يمكن ان نتعمل ونحتج‏,‏ نعمل ونتظاهر‏,‏ نعمل ونطالب؟‏!‏ ولو عاد جهاز الشرطة وعدنا نحن إلي العمل وتوقفنا عن ابتزاز انفسنا في هذه الظروف الحرجة‏,‏ سنرفع كرة اللهب عن القوات المسلحة‏,‏ فانغراز الجيش في رمال الحياة المدنية يعوق تدريبه واستعداداته وصيانة معداته‏..‏ باختصار لو ظللنا علي هذه الأحوال فإن كرة اللهب ستطولنا جميعا‏,‏ فهل هذا ما نريد؟‏!‏ المزيد من مقالات نبيـل عـمــر

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل