المحتوى الرئيسى

الاعتداء على كنيسة أطفيح

03/09 09:42

كنا نعتقد أن روحاً جديدة بدأت تسرى فى أوصال المجتمع المصرى بعد ثورة 25 يناير. ففى ميدان التحرير رأينا المصحف يعانق الإنجيل، والقبطى يصب المياه ليتوضأ أخوه المسلم ثم يقفا جنبا إلى جنب لأداء الصلاة معا فى مشهد رائع من مشاهد الوحدة والانتماء الوطنى، ولم نسمع خلال أيام الثورة، التى طالت لما يقرب من ثلاثة أسابيع، عن حادث واحد يعكر صفو الوحدة الوطنية فى أى بقعة من بقاع مصر.  ولأن تقارير كثيرة نشرت بعد الثورة تشير إلى تورط بعض أجهزة الأمن التابعة للنظام السابق فى العديد من حوادث الفتنة الطائفية فقد تصورنا أن زمن الفتنة الطائفية قد انتهى، وأن صفحته طويت بسقوط هذه الأجهزة وانتهاء دورها المحورى فى صنع السياسة المصرية. لذا كانت الصدمة شديدة حين وقع الاعتداء الآثم على كنيسة الشهيدين بأطفيح، وقامت مجموعة من المتعصبين بحرق الكنيسة والتعدى على ممتلكات الأقباط وإجبارهم على هجر منازلهم ومتاجرهم. وكانت صدمتنا أشد حين وجدنا أن معالجة الأزمة الناجمة عن هذا الحادث بدت وكأنها تسير وفق نفس النمط التقليدى الذى كان سائدا قبل 25 يناير.  فقد لاحظ كثيرون أن الأجهزة التنفيذية بالمحافظة لم تتحرك بالسرعة الكافية لضبط الجناة والقبض عليهم تمهيدا لمحاكمتهم، بل وتردد أن هذه الأجهزة لم تقم بما كان يتعين عليها القيام به لتمهيد الطريق أمام قوات الجيش كى تبدأ فى تنفيذ قرار المشير حسين طنطاوى، القائد الأعلى للقوات المسلحة، لإعادة بناء الكنيسة وإصلاح ما وقع من أضرار على الممتلكات. لقد آن الأوان كى يدرك الجميع أن مصر تمر الآن بلحظة فارقة فى تاريخها. فإما أن ينجح شعبها، بأقباطه ومسلميه، من إخراج الوطن من الوحل الذى انغرس فيه عميقا طوال الأعوام الثلاثين السابقة، وهو ما لن يحدث إلا إذا تضافرت الجهود لإقامة دولة مدنية حديثة تليق بهذا الشعب العريق، وهو أمل ومض بقوة فى سماء ميدان التحرير مع تفجر ثورة 25 يناير - وإما أن يعود إلى سابق عهده قبل 25 يناير، ويستسلم للقوى التى تخشى انطلاقته وتسعى بكل الوسائل لتكبيل طاقاته. وسوف تتوقف قدرة مصر على الانطلاق فى المرحلة المقبلة على مدى نجاحها فى معالجة جذور الفتنة الطائفية والضرب بيد من حديد على كل من يحاول تأجيجها بعد الآن، وهو ما يفرض على كل أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدنى تحمل مسؤولياتها فى تلك اللحظة الحساسة والفارقة، والتعامل منذ الآن فصاعدا بطرق غير تقليدية مع هذا النوع من الأحداث، ونبذ سياسة المسكنات. فبالإضافة إلى جهد أمنى يتعين ألا يتسامح بعد اليوم مع مرتكبى هذه الجرائم وأن يكثف من جهوده لمعرفة الجناة والمحرضين وكشفهم للرأى العام وتقديمهم إلى محاكمات سريعة ورادعة. على المجتمع بكل فصائله ومكوناته ألا يتسامح مطلقا مع المحرضين على إشعال الفتن بفتاوى لا علاقة لها بالدين الإسلامى الحنيف. لذا أضم صوتى إلى صوت المطالبين بأن يقوم مفتى الديار المصرية بإصدار فتوى صريحة لا تحتمل اللبس تحرم التعدى على الكنائس تحريما قاطعا، وعدم جواز بناء مسجد مكان كنيسة، مهما كانت الظروف، وتجريم أى قول أو فعل يحضّ على التمييز بين المواطنين على أساس الدين. لا أستبعد إطلاقا وجود أصابع خفية، بالداخل والخارج، تحاول تحريك قوى متطرفة على الجانبين ودفعها لاستثمار مشكلات عادية وحوادث فردية يمكن أن تقع بين أبناء الدين الواحد، مثل حوادث الاغتصاب أو العلاقات الجنسية غير المشروعة أو التعدى على أراضى وممتلكات الغير، وتصويرها باعتبارها أعمالاً منهجية منظمة وموجهة ضد أبناء الطائفة الأخرى. ولأن الأجهزة الرسمية لم تتعامل بشفافية كاملة مع الأحداث السابقة، فمن الطبيعى أن يؤدى غياب هذه الشفافية والافتقار إلى الجدية فى التعامل مع هذا النوع من الجرائم إلى تشجيع العناصر المتطرفة على التمادى فى غيها. لذا أتمنى أن تولى الحكومة عناية خاصة لتفعيل التوصيات التى تقدمت بها لجان تقصى الحقائق التى شكلت فى مناسبات مختلفة، بدءاً من حادث الخانكة عام 1971 وحتى كنيسة القديسين بالإسكندرية فى 2011، وتقديم كل المتورطين فى الجرائم الطائفية لمحاكمات عادلة. يدرك أعداء مصر أن تأجيج الفتنة الطائفية هو أقصر الطرق لإجهاض ثورة 25 يناير، وعلينا ألا نسمح لهم أبدا بذلك.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل