المحتوى الرئيسى

تعظيم سلام

03/09 09:36

بقلم: خضر عبد المعطي خضر تحية إجلال وتعظيم سلام واجبينِ لأطراف كثيرة أسهمت في نجاح ثورتنا المصرية الشعبية السلمية الحضارية. هكذا علمنا معلمونا في المدارس الابتدائية عند دخول المعلم أو المدير أو الموجه (تعظيم سلام, إرسال, جلوس). والمسهمون في الثورة ونجاحها هم المعلمون والمديرون والموجهون الآن, فهم علموا العالم، وشهد بذلك مَن تدعى بالدولة العظمى, وأداروا الثورة وملايينها بمهارة ودربة وريادة وشجاعة القيادة الجسورة وبإشارة اليد الواحدة التي تجتمع فوقها ملايين الأيادي؛ فتظهر واحدة ولكن ضربتها بقوة ملايينها وعهدها بضمان ملايينها, وكانوا الموجه الذي وجَّه الثورة وجهتها السليمة الصحيحة بحكمة ووعي وألمعية وتصميم وثقة وأمل, فلهم تعظيم السلام.  والسلام المعظم سأحيي به اليوم فئات كثيرة من أهلي في مصر المحروسة داخلها وخارجها, وتحيرت بِمَن أبدأ؟ فالترتيب ليس للأهمية، وإنما فقط لقطع حيرتي والمضي في الكتابة، فليعذرني مَن يرى تقديمًا لفئة أخرتها.  وأبدأ بتعظيم سلام لشهداء الثورة الأبرار الشجعان, فهم وقودها وسير ترقيها وصمودها وثمن غالٍ  قدموه بأرواحهم الطاهرة مهرًا لعرس الحرية في الدنيا وعرس الحور في الآخرة إن شاء الله. وقد قالوها وصدقوا: سأحمل روحي على راحتي        وألقي بها في مهاوي الردى                                                فإما حياة تسر الصديق                   وإما ممات يغيظ العدا                   ونفس الشريف لها غايتان:               بلوغ المنايا ونيل المنى                                                           فما العيش ما عشت إن لم أكن            مصون الجناب حرام الحمى                       تعظيم سلام لأهالي الشهداء الذين وقف أحدهم يقول: عندي ابنان آخران سأقدمهما فداءً لمصر وثمنًا للحرية.  تعظيم سلام لآباء الثورة الروحيين الذين هبت نسمات أرواحهم وأنفاسهم الطاهرة؛ فملأت أبناء اليوم قوة وتصميمًا أن يكملوا مسيرتهم ويحققوا آمالهم.  تعظيم سلام للمناضلين المصريين الذين قضوا نحبهم في سبيل الحرية والإصلاح ولم يروا لحظة النصر, لكن قال أحدهم: "ستظل كلماتنا كعرائس الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة". إلى مَن عُلِّقوا على أعواد المشانق وهم يقولون كلمة الحق في وجه الديكتاتوريين والطغاة, إلى الذين ماتوا في السجون من كلِّ أطياف الأحرار والمصلحين. تعظيم سلام لشباب الجيل الذين وعوا دروس الماضي وقرءوا الواقع بعين التكنولوجيا، وعصر المعلومات والتقنية الحديثة، فالحق هو الحق لكن آلية التعرف عليه كانت متناسبة مع العصر وثوراته المعلوماتية والاتصالية. تعظيم سلام إلى الفتاة الحرة التي سجنت قبل الثورة بأعوام، وظلت ثابتة على طموحها ورغبتها في القضاء على النظام الفاسد ورءوسه وأذنابه هي ومَن معها حتى كثر عدد المؤيدين، وتكررت الوقفات والمحاولات, وظن أغبياء الطغيان أنه (عبث ولعب عيال وشباب فاضيين)، وجاءهم العذاب من حيث لم يحتسبوا, فإذا بالشعوب تستجيب للنداء، وإذا بالحكمة الإلهية والتوقيت الإلهي يأتي مواكبًا لهم مستجيبًا لهمتهم، ويشدُّ على أيديهم فيلبي نداءهم كلُّ الأحرار والإصلاحيين، والمظلومين والمثقفين والشجعان والوطنيين من أبناء البلد (الجدعان)،أفرادًا وجماعات بأيديولوجية وبغير أيديولوجيات غير أيديولوجية الوطن الحر ورد الاعتبار والثأر للأحرار والأمل في استرداد الحقوق والبلاد المخطوفة المنهوبة، وحكمها المغتصب، وهذه كلها أيديولوجيات وطنية وضعها الزمن ووضعتها للشعوب الأحداث وتطوراتها للأسوأ والأقبح. تعظيم سلام لكل من لبَّى نداء الثورة وحقَّ الوطن ووقف في الميدان وترك أولاده الصغار ووالديه وذويه، ولِمَن اصطحب عائلته معه ولكلِّ من دعمهم بالمال والطعام وضبط النفس وتحمَّل الأذى والمساعدة بتخصصه في أي مجال, في داخل مصر وخارجها.  نعم تعظيم سلام للمغتربين المصريين في الخارج من الأحرار الذين هبوا لنصرة بلادهم ودعم ثورتها، ووقفوا على قدمٍ وساقٍ مع أبناء الميدان بالمطالب نفسها بلا نقصان ولا مساومات، وطافوا شوارع أوروبا وأمريكا والخليج ودول آسيا وإفريقيا وأستراليا، ولم يحسبوا للمخاطر حسابًا في موازنة ومقارنة قرروا ألا يكونوا أقل وطنية ممن هم وسط الفقر والقهر،  ورغم ذلك وقفوا في الميدان, فكانوا كمصطفى كامل حين خرج لفضح الاحتلال في الخارج, وقالوا كلنا مصطفى كامل, وقد كان الأمر يستحق في ظل تعتيم إعلامي في أوروبا، وأمريكا في أول الثورة؛ لمساندتهم للديكتاتور الفاسد، وحرصًا على مصالحهم. وفي ظلِّ سكوت لدول العرب، والخليج الذين يشعرون أن الدور عليهم, كانت ثورات ووقفات المصريين بالخارج إعلامًا مصريًّا متحركًا في الشوارع والطرقات والصحف والمجلات, أمام السفارات ووزارات الخارجية والبرلمانات والمحاكم الدولية, حتى تحرَّك الغرب واضطر أن ينطق بزوال الاستبداد وحقِّ الشعوب في تقرير مصيرها بإرادتها وكامل حريتها. تعظيم سلام للحركات الإسلامية الصادقة المعتدلة القوية التي تمكنت من ضبط النفس، واستطاعت أن تقضي على المؤامرة ضدَّ الثورة، فلم توصمها بأنها ثورة إسلامية، ولم تركب موجتها لتسترد حقها، أو تأخذ بثأرها؛ فضيقت الخناق على شياطين الفاسدين، وأبطلت سحرهم، بل قلبت السحر على الساحر فابتعد قادتها عن التصريحات العنترية، وشهدت الساحة بجمهورها العريض الذي هو الشعب المصري الأصيل. هذا ومع ضبط النفس امتلكت الحركات الإسلامية القدرة على التعايش مع كلِّ الفئات بحضارة وسماحة، ووضعت نفسها وجمهورها في خدمة الجميع، فذابت شعاراتها واختفت ولم تردد شعارًا منها رغم جمهوره العريض والمنظم والفعَّال، ولم يرددوا إلا شعارات الوطن والحرية سقوط النظام وتحيا مصر، بل قالوا: نحن أصحاب أعمال لا أقوال, نكثر عند الفزع ونقل عند الطمع, فأثبتت بذلك قدرتها على احتواء الأفكار كلها والتعايش السلمي مع أطياف الشعب المصري الفكرية والعقدية وبرز عالمها الجليل وسط الملايين ليقول في نداء خطبة الجمعة: أيها المسلمون والأقباط رغم اختفاء صوت الأزهر الرسمي وصمته المخزي, حتى لحظة الفوضى، وتحطيم السجون، وإخراج المساجين الجنائيين وغيرهم وقف قادة الحركة الإسلامية أمام أبواب السجون المفتوحة ليتصلوا بالإعلام والمسئولين من سجانيهم؛ ليثبتوا أنهم ما فروا وما هربوا, وهم الذين قبض عليهم في ثاني أيام الثورة, كلُّ ذلك كان له عظيم الأثر في الغرب؛ حيث قلل من الإسلاموفوبيا وحطم قواعدها, تلك الحملة الشرسة التي أججت نارها الأنظمة الفاسدة بما كانت تصدره عن الإصلاحيين المسلمين المعتدلين ودعوات الإصلاح الديني، وباستخدامها الحركات الإسلامية كفزاعة للغرب: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30). تعظيم سلام لأحرار الأقباط وصالحي النصارى المصريين الشرفاء الذين حطموا أكذوبة الفتنة الطائفية، وكانت فزاعة أخرى في الداخل والخارج، فحموا صلاة الجمعة، ورفعوا الهلال مع الصليب، وبعضهم خالف الموقف الرسمي المخزي للكنيسة. تعظيم سلام للجان الشعبية الشجعان أصحاب الفكرة الرائعة الحضارية التي أبطلت مخططات الجبناء من فاسدي الجهاز الأمني السابق. تعظيم سلام للفنانين الوطنيين الذين ساندوا الثورة والتزموا بالميدان ومطالبه من أول يوم مع الكتاب والروائيين والمخرجين الصادقين في فكرهم الذي سطروه قصصًا و"سيناريوهات" لأفلام عديدة، ومسلسلات جسدت الفساد والظلم في واقعية تامة صريحة، وكان لهم السبق، والتأثير في الشعوب بفضح الفساد والطغيان، في حين جبن غيرهم أو غرر بهم وأثبتوا أن فنهم كان مجرد تمثيل، وأنهم في كلِّ وادٍ يهمون ويقولون ما لا يفعلون. تعظيم سلام للقنوات الحرة التي سهرت الليالي، وما زالت تغطي أحداث الثورات المتتالية الطويلة، فلم تكل ولم تمل ولم يتأخر واحد من مراسليها أو من أفراد فريق عملها عن أداء واجبه في حيادية وشفافية وجرأة، في حين كانت فضائيات عربية وإسلامية وما زالت ترقص وتذيع السفه والغي، رغم سريان دماء الأحرار ودك الطغاة شعوبهم بالطائرات والمدافع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227)﴾ (الشعراء: من الآية 227). تعظيم سلام جعلته في آخر تعظيماتي لأن دور مستحقه ما زال  مستمرًا، تعظيم سلام لقواتنا المسلحة وقادتها الشرفاء البواسل وجنودها الأحرار, فقد قاموا بواجبهم وصدقوا في عهودهم، وكلنا ثقة أنهم أوفياء لقسمهم موفون لعهدهم حتى النهاية بتسليم الدولة لقادة الشعب من أهل الثقة والشرف والتخصص كدولة مدنية متحضرة, وعلى نظام ديمقراطي سليم يحافظ على مسلمات الشعب وعقيدته وأصوله الراسخة، ويواكب بل ويسابق بحضارته العالم كلَّه شرقه وغربه.  ويتفرغ قادتنا بآلياتهم العسكرية لحماية الديار والذود عن الحياض والعودة بمصر إلى القيادة والريادة، ولتكن كنانة الله في أرضه كما أراد الله لها وليعيدوا للجندي المصري قوته وكرامته ورخاءه، ويدعموا فيه الوطنية والولاء ليتطوع مسرورًا ويقدِّم روحه رخيصة ويفخر بخدمة بلاده وحماية شعبها, بدلاً أن يرشي أو يشوِّه نفسه ليهرب من الجندية, وليبقى الجندي المصري كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير أجناد الأرض"، تحية إجلال وتعظيم للمخلصين من رجال قواتنا المسلحة صمام الأمان ودرع الوطن وعينه الساهرة ضدَّ كلِّ معتدٍ وضدَّ خفافيش الظلام ومَن تسول له نفسه أن ينال منها ومن شعبه. تعظيم سلام لمصر العظيمة التي صمدت عبر السنين الثابتة الشامخة، التي لم تنحنِ ولم تنكسر ولم تذل، رغم الظلم الذي تعرَّضت له سنوات طوال، رغم النهب لثرواتها، رغم تأخرها وغيابها حينًا لكنها أثبتت أنها ولادة أبية ردت بعنفٍ وبقوةٍ باسم أبنائها عن السؤال الذي تردد في العالم كله في الآونة الأخيرة: أين مصر؟ أين مصر؟ فقالت مصر: سئل الحق يومًا أين كنت حين استطالت شجرة الباطل؟ قال: "كنت في باطن الأرض أجتث جذورها" وقد كان, فلتعش مصرة حرة وليعش شعبها العظيم، ولنهتف لها جميعًا:بلادي بلادي اسلمي وانعمي   سأرويك حين الظما من دميورب العقيدة لن تهزمي    ومن أكمل الدين للمسلمبلادي إذا ما دهتك الخطوب     فإنا بأرواحنا والقلوبسنحمي ثراك ونحمي الدروب    ونقضي على الخائن المجرم-------* مدرس بجامعة برلين المنسق العام للتجمع الأوروبي للأئمة والمرشدينبرلين- ألمانيا

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل