المحتوى الرئيسى
alaan TV

ظهور الدولة العثمانية بقلم:زياد هواش

03/08 19:50

الاجتهاد مجلة متخصصة تُعنى بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي العددان الواحد والأربعون والثاني والأربعون السنة الحادية عشر شتاء وربيع العام 1419هـ / 1999 م رئيسا التحرير الفضل شلق ورضوان السيد الدولة العثمانية في الدراسات الحديثة من الإمارة إلى الإمبراطورية البحث التاريخي ليس على "التاريخ كما حدث بالفعل" , ولكن "كيف أصبح على ما هو عليه في الحقيقة" . ظهور الدولة العثمانية جمال كفادار ترجمة عبد اللطيف الحارس يبدأ التأريخ , مع "سلالة عثمان" وحلمه في مواجهة الاضطرابات السياسية والمادية التي سببتها الجانكيزخانية في غرب آسيا . مع تدفق الأتراك إلى آسيا الصغرى , وانحلال السلطة السلجوقية . " إنّ السلطان قدر الهي , ولقد تحول التوفيق الإلهي من البيت السلجوقي إلى بيت أرطغرل" . أرطغرل والد عثمان . هكذا بشر الحاج بكتاش "حاجي بكتاش" , الزعيم الروحي لنظام الدراويش البكتاشية , بقيام الدولة العثمانية . في المصادر الأوروبية , هل العثمانيين هم حقا الطرواديون , أم هم سكيثيون , يثأرون لمقتل هكتور أو خرجوا للقتل والتدمير . مهاراتهم العسكرية العظيمة , هي خاصية عرقية , وبانتمائهم إلى الإسلام "ديانة محاربة" , حضر "الخطر التركي" , إن الإرادة الإلهية تعاقب المسيحيين على خطاياهم . لقد ضاعت في كتب عصر النهضة , الملامح بين العثماني والتركي والمسلم . بعد الحرب العالمية الأولى , عندما أصبح زوال الدولة العثمانية أمرا وشيكا , ظهر الاهتمام بنشوئها . كيف يمكن لبعض "البرابرة" والذين كانوا عند مستهل بناء إمبراطوريتهم , رعاة , خلق هذا الكيان المعقد ..؟ كتب أيورغا (Iorga) : لكي نفهم تطورات الدولة العثمانية ، وعلل ضعف المقاومة المسيحية ، وكثرة الأمراء ، واستعداد الجماعات المسيحية للخضوع للعثمانيين ، ونُدرة أحداث التمرد والمقاومة المسلحة للفاتحين . من أجل ذلك كلّه يكون علينا أن نعرف خصائص هؤلاء العثمانيين ، والأبعاد الحقيقية لحياتهم التاريخية . يرى غيبون (Gibbons) : أن "الأربعمائة خيمة" التي تشكل قبيلة عثمان , لا بد أن يكون قد انضم إليها العديد من الداخلين الجدد في الإسلام مما أدى إلى زيادة عدد هذه الجماعة إلى "عشرة أضعاف" . وهكذا خلقت سلالة جديدة (العثمنلي) ، التي تشكل مزيجا من الأتراك الوثنيين سابقا واليونان المسيحيين سابقا . ولذلك فان القوة الخلاقة للإمبراطورية العثمانية يجب أن لا تعزى للشعب الآسيوي وإنما للعناصر الأوروبية" . وكذلك يرى غيبون ، أن التوسع العثماني في البلقان يجب أن لا ينظر إليه كنتيجة لسلسلة من الغارات الهادفة إلى الحصول على الغنائم وإنما "كجزء من خطة استيطانية" تزامنت مع هذه الغارات . عبر شارلز ديل (Charles Diehl) ، (بيزنطي _ فرنسي) ، عن ذلك بقوله : "الأتراك ... هؤلاء المقاتلون القساة لم يكونوا إداريين ولا حقوقيين ، ولم يفهموا سوى القليل من العلوم السياسية . ونتيجة لذلك فقد أقاموا معظم مؤسسات دولتهم وأكثر تنظيماتهم الإدارية على غرار ما وجدوه في القسطنطينية" . بينما يرى أيورغا أن العثمانيين الفاتحين "بالرغم عن أنفسهم" ، اندمجوا بشكل كلي تقريبا في الحياة البيزنطية – ما عدا ديانتهم ، أو كما عبر عن إمبراطوريتهم بجملته الموفقة "بيزنطية بعد بيزنطية" . {كل هذا مرتبط بالادعاء بان العثمانيين لم تكن عندهم "أساليب الحياة" اللازمة لمعرفة المفاتيح الفكرية لفهمه التاريخي لإنشاء الإمبراطورية} . غيز (Giese) , انتقد نظريات غيبون وطريقة استخدامه للحقائق ، واقترح دافعا جديدا للفتوحات العثمانية : علاقة عثمان مع ، أو دعمه من قبل ، الآخي (Ahi) . هذه "الأخويات" كانت تمثل الشكل الأناضولي لمؤسسات الفتوة الاسلامية الأولى ، والتي تضمنت أوساطا حرفية وتجارية مدنية تتماشى مع أنماط سلوك شبه صوفية وشبه فروسية ونقابية . ذهب كرامرز (Kramers) إلى أبعد من ذلك فاعتبر أن عثمان كان واحدا من قياديي فتيان الآخي أو الأخوان الآخي في قرية بافلاكونيا التابعة لمقاطعة عثمانجك (Osmancik) حيث يفترض انه اتخذ لقبه . كان الكثيرون من الغربيين متحمسين لإعطاء رأي في هذه المواضيع المتعلقة بهوية عثمان الإثنية والدينية في هذه السنوات . والهوية – مزيج من التصنيفات الإثنية ، والقومية ، والعرقية ، والدينية – لها قيمة تفسيرية أساسية في الفهم التاريخي ، وخاصة في تحديد المطاف الصحيح للأفراد والأمم في التطور الدقيق للحضارة . وهم جميعهم يميلون ، بطريقة أو بأخرى ، إلى التركيز على الطبيعة "الشرقية" للعثمانيين ويقبلون الهوية الأساسية التركية – الاسلامية لمؤسسي الدولة . محمد فؤاد كوبرولو و بول فيتك (Wittek) ، وعلى الرغم من اعترافهما بأهمية التحوّل من النصرانية إلى الإسلام ، إلا أنهما كانا حذرين بما يكفي لعدم استخلاص أي تصورات ديموغرافية مميزة من كل هذا . كما أنهما لم يقبلا فكرة أن عثمان كان وثنيا بناءً على حقيقة مهلهلة ، إذ إنهما كانا مقتنعين بأن "الديانة لعبت دورا ، وربما هاما ، في قصة التوسع العثماني" . وشعر الباحثان أن "عشيرة الفاتحين العثمانيين الأوائل" ، يمكن تفسيرها من خلال حضور الدراويش المحيطين بهم . وأبرزا دور النمو التجاري وتكاثر منظمات الآخي كذلك ، وبذلك توصلا إلى نتيجة أن "السلاطين الأوائل كان لديهم ما هو أكثر من جماعات من البدو للاعتماد عليهم" . محمد فؤاد كوبرولو ، وباختصار فان الدولة العثمانية كانت ذروة تفاعل بعض الديناميات ، والمهارات ، والمبادئ التنظيمية التي ربما استوردت أو تطورت في المجتمع التركي الأناضولي خلال قرنين من الزمان . وحدث أن كان عثمان في المكان المناسب ، في الوقت المناسب . بول فيتك ، توافق مع محمد فؤاد كوبرولو في نقطة أساسية : قيام الدولة العثمانية ينبغي أن يدرس بالمقابلة مع خلفية قرون من العمليات العسكرية ، والتحوّل الثقافي ، والتلاقح الثقافي ، واستيطان المسلمين والأتراك في أناضول العصور الوسطى . وتوافقا في نقطة أخرى : يجب أن يميز بين ساكني المناطق الخلفية وساكني التخوم بالنسبة لنظامهم الاجتماعي وخصائصهم الثقافية . ركز هذان الباحثان مجددا على أن مجتمع التخوم ترك مجالا أوسع للتجديد ، والتولد ، الذاتي المختلف عن الأصل ، والتغير . واختلفا حول موضوع "العامل القبلي" وأثره ، خاصة في بناء الدولة العثمانية . محمد فؤاد كوبرولو ، كان جاهزا لقبول فكرة أن العثمانيين يتحدرون من قبيلة تنتمي إلى فرع قايي (Kayi) من الترك الأوغوز (Oguz) كما ادعت معظم المصادر وكما أصبح لاحقا مقولة عثمانية رسمية . فيتك ، استخلص أن العثمانيين الأوائل لا يمكن أن يكونوا متجانسين قبليا ، وإلا لكان عندهم نسب ثابت بإمكانهم إظهاره . {بالنسبة للمؤرخين ، القبليّة تستوجب قرابة عصب . مما يعني أنه ينبغي في الأساس أن تكون مؤلفة من علاقات دموية ، أما النسب فيجب أن يكون بالإمكان العودة به إلى أصل مشترك} . فيتك ، ركز اهتمامه على عامل واحد محدد داخل مجتمع الأوك (UC) ، عبارة تعني رجال التخوم في مصادر العصور الوسطى , جمع أوكات (Ucat) ، بيئة الغزو وروحيته ، والتي كانت أساسية في ظهور الإمارات , ولاحقا الدولة العثمانية ، التي سيطرة على الآخرين . كوبرولو كان ملتزما بمعتقد قومي أساسي وبشكل أقوى من اعتقادات المؤرخين الذين عارضهم . فإذا كان على الدولة العثمانية أن تُرى على أنها من صنع الأتراك ، فان هؤلاء الأتراك ينبغي أن يكونوا من الأتراك الأصليين الفعليين ، وليس من المتتركين . وأن الأتراك لم يكونوا مفتقدين "للمهارة الإدارية" . "المهارة الإدارية" لشعب من الشعوب ، ومحاولة إثباتها "للعالم المتحضر" بشكل خاص ، كانت أكثر من مسألة اعتزاز قومي ، وكما ذكر سابقا ، فان مثل هذه المناقشات لم تكن إلا صدى لأحد المبادئ الأساسية "للنظام العالمي الجديد" بين الحربين العالميتين: أي شعب له الحق في وطن في العالم المتحضر إذا استطاع أن يثبت أن عنده في تجربته التاريخية ما هو ضروري لإقامة دولة مستقرة وليحكم بطريقة متحضرة . بالنسبة لفيتك ، التاريخ السياسي للتخوم صُنع من قبل مجموعات من الغزاة ، مجاهدين في سبيل العقيدة ، انتشروا في مناطق الحدود مع زوال السلطة السلجوقية ، وكونوا إمارات طامحة ، ومنهم المجموعة التي قادها الغازي عثمان ، والتي كتب لها النجاح بسبب موقعها الموفق . "مقولة الغزو" عند فيتك هي التي أصبحت الرواية النهائية لأصول الدولة العثمانية في جزء واسع من عالم المثقفين ، وبسبب استحضارها لتصورات فروسية ، دخلت عالم المعالجات الشعبية . أبرز فيتك إيديولوجية الغزاة بدلا من العرق التركي كما فعل كوبرولو , وبالتالي رفض مقولة أن العثمانيين كانوا فرعا من قبيلة القايي من الأتراك الأوغوز . أرناكس (Arnakis) ، ركز على أن المصادر توحي بأنه لم يكن هناك تعصب إسلامي خلف النشاطات العسكرية للعثمانيين الأوائل : هدفهم ، كما أوضح أرناكس ، لم يكن نشر الإسلام أو تحطيم المسيحية ، وإنما ببساطة الغنيمة. ... العثمنلي الأوائل جعلوا من السهل على اليونانيين الانضمام إليهم ... ومع فتح بورصة ، "تعزز العثمنلي بالتقدم الاجتماعي لسكانها المدنيين . وبجعلهم بورصة عاصمتهم ، بدأ العثمنلي إصلاحات ... ، ونظموا دولة نموذجية ، فتقدمهم وانتشارهم السريع في أوروبا يعزى إلى التجربة الإدارية والتقاليد المدنية لمواطني بورصة ، ونيقية ، ونيقوميديا" . على أية حال ، هناك إجماع بين هؤلاء الباحثين ، فيما يبدو ، على تقدير الدولة العثمانية الأولى ، ولكن السؤال الهام كان : إنجاز من كانت ؟ أرناكس مثل غيبون ، ركزا معا على إسهامات العناصر غير التركية وغير الاسلامية بالأساس في قيام الدولة العثمانية , بينما دعم كوبرولو وفيتك دور التقاليد الاسلامية التركية ( التي فهمها فيتك في إطارها الثقافي وليس الإثني) . البحث عن البدائل زكي واليدي توغان ، ركّز غالبا على أهمية التراث الإيلخاني ، وكذلك على الأتراك الشرقيين ، غير الأوغوز ، وهي عناصر أراد من خلالها تذكير الأتراك الغربيين ، ورثة التقاليد العثمانية ، بأبناء عمهم غير الشرق أوسطيين . كما أن مرابع قبيلة عثمان ، كانت تقع بالقرب من الطريق التجارية البيزنطية _ الإيلخانية ، كل هذه العوامل جعلت من الطبيعي للمحاربين الأتراك أن يسعوا لتوسيع سلطتهم وبناء دولتهم . بالنسبة لأرنست فيرنر (Ernest Werner) وهو ماركسي لينيني ، القرنين الأولين من التاريخ العثماني مثّلا إطار نظام إقطاعي من خلال إخضاع العناصر ما قبل الإقطاعية والمعادية لها . وكان ذكيا بتركيزه على الصراعات الاجتماعية ، داخل هذا الكيان النامي ، معتبرا إياه الدينامية التي حرّكت التطورات السياسية . مقولة فيتك ونقّادها ما كان فيتك ليتمكن من تشكيل نظريته لو لم يفترض نوعا من الاستمرارية في التغيير اللغوي في تقاليد الغزاة في الأناضول ، وفي إسلام القرون الوسطى بشكل عام ، وصولا إلى العثمانيين الأوائل . وهو استهل روايته عن صعود العثمانيين بمسح لتقاليد الغزاة في الأناضول بدءًا من الدنشمند في نهاية القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر . ولهذا السبب أيضا وجد أن تجارب الإمارات الأخرى المعاصرة إلى حد ما للعثمنلي مفيدة في فهم القضية الناجحة والمميزة للعثمانيين . إن القيادات العسكرية والسياسية لساكني التخوم كانت دائما حكرا للغزاة ، بالنسبة لفيتك . ومنذ أواخر القرن الحادي عشر ، كانت مناطق التخوم الأناضولية مسيطرا عليها من قبل الغزاة ، الذين كانت أعمالهم المستقلة ، المتفرقة والعامة ، لا تتوافق دائما مع سياسة الإدارة السلجوقية الموجهة الفعلية نحو الاستقرار . وكانت هناك اشتباكات متعددة بين السلطات السلجوقية وأولئك الغزاة ، الذين كان الدنشمند من أبرز ممثليهم في القرن الثاني عشر . وفي أوائل القرن الثالث عشر ، حصل تقارب بين الغزاة والسلاجقة ، إلا أن غزوات المغول وضعت نهاية لهذا كله . بالنسبة لفيتك ، ساهم الأتراك البدو في الغزوات ، والغارات ، وقيام الإمارات ، إلا أنهم كانوا على درجة أقل من الغزاة "هؤلاء المقاتلون على الحدود ، الذين ولأجيال هاجموا وسيطروا على التخوم ... قادة الغزاة هؤلاء أصبحوا أمراء الإمارات" . ولذلك يعزو فيتك تكوين هذا النظام لحملات القرصنة الناجحة للغزاة ، الذين انضم إليهم "العمال البحريون ساكنو المناطق الساحلية" و "عدد كبير من البحارة البيزنطيين" . دول صغيرة مماثلة وجدت في مناطق أخرى من الأناضول الغربي . من بينها واحدة أسسها أتباع عثمان ، الذي مثل تشكيلا آخر للغزاة ، "تكيّفوا مع حضارة البلد الذي يهاجمونه" , وهذا "ما جعل من الأسهل على الأكريتاي [محاربو الحدود البيزنطيون] الانضمام إليهم في مجموعات ، وعلى الحصون والمدن الأصغر أن تستسلم طوعيا" . العثمانيون , كانوا أكثر القادة نجاحا في تحقيق التوسع من بين كل هذه الإمارات , على الرغم من أنهم كانوا الأقل أهمية في البدء . إلا أنهم وبفضل مركزهم على المشارف القريبة من منطقة الحدود غير المستقرة ، كانوا أقرب المجموعات إلى أضعف النقاط في دفاعات القسطنطينية . نجاحات العثمانيين الأولى , أمنت بدورها ، مصادر جديدة من المحاربين بمن فيهم المتحولون إلى الإسلام ، وهذا بدوره ساعد في عملية نموّهم . لقد وضع فيتك فارقا بين الغازي والتوجهات الاسلامية الكلاسيكية وشعار الحرب المقدسة . رودي بول لندنر (Rudi Paul Lindner) ، شكل له التراث الأنتروبولوجي حول القبائل مصدرا واضحا للإلهام ، الذي قدم أكثر الانتقادات اتقانا ، تنظيم لفرضية الغزو وانتشارها . وكان الوحيد الذي طور نظريةً بديلة . نقطته الرئيسية قامت على أساس ما لاحظه من تناقض بين الطبيعة الضمنية للقبيلة والطبيعة الواضحة لإيديولوجية الغزو . وقد وجد أن القبيلة ، كما حُددت في الأنتروبولوجيا المعاصرة ، تمثل وبشكل أفضل سلوك العثمانيين الأوائل ، ولذا فهي مرشحة بشكل أقوى لأن تكون العامل الأهم وراء قيام الدولة العثمانية . وهذا ما جعله يأخذ على عاتقه دحض نظرية الغزو لفيتك . القبائل التي اعتبرت في زمن فيتك "مجموعات عصبية يجمعها رابط الدم ، ومغلقة مبدئيا في وجه الغرباء عن تلك الرابطة" . القبيلة في الدراسات الأنتروبولوجية المعاصرة هي "كائن سياسي تحدد عضويته بالمصالح المشتركة (وفي أوراسيا العصور الوسطى ، بالخضوع للزعيم)" . يرى لندنر أنه إذا كانت القبليّة المتداخلة في الواقع هي العامل المسيطر في قيام الدولة العثمانية ، فنظرية الغزو إذا يجب أن ترفض لأن الغزو "كأيديولوجيا مانعة (مقصورة على جماعة معينة) ومعادية" كانت ستمنع البيزنطيين من الانضمام إلى الأتراك لتكوين قبيلة . و"إذا كان شعار الحرب المقدسة قد لعب دورا هاما في منطقة التخوم ، فهذه البؤرة لن تتضمن إذن وبوضوح بيزنطيين ، لأنهم سيكونون العدو المكروه للمؤمنين" . يرى لندنر أن حقائق فيتك حول نظرية الغزو تقتصر على نقش بورصة سنة 1337 وتاريخ الأحمدي . وهو يشعر أن كلاً من هذين المصدرين يمكن أن يفسر كانعكاس لإيديولوجية متأخرة للدولة العثمانية المستقرة بدلا من الروحية الحقيقية للعثمانيين الأوائل . وهو يقترح تحاشي مثل هذه "الأقوال الأيديولوجية المتأخرة" ، ويبني مناقشته على أفعال العثمانيين الأوائل ، الذين لو كانوا حقا محاربين مدفوعين للعمل بأيديولوجية الغزو ، لما كان بإمكانهم ، كما يرى لندنر : 1_ تجنيد بيزنطيين في صفوفهم . 2_ محاربة قوى إسلامية أخرى . 3_ عدم بذل الضغوط لاضطهاد المسيحيين أو عدم حملهم على تغيير ديانتهم . 4_ إظهار الاعتدال و"الرغبة في التعايش والتكيّف المتبادل" أو 5_ السماح بحرية الهرطقة والمعتقدات ما قبل الاسلامية . ثم أن كبار المؤرخين البيزنطيين المعاصرين للعثمانيين كان ينبغي أن يلاحظوا هذه الحيوية الدينية كعامل في الزحف العثماني لو كان العثمانيون بمثل هذه الحيوية . من بين جميع المواقف المتشددة ، كان موقف لندنر هو الأكثر جذرية ، كان على استعداد لأن يتصرف كواحد من أعضاء محاكم التفتيش ، تقريبا ، لحرمان العثمانيين الأوائل من انتمائهم الديني . وإذا تمعنا في بعض الأمثلة التي يعتبرها من معتقدات ومواقف ما قبل الإسلام عند العثمانيين الأوائل ، نراه يخلص إلى أنهم قد يكونون , مثلا , "مجاهدين في سبيل الشامانية (دين بدائي من أديان شمالي آسيا وأوروبا) وليس في سبيل الإسلام" . لماذا علينا أن نتوقع أن أعمال الغزاة لا بد أن تكون موجّهة بصرامة دينية ، حماسة ، ورفع شعار "الإسلام الصرف ؟" إن وصف فيتك لبيئة الغزاة وروحيتهم كان مبنيا على ما رأى من حقائق تاريخية وليس على تعريف مسبق للغزو . وبالتحديد ، لم يكن تعريفه شرعيا وإنما كان تاريخيا ، آخذاً بعين الاعتبار شروحات المؤلفين المسلمين في العصور الوسطى ، الذين سبقوا بكثير ، في كتاباتهم ، المؤرخين العثمانيين ، لنموذج اجتماعي معين أطلق عليه اسم الغزاة ، وارتبط بمناطق الحدود مع العالم الإسلامي . ومنذ التقارير الأولى في المصادر الاسلامية عن غزاة خراسان في القرنين العاشر والحادي عشر ، رأينا أنفسنا في مواجهة "عناصر لا تهدأ" وهي "تقدم خدماتها حيثما كانت هناك حرب مقدسة تدور وحيثما كانت هناك غنيمة متوقعة" . غزاة "Gaziyzn" كان الاسم الجامع الذي أعطي لهذه التنظيمات ، ومناطق الحدود كانت ميدانهم الرئيسي ، وذلك لسبب واضح إذ هناك كان بإمكانهم أن يقوموا بغزواتهم ضد دار الحرب . ظهور الغزاة واحد من المظاهر الاجتماعية التي ما تزال غامضة لمنظمات ذكرية شبه مشتركة في التاريخ الإسلامي في عصوره الوسطى . وقد ظهروا في منطقة جغرافية واسعة تمتد من خراسان إلى البلقان ، وفي مدة زمنية طويلة تمتد من القرن العاشر إلى القرن السادس عشر على الأقل . وباختصار نقول إن الغزاة ، وكما عرّفهم منتقدو فرضية الغزو أنفسهم ، ليسوا بكيانات تاريخية ، وإنما هم رجال بسيطون يجاهدون بلا كلل من أجل مثالياتهم السامية . أوليس من المستغرب أن لا ينظر إلى هؤلاء الرجال كعامل فعلي في أوائل التاريخ العثماني وإنما كابتداع أيديولوجي من المؤرخين العثمانيين المتأخرين ؟ من الغريب أن أحدا ، من بين الذين يقبلون أو يرفضون دور روحية الغزو في بناء الإمبراطورية العثمانية ، لم يحاول التحقق من طبيعة هذه الروحية كظاهرة تاريخية وعلى قاعدة تحليل دقيق للمصادر التي تروي أعمال الغزاة . بالتأكيد ، كانت نظرية الغزو أكثر مرونة ، مما تصورها منتقدوها . بعد إبراز هجرات القبائل التركمانية إلى غرب الأناضول والتي أدت إلى "إمكانية ديموغرافية عظيمة وأبرزت إيديولوجية الحرب المقدسة" ، كتب إينالجيك يقول : الاندفاع من جانب هذا المجتمع الحدودي المتفجر ... تحقق على المراحل التالية : 1_ بدأ بالتحرك الموسمي للمجموعات التركمانية البدوية نحو السهول البيزنطية الساحلية ، 2_ وتكثف بتنظيم مجموعات غازية صغيرة تحت قيادة زعماء الغزاة ، ومعظمهم من أصول قبلية ، من أجل القيام بغزوات للحصول على الغنائم أو للتوظيف كمرتزقة ، 3_ واستمر ببروز قادة ناجحين قادرين على أن يجمعوا تحت قيادتهم زعماء محليين للفتح وإقامة الإمارات ... 4_ ومع تورط هذه الإمارات الغازية ، بأهدافها وبتوجهاتها السياسية والاقتصادية الواضحة ، في الصراع الإقليمي للسيادة على مناطق بحر إيجة والبلقان ، الذي لا يزال يذكر زمر الغزاة ولكنه يسميهم "زمر القراصنة _ الغزاة" ، وبالنسبة لهم ، وبسبب "الارتفاع العام لأسعار العبيد ... فإن استعباد الجيران "المشركين" كان العمل الأكثر ربحا إضافة إلى أنه عمل (ديني) . وهذه الرواية تحاول أن تحافظ على توازن ، أو بالأصح على ارتباط داخلي ، بين العوامل المادية والأيديولوجية حيت إن "أيديولوجية الحرب المقدسة (الجهاد) ، مثلها مثل نجاح الغزوات الفعلية ، قد عززا الروابط بين [القراصنة_ الغزاة] وأنتجا فئةً اجتماعية متماسكة تتمحور حول الزعيم" . آذار 2011 / زياد هواش ..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل