المحتوى الرئيسى

روسيا بين التبشير والتقصير بقلم:د.ناظم الديراوي

03/08 18:55

روسيا بين التبشير والتقصير د.ناظم الديراوي باحث وأُستاذ جامعي عراقي لم تخل البعثات الروسية,الروحية والتعليمية,في الأراضي المقدسة،نهاية القرن التاسع عشر–بداية القرن العشرين,من أغراض تبشيرية وتوجهات سياسية طامحة للدولة القيصرية والكنيسة الأرثوذكسية.وحينها تم استثمار الإمكانيات المعرفية والكشوف الأثرية والصلات الدينية والعرقية والممتلكات الباذخة للجمعيات والمؤسسات الأرثوذكسية والأكاديمية والجغرافية والأدبية،بما تضمها من مدارس ومعاهد ومقار وكنائس وأديرة ومصحات في فلسطين وسوريا ولبنان،لنشر القيم الروحية والأفكار التجديدية للحضارة الروسية الحديثة ببعديها الديني والعلماني في البقاع العربية المقدسة،موطن الإيمان الأرثوذكسي.وإدراجها،أولاً،في ملف سياسة توسيع المصالح والمطامح الروسية في ولايات السلطنة العثمانية الثّرية بمدها الحضاري الأصيل؛ السومري-البابلي والفرعوني والإغريقي والروماني-البيزنطي والعربي-الإسلامي والعثماني،وتنوع معالمها ومكوناتها الدينية العريقة وتركيبتها العرقية المتشابكة ذات الصلة المباشرة بالعقيدة الأرثوذكسية وإرثها الروحي والمادي،والاستحواذ على بقعة من خارطة التدخل في شؤون ملل ونحل السلطنة ذات التنويعات الثقافية والروحية.وثانياً،في التنافس الجيو-سياسي الأوروبي الشديد في أضداده وتجاربه العدوانية ونزوعه النهم نحو السطو والاستيلاء على ولايات المشرق العربي الآيلة إلى الانفصال،بكل ما لها من ميراث وافد من بطن التاريخ الحضري،وثرواتها الطبيعية البكرة،وحال حاضرها البائس الذي يعاني من هشاشة العروة بين أقوام وطوائف وأديان جمعها الله والوطن،وإهمال الحاكم في نهوض وتطور مجتمعاتها،ومسؤوليته عن ضآلة المعارف وتفشي الجهل والتخلف التاريخي الساحق في ديارها،وترهل الهرم الإداري وفساده وهوان البناء الاقتصادي والاجتماعي وندرة الآلات والمنتجات العصرية. تلك الميول والتوجهات السياسية والدينية،الغير خالية من الرؤى العلمانية،للنظام القيصري الأرثوذكسي،الذي تهاوى على عجل من دوي قذائف فارغة لا تتعدى عدد أصابع اليد،أُطلقت من بارجة حربية(أفرورا-إلهة الفجر)ترسو في حوض نهر(النيفا)وعن بعد قريب من القصر الشتوي لإقامة إمبراطور روسيا نيقولاي الثاني،الذي أَعدمته شلة بلاشفة مع زوجته الإمبراطورة أليكساندرا وولي عهده ابنه الأمير أليكسي،وبناته الأربع الأميرات؛ أولغا وتاتيانا وماريا وأناستاسيا،رغم تنازله الرسمي عن العرش ونفيه،بعدها،مع أُسرته إلى مدينة إيكاترينبورغ في الأورال!،اتخذت في عهد الاتحاد السوفييتي المناهض للدين؛ عقيدة ومؤسسة،ميولاً أيديولوجية-سياسية،روجت،وبإشراف محكم من مرجعية الحزب القاهرة والمعصومة من الزّلل!،والتي لا تخلو من نفوذ ماسوني- صهيوني ارتدى قناع اليسار الثوري المستند،في جبروته،إلى كادحي الأرياف والحواضر،وطغيان أجهزتها السّرية ودوائرها الدبلوماسية المكبلة بنهج الحزب والمنشغلة بمهام التجسس،روجت الآداب السوفييتية الثورية التحريضية والروسية الكلاسيكية التبشيرية الرافضة لسلطان قداسة البطريرك ونفوذه الديني والدنيوي وجلالة القيصر وعظمة بلاطه،لإسناد الفكر الشيوعي الانقلابي ونظامه الاشتراكي،الذي دخل في موجهات عنيفة ولعقود طويلة مع الفكر البرجوازي الاستعماري بتياراته؛اليميني المحافظ واللبرالي الديمقراطي والقومي الفاشي،وأنظمته السياسية المدمنة على الاحتلال والتوسع وشبكات إعلامه التضليلية المستعبدة والمستلبة لسطوة المال،والإيمان الديني الأصولي وكنائسه ودوائره المتزمتة،التي فرضت الوصاية على العقول والضمائر وأضرت بسياسة الانفتاح على الأقوام والأديان والثقافات الشرقية.هذه النِّزاعات الأيديولوجية-السياسية،غير المجردة من غراء الطمع بثروات وأراضي الشعوب القاصرة والضعيفة،شطرت العالم،وبلا رحمة،إلى معسكرين متناحرين يئن تحتهما الضعفاء والمُضللين،وجلبت الوباء والبلاء،وأبادت ملايين الأبرياء.ولم تنج منها حتى ديارهم التي عاثوا بها قمعاً وتنكيلاً،وبثوا بين أهلها الكراهية والبغضاء،وحثوا المُغالين والسفهاء على الإرهاب والإقصاء والإلغاء،وشجعوا خصوم العقل والتنوير على محاربة حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير. ولم يخف سعير التصادمات العنيفة بين المعسكرين،المتخمين بالمطامع،في ساحات أوروبا وبقاع الشرق الأدنى وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى حين نُصِّب ذاك(الرفيق)المصاب بوسواس مصداقية الشراكة المتكافئة مع الغرب الرأسمالي،والمبتلي بوهم قدرة سياسة(الإرادة الطيبة)على تحويل عالم موبوء بالجشع والطمع ومشحون بالرعب والغضب ومُدار بعقلية جائرة ومستبدة،إلى قرية أمنة تَسَعُ الجميع،وفيها يتعايش المعسكران(المتصادمان غير المتكافئين)وفق مبدأ التعاون المتبادل القائم على التكافل والتكامل!،وإلى تلك القرية-السَّراب دفعه عمداً طاقمه ذو الولاء الراسخ للماسونية الصهيونية والمحابي لإسرائيل.لإيقاع بلاده في فخ انتهاج سياسة الانفتاح الشامل على الغرب،من غير تروي وحذر،المتأهب والجاهز والمُتحد على تقاسم إرث الخصم المضلل بأمراضه المُفتعلة والساعي بإرادة الغير إلى وهم الشفاء بعقارٍ من عدوه!وليته كان يدري أن هلاكه المحتوم آت من هذا العقار المميت!،وتقديم ما أمكنه من تنازلات مصيرية لهذا الغول الجامح،ومَنْحه امتيازات غير مبررة على المستويين المحلي والدولي،عجلت في نهاية المطاف إبان؛ 1- تفاقم العجز المُفتعل في ميزانية الدولة. 2- تفريغ الأسواق المحلية من البضائع والمواد الغذائية الضرورية. 3- تصاعد النّزعات القومية الانفصالية في جمهوريات حوض البلطيق السوفييتية ووسط آسيا وشمال القفقاس. 4-إصرار حركات سياسية مؤثرة في بلدان المعسكر الاشتراكي على الإفلات من مدار النفوذ السوفييتي المترهل والآيل إلى الضعف والانحسار. 5- انصياع الرفيق(المولع بالتَّفسير والتَّنظير والنزول إلى جادة الجماهير !)وزمرة بغيضة من معاونيه ومستشاريه،ماهرة في التسلل إلى مراكز القرار واختراقها وحبك الدسائس والمؤامرات وإشاعة الرَّذيلة والخيانة وتبريرهما كقيم ديمقراطية علمانية ملحة،لإملاء زعماء الغرب المُهين،وهوان سياسته التراجعية وتهافتها. 6-انهيار قدرات ونفوذ الاتحاد السوفييتي وهيبته السياسية والعسكرية والتكنولوجية في أوروبا والشرق الأوسط وغيرها من بلدان المعمورة. هذه التراجعات والتنازلات الجسيمة يقابلها في المعسكر الأخر؛ 1- تمسك الحكومات الغربية،المبطنة عداءً للروس،في الدفاع عن مصالحها وإسناد شُركائها وعملائها ومد نفوذها إلى الدول المنفصلة عن سلطان الكرملين،الخائر والمرتبك. 2- تحريض قيادات حزبية،بل وقومية متزمتة تقطن في أقاليم متعددة الأقوام والأديان داخلة في جمهوريات روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء والقفقاس وسط آسيا،متذبذبة في ولائها للحزب والاتحاد السوفييتي، وأخرى تحث الخطى نحو التحرر والاستقلال!، على الانشقاق عن نهج الرفيق وحزبه،الذي جُرد من غالبية صلاحياته،في إدارة شؤون الدولة والمجتمع،الأمر الذي أدى إلى تضعضع مركزية الاتحاد وتخلخل هرمه السياسي والإداري وتزعزع روابط الجمهوريات وعلاقاتها بالكرملين. كل هذه العضال الداخلية العصيبة والتكتلات الخارجية المعادية عجلت،على حين غفلة،بانهيار إحدى أعظم وأكبر دول العالم(مساحتها سدس الكرة الأرضية وتملك أسلحة نووية وتقليدية توازي أسلحة أمريكا وحلف الناتو)كانت،آنئذ،ضمان التوازن الدولي القلق بكل مقوماته وأدواته وأبعاده. وبانهيار الاتحاد السوفييتي تفككت المنظومة الاشتراكية،ومات حلف وارْسو قبل غريمه الناتو،وأُجهضت حركات التحرير الوطني،وتقهقرت السياسة الروسية في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وانسحبت نهائياً من قضايا وملفات مصيرية ذات صلة بمصالح روسيا الإستراتيجية وهيبتها الدولية،ولم تتمكن إلى اليوم من العودة أو حتى الاقتراب من ما كانت عليه بالأمس،رغم قدراتها العالية اليوم وثرواتها الهائلة.ربما لأنها لا تملك فكرة واضحة عن رسالتها التبشيرية ومكانتها بل ودورها في التفاعل الحضاري السريع النفاذ إلى ثقافات الأمم وآدابها،وصياغة قيم وسلوكيات العالم المعاصر الشديد الاحتكاك.فليس بالمال والسلطان وحدهما تتبوأ الأمم صدارة الشعوب والبلدان.، ولعل من المغامرة تقدير حجم الخسائر الجسيمة التي أصيبت بها روسيا الجديدة من جراء هيمنة أصحاب نهج التهاون والتقصير على دوائر القرار السياسي والاقتصادي للبلاد وتمكنهم من تقديم تنازلات لصالح الغرب وإسرائيل في قضايا تمس مصالح وتطلعات روسيا الإستراتيجية في أوروبا وبلدان الشرق العربي والإسلامي،وكذا التنبؤ بقدرتها على استعادة مكانتها المشغولة وتثبيت مصالحها الاقتصادية والجيو-سياسية ودورها في إدارة ملفات دولية هامة،يشغل،اليوم،القفقاس الروسي والأجنبي وآسيا الوسطى والشرق الأوسط حيزاً كبيراً فيها. hazimmaj@yahoo.com +79215803332

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل