المحتوى الرئيسى

مدحت الزاهد : إعلان الحريات العامة أهم من تعديلات الدستور

03/08 12:20

يشقلب المجلس العسكري الأولويات ويدعونا لتصويت عاجل (تيك اواى) على تعديلات دستورية جزئية تتعلق بشروط انتخاب الرئيس ومدته وكأن المسألة الحاسمة في التغيير السياسي الذي طرحته الثورة هي مسألة الرئاسة وليست مسألة الحريات المدنية والسياسية والعدل الاجتماعي والكرامة الإنسانية .. وكأن الثورة لم تطرح شعار “إسقاط النظام”  واكتفت بإسقاط الرئيس رغم تركيزها في لحظة خاصة  من تطورها على الرئيس المخلوع كرمز للنظام، لتواصل حملتها، في مسارها اللاحق، ضد أركانه واذرعنه ومؤسساته..وحتى في المسألة الرئاسية نفسها تجاهلت التعديلات السلطات المطلقة للرئيس والتي تجعله فرعونا فوق السلطات ( يكلف الحكومة – السلطة التنفيذية – ويحل مجلس الشعب ويعين ثلث أعضاء الشورى – السلطة التشريعية – ويرأس المجلس الأعلى للقضاء – السلطة القضائية -) باعتباره الكل في واحد!والأكثر من ذلك إن التعديلات المقترحة قفزت على النقاش الدائر حول الجمهورية الرئاسية والجمهورية البرلمانية، بل حتى على مسألة أولوية أي انتخابات على الأخرى (الرئاسية أم البرلمانية) لان الترشيح للرئاسة يتطلب في التعديلات حصول المرشح الرئاسي على موافقة 10 من نواب البرلمان أو 30 ألف توقيع من 15محافظة ولتأمين الاحتمال الأول سوف يلزم إجراء الانتخابات البرلمانية قبل الانتخابات الرئاسيةوباختصار فإن التعديلات الدستورية وضعت العربة أمام الحصان ورسمت طريقة وحدود التغيير المحتمل، وكأنها صدرت كاستجابة لإصلاح نظام مبارك وليس نتيجة ثورة أطاحت به. ويمثل هذا التباين: إصلاح أم ثورة المجال المتنازع عليه بين دعاة الإصلاح الجزئي وقوى التغيير الشامل.والحجة التي تقال في تبرير أسبقية تعديل الدستور وإجراء انتخابات مبكرة هي لهفة الجيش إلى العودة للثكنات ، وهو توجه محمود ، وتسليم الحكم إلى مؤسسات منتخبة سريعا وبالتالي إجراء تعديلات تنحصر في طريقة ترشيح الرئيس، أعدت في غضون بضعة أيام لعرضها على الشعب في غضون بضعة أيام أخرى، حتى يكون للبلاد رئيس ومجالس منتخبة، خلال شهور قليلة بعدها.ولو كان الأمر كذلك، وكان عنصر الزمن هو الحاكم، فإن أمام المجلس العسكري اقتراحا بتشكيل مجلس رئاسي لا يضم من العسكر غير عضو واحد، مما يرفع حرج حكم البلاد بمجلس عسكري.. و أمامهم مشروعا لإعلان دستوري من 15 مادة يحكم الفترة الانتقالية .. بل هناك أيضا مشروعا كاملا للدستور أعده نادي القضاة في فترة سابقة و يمكن طرحه لنقاش عام ..والاهم من ذلك انه لم تكن هناك حركة جماهيرية تطالب بعودة الجيش للثكنات على غرار ما حدث في أزمة مارس 54 وذلك بسبب اختلافات كبير في الظروف أهمها إن الجيش في 54 كان قد بدأ في حل الأحزاب والسيطرة على النقابات وحملات الاعتقالات .. وفى عام 2011 تدخل الجيش في عنفوان الثورة وتحت رقابتها تحيط به مطالب الثورة وجماهيرها المحتشدة.ولا يجوز القول هنا أن المجلس العسكري تعجل بالبدء بالتعديلات لأنه لم يشأ اتخاذ خطوات كبيرة  مثل إطلاق عملية إصدار دستور جديد؛ فهذا الزعم مردود عليه بأن المجلس أتخذ بالفعل خطوات كبيرة مثل تجميد العمل بالدستور وحل مجلسي الشعب والشورى وإقالة حكومة نظيف..والمشكلة الأكبر في توجه المجلس العسكري انه يريد الجمع بين القديم والجديد على نحو ما حدث مع حكومة شفيق وفى مطلب حل جهاز امن الدولة وحل الحزب الوطني وإنهاء الحكم بالطوارئ.ويؤدى البدء بالتعديلات الدستورية بذريعة الدعوة لانتخابات مبكرة إلى وضع العربة أمام الحصان لأن احد أسباب تفجر الثورة كان انسداد المجال السياسي وركود الحياة السياسية الرسمية والهيمنة الأمنية البوليسية والإدارية على النقابات والأحزاب والجمعيات الأهلية وتناقض هذا الهيكل البوليسي القانوني مع وقائع الحياة التي شبت فيها جماعات التغيير من خارج هذه الحظيرة العفنة.والاستنتاج الطبيعي هنا أن أي دعوة لانتخابات مبكرة، وتحديدا الانتخابات البرلمانية والرئاسية، قبل إطلاق حرية التنظيم المستقل وقبل منحها الزمن الضروري سوف تفيد أكثر عناصر النظام القديم التي لا تزال تحارب بشراسة، كما تفيد الأطراف الأكثر تنظيما التي ارتبطت بمعادلة الركود مع تأثيرات اقل لقوى الثورة التي كانت تفتقد التنظيم.. وتتجه إليه الآن.. ولا يعنى الاعتراف بمشروعية الثورة سوى منحها الوقت الطبيعي لتنظيم قواها في مناخ حر لا تحكمه القيود.وفى الترتيب الصحيح للأولويات وللتفاعل الصحيح مع مطالب وأهداف الثورة فإن مصر كانت ولا تزال في حاجة أولا إلى إعلان للحريات العامة يشبه إعلان حقوق الإنسان في الثورة الفرنسية وإعلان الاستقلال في الثورة الأمريكية ويكون له ما لهما من مكانة كثمرة للثورة وضمانة للعهد الجديد.إعلان يكفل حق التنظيم والتأسيس والإشهار بمجرد الإخطار..ويطلق حق تأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات والاتحادات بالإرادة الحرة للمؤسسين ودون انتظار ترخيص من الجهة الإدارية .. إعلان يضمن لكل أشكال التنظيم الطوعية الحق في إصدار لوائحها ويحررها من كل وصاية ولا يخضعها لأي شكل رقابي غير رقابة أعضائها والرأي العام والقضاء الطبيعي.إعلان يطلق حق إصدار الصحف وحقوق التظاهر والاجتماع والإضراب والاعتصام.إعلان يضمن الحضور الدائم والمشاركة الشعبية في صنع السياسات واختيار القيادات والرقابة على الأداء ويؤكد على دولة القانون التي يتساوى أمامها المواطنون جميعا دون تمييز …. إعلان بحل جهاز مباحث امن الدولة الذي أصبح الحاكم الحقيقي في الأحزاب والنقابات والأحياء والإدارات الحكومية والجامعات ومواقع الإنتاج .. وإعلان بتطهير كل مجالات الحياة السياسية والمدنية من عملاء امن الدولة .. وإعلان بنقل تبعية السجون وأماكن الاحتجاز في أقسام الشرطة لوزارة العدل .. ونقل تبعية كل الهيئات القضائية لمجلس قضاء أعلى مستقل كهيئة خاصة بميزانيته .. وإعلان بإلغاء المحاكم العسكرية وكل أشكال القضاء الاستثنائي .. وإعلان بالإفراج عن كل المعتقلين السياسيين وإنهاء الحكم بالطوارئ التي تمنع إرهابا ولا ثورة بل أدت إلى تغول أجهزة الأمن على كل السلطات..القضية الجوهرية الآن ليست طريقة انتخاب ديكتاتور بل قطع الطريق على ظهور أي ديكتاتور وإعادة الكرامة للشعب باعتباره مصدر السلطات، وهو ما يمثله إعلان الحريات كأولوية تسبق الانتخابات البرلمانية والرئاسية فالأصل هو توفير البيئة المناسبة لتفتح الزهور.ومعنى إجراء الانتخابات الآن هو قطع الطريق على عمليات التفاعل والحراك بعد الثورة وقدرة قواها الشابة على قطف ثمار انجازهم في مجال التنظيم.. وقد تردد في ميدان التحرير شعار “الجيش والشعب ايد واحدة” وترجمته عند المجلس العسكري ينبغي أن تكون تأجيل التعديلات الدستورية المحدودة لصالح إعلان الحريات.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل