المحتوى الرئيسى

إمبراطورية الكذب والتضليل!

03/08 11:52

بقلم: د. حلمي محمد القاعودتمَّ استدعاء وزير الإعلام السابق ورئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون؛ للتحقيق أمام النائب العام بعد منعهما من السفر، كما تمَّ حبسهما خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيق بتهمة إهدار المال العام وصرف الملايين على المهرجانات وإنتاج مسلسلات ومكافآت وبدلات، ومجاملة شركات لشراء منتجاتها بأثمان باهظة، وغير ذلك من وجوه إنفاق رأت جهات التحقيق أن فيها إهدارًا للمال العام. في ظني أن إهدار المال العام- على خطورته- لا يرقى إلى خطورة التضليل والكذب، وتشويه ثقافة الأمة وتسطيح وعيها، وخدمة التغريب ومحو الهوية القومية بصورة وأخرى، وهو ما يستدعي محاكمة أطراف عديدة شاركت- وما زالت- في اقتراف جريمة من أخطر الجرائم على الإطلاق؛ لأنها تتعلق بعقل الأمة ووجدانها، فضلاً عن عقيدتها. وزير الإعلام الذي تتم مساءلته مع تابعه ليس هو المتهم الأساس، ولكن المتهم متعدد منذ عام 1952م حتى اليوم، وإن كانت الجريمة كبرت وتضخَّمت في الثلاثين عامًا الأخيرة، وارتبطت بالوزير إياه الذي تمَّت ترقيته إلى رئيس مجلس الشورى المنحل وأمانة ما كان يسمى الحزب الحاكم!. عندما قام عبد الناصر بتأميم الصحافة كان يدرك أهميتها بالنسبة لنظامه، ودورها في الترويج لأفكاره وصياغة عقل الأمة، وترويضه لصالحه، ومثلها الإذاعة، وخاصةً إذاعة "صوت العرب" التي كانت تقوم بدور جماهيري من المحيط إلى الخليج، وعلى خطى عبد الناصر سار الخلفاء حتى اليوم؛ حيث عرفوا أن الإعلام- وخاصةً مع ازدهار البث التلفزيوني ووصوله إلى غرف النوم من شتى أنحاء العالم- يتضاعف تأثيره أكثر من الكلمة المكتوبة التي قد لا تصل بشكل كامل، أو يمكن حجبها بطريقة ما، كما أن الصورة صارت بديلاً لصوت العرب على عهد أحمد سعيد وأكثر فاعليةً وتأثيرًا، ومن ثم فقد رصدت السلطة الهالكة لهذه الآلة كل ما تستطيع من إمكانات وميزانيات تفوق ميزانيات البحث العلمي والصحة والتعليم العالي، وإذا كان الاهتمام بصوت العرب في عهد أحمد سعيد له مبرره القومي، وكان من أسبابه احتدام الصراع مع العدو النازي اليهودي في فلسطين المحتلة، فإن الاهتمام بالإعلام كان مبرره بعد معاهدة الصلح مع هذا العدو تثبيت الحكم القمعي والترويج لما يسمى السلام والتطبيع، والتخويف من المواجهة مع القوات الصهيونية، ولم تجد الأبواق المأجورة حرجًا في التعاطف مع العدو عند عدوانه على الفلسطينيين ولبنان، والعمل على خذلان المقاومة الفلسطينية واللبنانية. وقد تضخَّمت هذه الإمبراطورية في العقد الأخير تضخمًا فاق الحدود المعقولة بدولة مدينة بعشرات المليارات من الدولارات خارجيًّا، ومئات المليارات من الجنيهات داخليًّا، فهناك أربع وعشرون قناة أرضية وفضائية، وهناك أكثر من أربعين إذاعة، فضلاً عن قنوات "ملك اليمين" التي تتبع من يسمون رجال الأعمال وبعض النصابين، وكلهم كان يتقرب من النظام البائد لكي ينهب ما يستطيع من أراض أو مصانع أو تسهيلات أو امتيازات لا يستحقها، وكان الطريق إلى ذلك النفاق عبر هذه القنوات والمحطات التي تهتف للنظام وتروِّج له، وتجمِّل وجهه الاستبدادي الفاسد!. هذه الإمبراطورية الإعلامية الفاسدة كانت تسبِّح بحمد الفرعون الإله وأسرته صباح مساء، وكان كهنة آمون يتحدثون عن إنجازات وهمية؛ لإقناع الشعب أن الفرعون يتفضَّل عليهم بها، وأنها ليست من أمواله وعرقه ودموعه. وكان المسئولون عن هذه الإمبراطورية يسمونها "إعلام الريادة" ولكن إعلام الريادة هذا كان يتضاءل، ويتراجع أمام قناة اسمها "الجزيرة" تقدم الأخبار والأحداث بمهنية عالية، وبميزانية محدودة، ودون ادِّعاء كبير، ودون مدائح غير عصماء للفرعون الإله أو هامان وجنوده!.كانت مهمة إعلام الريادة غسل المخ المصري والعربي، ومسح كل ما يتعلق بالإسلام والثقافة العربية والقيم الإسلامية والأخلاق العربية وتمييع الشخصية المصرية، من خلال الأكاذيب والترويج لعبادة الفرعون الإله، وتصوير الإسلام في صورة الإرهاب والتطرف ومخاصمة الحياة، وكم أنفقت إمبراطورية الكذب على مسلسلات وأفلام تتبنَّى رفض الإسلام صراحةً أو ضمنًا وتشهِّر به بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وتصوِّر المسلم المتدين في صورة السفاح الإرهابي الذي لا يعرف غير الدم والنساء واستحلال أموال الآخرين وممتلكاتهم، ولا يبالي بالتخريب والتدمير، مع غباء منقطع النظير في تعاملاته مع الحياة والأحياء. وكان الضيوف الذين يجلبونهم للحديث عن الإسلام أو الحركة الإسلامية ينتمون غالبًا إلى الشيوعيين المتأمركين أو المرتزقة المنافقين؛ الذين لا يجدون غضاضةً في التحول من موقف إلى نقيضه بمنتهى البساطة والسهولة، لا يوجد متحدث إسلامي ناضج، بل إن المتحدثين عن الإسلام غالبًا يؤمرون بتجنُّب موضوعات معينة، مثل الجهاد، والعدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في المشاركة وتقرير المصير. معظم الضيوف الذين يحضرون للحديث عن القضايا العامة في التلفزيون أو الإذاعة؛ يمثلون نسبة 80% على الأقل ممن يسمونهم بالفنانين، ويسميهم الشعب بالعوالم والغوازي والمشخصياتية والطبالين والزمارين وبتوع الكورة، وكانوا يمنحونهم مبالغ خرافية مقابل أحاديثهم التي لا تحمل فكرًا ولا ثقافةً ولا علمًا، بينما من يستضيفونهم من الخبراء والمهنيين لا يمنحونهم شيئًا، وإذا كان هناك منح (؟!) فيطلبون منهم مفردات مرتب؛ لتكون الدقيقة للأستاذ الجامعي مثلاً بستة جنيهات بحد أقصى عشر دقائق، مجموعها لا يكفي ثمن التاكسي من المنزل إلى مبنى الإمبراطورية. الريادة الإعلامية لا تحتفي باكتشاف علمي أو بحث علمي في أي مجال من المجالات، ولكنها تحتفي بالعوالم، وتتيح لهم- أو لهنَّ- مساحات زمنية طويلة للحديث عن أمور شخصية لا تعني المشاهد البائس الذي يفرضون عليه نوعيةً من الناس لا تتعب ولا تبذل جهدًا، وتأخذ مقابلاً ضخمًا لا تستحقه، ويضاف إلى ذلك ما تقدمه قنوات ملك اليمين التي تأخذ حريتها في تقديم نماذج تمثل السقوط الخلقي والفكري؛ بحجة التنوير وكسر التابوهات وتقديم ما يصادم المجتمع والدين، وخاصةً في شهر رمضان الكريم الذي يتطلَّع فيه الناس إلى الصفاء الروحي والعقدي، ولكنَّ القوم لا يبالون؛ لأن غايتهم تحويل الشعب الطيب المتدين إلى كائنات مشوهة عقديًّا وفكريًّا وخلقيًّا. ناهيك عن عملية التواصل غير الكريمة بين بعض الصحفيين والإمبراطورية لتقديم برامج مسائية أو غيرها، ومنح هؤلاء أجورًا أو دخولاً خرافيةً مقابل التركيز على قضايا هامشية وشغل الناس بها، والدفاع عن التوريث والفساد ومغازلة التمرد الطائفي، وخدمة الجهاز الأمني الفاسد الذي يتحكَّم فيمن يظهر أو يتكلم داخل إمبراطورية الكذب. وكان موقف إمبراطورية الكذب في ثورة يناير مخزيًا ومقيتًا؛ حيث انحازت إلى النظام، ووصفت الثوَّار بالقلة المندسَّة وعملاء الخارج والمأجورين، وركَّزت على أماكن هادئة لتنفي أن البلاد تضطرب بالثورة وتهتزُّ بزلزال غير مسبوق في التاريخ، واستضافت أعوان النظام من مثقَّفي الحظيرة والعوالم والمشخصاتية والطبالين والزمارين وبتوع الكورة؛ ليهينوا أشرف الرجال والنساء المعتصمين في التحرير وميادين المحافظات وشوارعها، وليكذبوا على الله والناس، ويدافعوا عن الفاسدين المفسدين.. لقد كانت هذه الإمبراطورية الدبَّة التي قتلت صاحبها، وسقط صدقها أمام العالم والناس أجمعين؛ لدرجة أن الشارع رفع  شعار "الكذب الحصري عند التليفزيون المصري"!. والمضحك المبكي أن هذه الإمبراطورية انقلبت انقلابًا حادًّا بعد سقوط الفرعون، وصارت تمدح الثورة والثوار، وتستضيف الوجوه النكدة ذاتها، والأبواق المأجورة نفسها، دون أن تستشعر حرجًا أو خجلاً أو إحساسًا بالعار!. لا ريب أن تصفية هذه الإمبراطورية الكاذبة باتت ضرورةً لأسباب عديدة، في مقدمتها: تغيير الوجوه النكدة الفاسدة والأبواق المأجورة، والتخلص من عشرات القنوات والموجات التي لا ضرورة لها، وتوفير ميزانياتها للبحث العلمي، ووضع سياسة إعلامية حقيقية تحافظ على هويَّة الأمة وتجلوها، وتقوم بدورها الإخباري والتوجيهي بما يخدم الوطن، وليس بما يخدم الفرعون وعصاباته المجرمة!. 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل