المحتوى الرئيسى

صحف من يحكم..!

03/08 08:21

قبل شهرين فقط، كان الشجاع من يقول كلمة حق فى وجه مبارك أو زبانيته وأركان نظامه وحزبه، الآن لم يعد الهجوم عليه يمثل أى قدر من الشجاعة بأى حال، صار مبارك هو الطرف الأضعف فى المعادلة السياسية. رئيس سابق ومخلوع، يتبرأ منه الجميع ومن نظامه، فى مواجهة تصاعد تيار حاكم جديد، اسمه «تيار الثورة». ربما كنت الوحيد الذى لم ير أن الصحف القومية أجرت تحولات كبيرة على أدائها، وانقلبت من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فجأة وبمجرد تنحى الرئيس المخلوع، بل على العكس قلت فى مناسبات عديدة إن تلك الصحف هى أكثر الصحف اتساقاً مع مبادئها، أو على الأقل مع مبادئ وقناعات وانحيازات أصحاب القرار التحريرى فيها، فذهنية القائمين عليها جُبِلَت على «مغازلة من يحكم» دون قناعة حقيقية بهوية من يحكم ولا أيديولوجيته وانحيازاته السياسية، هى فقط تغازل صاحب النفوذ الأول أياً كان، وسواء كان حاكماً فرداً أو حزباً سلطوياً، أو حتى تياراً مهيمناً. لذلك فعندما انتقل مركز السلطة فى مصر من مقر مبارك فى قصر العروبة إلى ميدان التحرير، انتقل معها ولاء القائمين على الصحف القومية من مديح مبارك إلى مديح الثوار.. ومن نفاق الرئيس الحاكم الفرد إلى نفاق الميدان الحاكم كتيار أيضاً، لذلك كان هذا التحول مبرراً ومنطقياً وله ما يسوغه فى ذهنية تلك القيادات، التى بادرت بالتحول دون أن تستشعر أنها تخون طبيعتها أو مبادئها أو قناعاتها الأساسية. قطعاً هناك دور لا يجب إغفاله لشباب الصحفيين فى تلك المؤسسات الذين وصلتهم روح الثورة وكانوا فى داخلها، وأرادوا أن تنتقل هذه الروح إلى المؤسسات التى يعملون فيها، والتى قهرت طوال سنين مواهبهم وإراداتهم، وحرمتهم وهم من رحم مهنة الرأى من التعبير الحر عن الرأى، وربطتهم بشبكة من المصالح التى حولتهم إلى تابعين لصاحب الإعلان، ومن يجلب الإعلان، فيما هم متعطشون لمهنية افتقدوها، وحرية ظلت بعيدة عنهم، واستقطاب سياسى بين أجهزة النظام ظل العامل الرئيسى فى اتخاذ القرار، وربما توزيع مقاعد المهام الأساسية فى القرار داخل المؤسسة. كل ذلك يجعل التغيير داخل هذه المؤسسات هدفاً حقيقياً وعظيم الجدوى والفائدة، والتغيير لا يعنى فقط أن تطلب من القيادات القائمة أن تستريح، دون إساءة لدورها الذى ربما فرضته عليهم طبيعة الظرف السياسى والثقافة السائدة، وهيمنة القرار السياسى على الأداء المهنى، ولا يعنى فقط تقديم جيل جديد من أبناء تلك المؤسسات لصياغة نموذج مهنى بديل، لكنه يتطلب فى الأساس تغييراً بنيوياً فى هياكل تلك المؤسسات، وفى نمط ملكيتها، وثقافة الارتباط بالدولة التى حصرت خياراتها فى شكل «دعائى» من أشكال الأداء المهنى. لا يعنى تغيير نمط الملكية بالضرورة «الخصخصة» بكل ما تحمله من سمعة سيئة فى الذهنية العامة، وإنما توسيع قاعدة ملكيتها فى وجود الدولة وحضورها، لكن بشكل يضمن تنوع المساهمين فى الملكية وتعددهم دون احتكار أو هيمنة من أحد، وتوزيع هذه الأسهم بين الدولة والعاملين، والاكتتاب المحلى الداخلى دون حصص مهيمنة، وتفعيل دور الجمعيات العمومية فى انتخاب مجالس الإدارات، وإعلاء القيم المهنية المجردة تحريرياً عبر فصل الإدارة عن التحرير، والتحرير عن الإعلان، والخبر عن الرأى، مع إخضاع كل ذلك لمعايير المكسب والخسارة دون دعم حكومى يؤثر على المنافسة، لتصبح هذه المؤسسات معبراً حقيقياً وعادلاً عن تنوع المجتمع المصرى، فى ظل دستور يحمى هذا التنوع، وبرلمان منتخب يقوم بدوره بفاعلية لحماية هذا التنوع، وبما أن الشعب سيحكم عبر صندوق اقتراع فلتعد صحفه للتعبير عنه وحده، باعتباره الحاكم الدائم الذى لا يستقيل أو يخلع أو تنتهى مدته! sawyelsawy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل