المحتوى الرئيسى

أفكار خاطئة عن الحياة

03/08 08:21

الطفل الريفى، كيف تحول إلى ذلك الطاغية العجوز!. لا شك أنه شىء يثير الفضول لفهم النفس الإنسانية المُحيّرة شديدة التعقيد. التلميذ الذى كان يغادر بيته الريفى ذاهبا إلى المدرسة، مرتديا المريلة الصفراء. يستنشق هواء المزارع المُختلط بدخان، يُصغى لدروس المعلمة، ويُعاقب مثل أى تلميذ آخر، كيف تحول إلى أرستقراطية ممعنة فى الترف، تستغل موارد بلد بأكمله، من أجل أتفه الرغبات؟! طالب الكلية الحربية الذى يستقل قطار الدرجة الثانية ويرى شقاء الشعب عن كثب، كيف انعزل فى قصوره الذهبية، ولم يفكر أن حول القصر الرئاسى مدنا كاملة من السخط والفقر؟!. لماذا لم يساوره الشعور بأن وراء باب القصر شعبا يتعذب ويعانى آلام الجوع؟! ذلك الشعب الودود الطيب، سهل القياد، الذى يقنع بالكفاف ويتعشى بالوعود. أى بؤس تجرعه! وشقاء ألمّ به حتى اضطره لمخالفة ديدنه فى الصبر، وثار على الطاغية العجوز؟! على علم النفس هنا أن يتقدم ويحلل. للأسف لا تؤمن مجتمعاتنا بأهمية الاختبارات النفسية فى تحديد ملاءمة الشخصية للوظيفة، خصوصا حينما تكون بخطورة وظيفة «رئيس الجمهورية»!. لو كان هناك وعى بأهميتها لما اختاره السادات. حسنى مبارك كان نموذجا للرجل متوسط الذكاء الذى يطيع الأوامر، ويصلح مرؤوسا جيدا، لكنه لا يملك مقومات الزعامة، ولا المواهب الطبيعية التى تؤهله لقيادة بلد بحجم مصر. فى البدء كان يعرف - بغريزته - ضعف مواهبه الخاصة، فحاول أن يعوّضها بطلب النصيحة. لكنه حين قبض على خيوط الحكم داخله الكبرياء، خصوصا أنه منذ أول يوم جلس فيه على كرسى الرئاسة، رفعه المتمرسون بطرق الإغواء إلى مرتبة «نصف الإله». فكلامه دستور، وحياته أسطورة، ونظرته هدية، ورضاه أمنية، وكل ما يقوله صواب. بمرور الأيام (ثلاثين عاما من الحكم)، واعتماده على بطانة السوء، وعزلته فى شرم الشيخ، وأُضيف لذلك عوامل طبيعية. مع اقتراب الخامسة والستين تتصلب شرايين المخ، وتقل اللياقة الذهنية، فيصبح الإنسان كارها للتغيير بطبعه، يكره سماع الأخبار السيئة، ويألف الوجوه القديمة، وينزعج من أقل تغيير. هكذا ساءت الأمور بالتدريج. لا حوار ولا تفكير ولا اطلاع، ولا اهتمام بشؤون الدولة، ولا أى عمل جاد يتطلب المثابرة والاجتهاد. هبط بالدور العظيم لمصر. ضحى بالعظمة فى سبيل السطحى، وبالواجب فى سبيل المسرة، وبالصعب من أجل السهل، وضحى بمصر كلها من أجل شرم الشيخ. العالم الواقعى صار غير موجود بالنسبة إليه. اختصر الثمانين مليون إنسان فى شخصه، وتصور أن الحياة ستجامله إلى الأبد. هذه الفكرة الخاطئة عن الحياة لم ينفرد بها حسنى مبارك فحسب، بل تخطته لأسرته، ثم للقريبين منه، الذين شعروا جميعا بأنهم فوق الحساب. ثم دفعوا جميعا الثمن الذى لابد أن يدفعه أصحاب الأفكار الخاطئة عن الحياة. فلنحذر كلنا ولا ننس أن لنا أيضا أفكارا خاطئة عن الحياة. فلنحاول بسرعة أن نُصححها حتى لا ندفع الثمن الذى دفعوه. aymanguindy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل