المحتوى الرئيسى

كتاب: نجاح المرأة في تولي الرئاسة.. أمر شاذ لا يُقاس عليه

03/08 04:49

القاهرة - دار الإعلام العربية فنَّد كتابُُ جديدُُ آراءَ سابقة لعدد من كبار العلماء بينهم الشيوخ محمد الغزالي، يوسف القرضاوي، محمد سليم العوا، محمد سيد طنطاوي، والإمام الشيعي محمد مهدي شمس الدين، قالوا فيها بجواز تولي المرأة إمامة المسلمين.. مؤكدا أن ما ذهبوا إليه من نجاح بعض النساء في حكم بلادهن، لهو أمر شاذ لا ينبغي القياس عليه. وأوضح كتاب "المرأة من السياسة إلى الرئاسة" للكاتب محمد عبدالمجيد الفقي والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، أن المرأة لم تشعر في عصر النبوة وفي عصر الخلفاء الراشدين وعصور النهضة الإسلامية بأنها شيء هامشي في المجتمع، لكنها أحست أنها ركن ركين، وأصل أصيل فيه من أول يوم، حيث شاركت باعتناقها الإسلام وتخلقها بأخلاقه والتزامها بتوجيهاته في عملية بناء الأمة، وكان لها وعيها وإرادتها وإيجابيتها، إلى أن جاء دعاة التحلل والتغريب ليتاجروا بها، زاعمين الدعوة إلى تحريرها، وكان الأولى أن يحمل الإسلاميون لواء حركات تحرير المرأة، ويكسروا القيود التي فرضتها التقاليد الجاهلية والواردات الثقافية المغشوشة. ويتسم الكتاب بموضوعية محمودة، لكن ميله إلى الاتجاه الذي يقال عنه أكثر انفتاحاً يقف عند حدود قضية رئاسة الدولة، فلا يجيز حق المرأة فيها باعتبارها نوعاً من الولاية العظمى. وطاف الكاتب بنماذج عديدة من المشاركة السياسية للمرأة سواء في المرحلة السرية والجهرية لظهور الإسلام، ومن ثم بعد انتشاره وكذا مشاركتها في الهجرتين إلى الحبشة والمدينة، وكيف كان للمرأة دور بارز فيها، خاصة دور أسماء بنت أبي بكر، وأختها عائشة، وغيرهما في إنجاح هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. كما تطرق إلى جواز عمل المرأة وفق 4 شروط هي: أن يكون العمل مشروعاً، وأن تلتزم أدب المرأة المسلمة، وألا يكون عملها على حساب واجبات أخرى، وأن يكون عملها متفقاً مع عالم شخصية المرأة. واستعرض الكاتب حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، ورصد الآراء القائلة بعموم اللفظ، والقائلة بقصره على حالات محددة، فبيَّن أن كثيرا من العلماء ذهبوا إلى توسيع دائرة هذا الحديث، فمنعوا به المرأة من تولي القضاء والوزارة وكل ولاية ترأس فيها الرجال، فقال الشوكاني معلقا على الحديث: (فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب). ووصل إلى أن هذا النهي خاص بالإمامة العظمى "الخلافة" وبرئاسة الدولة، وهو رأي ابن حزم، والطبري، وغيرهما. الغزالي غيَّر رأيه كما ناقش آراء عدد من العلماء، وعلى رأسهم الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، موضحاً أنه تبنى في بداية حياته العلمية رأي جمهور أهل العلم في منع المرأة من وظيفة القضاء ومنعها من الوزارة، حيث قال في كتابه "من هنا نعلم": "وتكليف الإسلام أن يعيِّنهن ـ يعني النساء ـ قاضيات أو وزيرات ظلمٌ للطبيعة وقتئاً على المصلحة". ثم غيَّر الغزالي رأيه بعد عدة عقود، فأصدر كتابه "سر تأخر العرب والمسلمين"، وقال فيه: "وللمرأة ذات الكفاية العلمية والإدارية والسياسية أن تلي أي منصب ما عدا منصب الخلافة العظمى".. وهذا تغير واضح في رأي الغزالي، فبعد أن منعها من القضاء والوزارة وغيرها صار لا يمنعها إلا من الخلافة فقط. وانتقل إلى رأي الشيخ محمد الغزالي في آخر أيامه، وهو ما جاء في كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث في مسألة تولي المرأة رئاسة الدولة"، منوهاً بحديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" أنه لا يفيد النهي العام عن تولي المرأة رئاسة الدولة، بل هو من وجهة نظره واقعة عين لا عموم لها، مؤكدا أن الحديث ذكر في حالة مخصوصة وهي مملكة "فارس" التي كانت تتهاوى تحت مطارق الفتح الإسلامي والتي كانت تعاني سلسلة من الهزائم وبدلا من أن تسعى إلى تولي قائد عسكري يوقف سيل الهزائم، فإن الوثنية السياسية جعلت الأمة والدولة ميراثا لفتاة لا تدري شيئاً، فكان ذلك إيذانا بأن الدولة كلها إلى ذهاب، وكان هذا ـ بحسب الغزالي ـ مناط الحديث الذي قاله النبي الحكيم، ثم يقول الغزالي: ولو أن الأمر في فارس شورى، وكانت المرأة الحاكمة تشبه جولدا مائير اليهودية التي حكمت إسرائيل، لكان هناك تعليق آخر"!! ثم استدل الشيخ الغزالي على صحة قوله بنجاح ملكة سبأ في قيادة قومها إلى الإيمان والفلاح بحكمتها وذكائها، وبأن حمل الحديث على عمومه يتنافي مع القرآن ويناقضه وهو مستحيل، واستشهد الشيخ بشواهد تاريخية كنجاح مارجريت تاتشر وأنديرا غاندي وجولدا مائير في قيادة شعوبهن. وفنَّد الكاتب رأي الشيخ الغزالي الأخير، موضحاً أنه قارن بين امرأة تتوافر فيها شروط الكفاءة للمنصب، ورجل لا تتوافر فيه هذه الشروط، والمقارنة العادلة تكون بين امرأة ذات كفاءة ورجل لا يقل عنها كفاءة، فكما هو معلوم عند أغلب الأصوليين أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والأصل هو أن يحمل الحديث على عمومه، وهكذا فهمه كل الفقهاء القدامى، فصار إجماعاً على منع المرأة من تولي منصب الإمامة العظمى أو رئاسة الدولة، وأنه لم يحدث في تاريخ الإسلام "بصورة صريحة" ولا مرة واحدة أن تولت المرأة رئاسة الدولة، فأي إجماع أروع وأبلغ من هذا الإجماع، فهو إجماع ليس لعصر واحد، بل على مدى العصور. وأشار أن هناك قلة من النساء تبوأن منصب الرئاسة العامة أو ما يشابهها ونجحن في أعمالهن كملكة سبأ وشجرة الدر وغيرهما من النساء اللاتي نجحن في قيادة بلادهن من غير المسلمات كأنديرا غاندي ومارجريت تاتشر وجولدا مائير، إلا أن ذلك كما هو واضح من الندرة جدا بحيث إنها الشذوذ الذي يؤكد القاعدة، وكما قالوا: الشاذ لا حكم له ولا يقاس عليه. رأي الشيخ القرضاوي وأشار الكاتب أنه عند مراجعته لكتب الشيخ القرضاوي ومنها كتابه "من فقه الدولة في الإسلام" وكتابه "فتاوى معاصرة" في جزئه الثاني، لاحظ من فضيلته ميلا واضحا إلى صرف الحديث عن عمومه والقول بأنه واقعة عين كرأي الشيخ الغزالي، واستدل على رأيه بأدلة منها: أنه يحب أن يفهم الحديث في ضوء سبب وروه، وقد نوقش هذا القول من قبل، وأن الحديث لو أخذ على عمومه لعارض ظاهر القرآن، وهذا كقول الغزالي السابق. وقال: "يؤكد صرف الحديث عن العموم: الواقع الذي نشهده وهو أن كثيرا من النساء قد كن لأوطانهن خيرا من كثير من الرجال، وأن بعض هؤلاء "النساء" لهن أرجح في ميزان الكفاية والمقدرة السياسية والإدارية من كثير من حكام العرب والمسلمين"، كما يرى القرضاوي أن المجتمع المعاصر في ظل النظم الديمقراطية حين يولي المرأة منصبا عاما كالوزارة أو الإدارة أو النيابة أو نحو ذلك فلا يعني هذا أنه ولَّاها أمره بالفعل، وقلدها المسئولية عنه كاملة، فالواقع المشاهد أن المسئولية جماعية والولاية مشتركة، تقوم بأعبائها مجموعة من المؤسسات والأجهزة، والمرأة إنما تحمل جزءا منها مع من يحملها، وإلى هنا يفهم من كلام فضيلته جواز توليها الوزارة وما دونها من المناصب، وهو ما رجحه الكاتب سابقا، لكن خاتمة قوله تبين أنه يقصد أكثر من ذلك، حيث يقول فضيلته: "وبهذا نعلم أن حكم تاتشر في بريطانيا، أو أنديرا غاندي في الهند، أو جولدا مائير في فلسطين المحتلة، ليس هو عند التحقيق والتأمل حكم امرأة في شعب، بل هو حكم المؤسسات والأنظمة المحكمة، وإن كان فوق القمة امرأة". ورد على ما ذهب إليه الشيخ القرضاوي قائلا: يجب أن ننبه إلى أن الشيخ القرضاوي ساق كلامه السابق في عدة مواضع من كتبه في ثنايا حديثه عن الحقوق السياسية، وحديثه عن جواز عضوية المرأة في المجالس النيابية وقد أعطاها فضيلته حق تولي الوزارة، والقضاء والحسبة، وعضوية المجالس النيابية، ولا أستطيع أن أقول إنه أعطاها حق تولي رئاسة الدولة، ولا أنه منعه عنها، لكن تارة يعتصم بآراء السابقين واتفاقهم على عدم الجواز، وأخرى يثير اعتراضات تصل إلى درجة الصراحة على منعهم لها من تولي رئاسة الدولة. وقد أجبنا على تلك الاعتراضات فيما سبق، أما عن الاعتراض الأخير وهو تغير المفاهيم من القيادة الفردية إلى حكم المؤسسات، فالحق أنه مهما كانت درجة المؤسسية في الحكم، فإن الحاكم الأعلى هو فرد واحد على رأس تلك المؤسسات، وولايته ولاية عظمى، وقد منع النص النبوي المعصوم المرأة من تولي الولاية العظمى، فلنتمسك به فإن الخير يأتي من ورائه. سليم العوا وسيد طنطاوي وشمس الدين ثم انطلق إلى رأي المفكر محمد سليم العوا والذي يقول: "وأصح الأقوال في الحديث أنه ليس على إطلاقه، بل هو مقيد، وأن المقصود به على كل حال هو الولاية العامة التي تسمى في فقهنا بالخلافة". مؤكدا أن الدكتور العوا يفرق بين الخلافة ورئاسة الدولة، فيمنع المرأة من الخلافة العامة ويجيز لها رئاسة الدولة.. مؤكدا أن الصواب منعها من رئاسة الدولة لما سبق من أدلة. وانتقل إلى رأي شيخ الأزهر السابق د. محمد سيد طنطاوي، والذي قال إن الولاية العامة بمعنى رئاسة الدولة لا تكون إلا للرجال للحديث النبوي الشريف "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهناك قلة من العلماء ترى أن هذا الحديث في واقعة حال، أي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في مناسبة معينة.. وبعد فترة أفتى فضيلته لوكالة الأنباء الإندونيسية بجواز تولي المرأة رئاسة الدولة!! ويؤكد المؤلف أن الرأي الأرجح هو رأي جمهور العلماء سلفًا وخلفاً بألا تولي امرأة رئاسة الدولة والعلم عند الله تعالى.. ثم طاف أخيرا برأي الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بلبنان، الذي قال في كتابة "أهلية المرأة لتولي السلطة" أن ظاهر الحديث في المرأة التي تولت السلطة من غير اختيار القوم، بل فرضت نفسها واستبدت بالسلطة ولم تتقيد بالمشورة، وهذا يناسب صيغة الدولة التي يستبد فيها الحاكم بالشعب، ولا يخضع لمراقبة أو محاسبة، وهو ما كان سائدا في الإمبراطورية الفارسية في ذلك الحين، حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، وعرف الكسروية في السنة الشريفة التي ورد فيها تحذير المسلمين ألا يقعوا فيها. ويجيب الكاتب على ذلك بما سبق ذكره في الجواب على كلام الشيخ الغزالي السابق. وأنهى كتابه قائلا: مما سبق كله يتبين أن قول عامة أهل العلم بمنع المرأة من تولي "الإمامة العظمى" و"رئاسة الدولة" هو القول الصواب لورود الحديث في منعها من الولاية العظمى، ولضعف استدلالات من أجاز لها ذلك.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل