المحتوى الرئيسى

انطباعات صغيرة حول حادث كبير

03/08 01:45

‏(1)‏ اتصالات لا تنتهي من أصدقاء عرب يهنئون بما جري‏,‏ الكل سعيد ومنفعل‏..‏ والكل غير قادر علي إخفاء مدي دهشته وهو يضمر السؤال‏:‏ كيف قام المصريون‏,‏ وهم الشعب المسالم الصبور أبدا‏,‏ المنهك‏,‏ بكرامته المنقوصة وكبريائه الجريحة‏...‏ كيف أبدعوا هذه الثورة الجسور‏..‏ بهذا المستوي من الاداء المبدع‏,‏ وهذا التحضر‏,‏ والتأنق الغضوب غير المسبوق الذي أدهش العالم‏,‏ كيف فعل هؤلاء الناس ما فعلوا‏,‏ علي غير توقع من أحد؟ والأصدقاء من الكتاب العرب هؤلاء وغيرهم مشغولون بالبحث عن إجابة لمثل هذا السؤال‏,‏ فهو بالنسبة للكثيرين ممن لا يعرفون هذا الشعب ولا ثقافته العريقة‏,‏ هو السؤال المعضلة‏,‏ وصديقتنا الكاتبة اللبنانية دلال البزري‏,‏ وهي إحدي العارفات بطبيعة هذه الثقافة المصرية‏,‏ راحت تبحث في جريدة المستقبل عن اجابة‏,‏ وهو البحث الذي قادها‏,‏ عبر التأمل والمعايشة‏,‏ إلي أن هذا الشعب نفسه ذا الصفات السلبية التي لا تحصي‏,‏ بدا في أيام الثورة شعبا اخر‏.‏ بين ليلة وضحاها‏,‏ قفز من حالة العنف والتواكل والتفكك الي حالة نقيض وهي في تري أن الشعب‏,‏ في العهد الماضي‏,‏ كان التوتر والعنف محرك الطاقات‏,‏ وأن هذه الطاقات‏,‏ وكلها فردية‏,‏ كانت تتوجه نحو بعضها‏,‏ لا نحو شيء مشترك‏,‏ أو هدف أعلي‏,‏ أو مرغوب‏,‏ أما في الميدان‏,‏ فبدا وكأن طاقة إيجابية جبارة محمولة علي أمل مشترك‏,‏ مفتوحة علي الاحتمالات‏,‏ خارجة عن الأنانيات‏,‏ انتزعت المبادرة من السلطة القائمة‏,‏ تأطرت تلقائيا نحو هدفها‏..‏ فولد شعب اخر عرف كيف يتوحد ويتجمع وينظم نفسه بنفسه‏.‏ وهي بهذا الكلام تقترب من تشخيص الحالة تماما‏,‏ أنظر قولها‏:‏ إن الثورة المصرية بينت كم أن الشعب ذاته يمكن أن يكون بخلاف ما اعتاد أن يكون‏,‏ عندما يفسح له التاريخ الفرصة ليبادر بنفسه‏,‏ ويقرر بنفسه‏(‏ وضع من فضلك خطا تحت الكلمات التالية‏)‏ فما بالك وأن هذا الشعب ذو مخزون ألفي من السرديات والتجذر ومعرفة استثنائية بأصول شظف العيش ومترتباته؟ مخزون كان مرميا في اللاوعي الجمعي‏,‏ مهملا‏,‏ ميئوسا من انبعاثه‏..‏ فجرته هذه الثورة‏,‏ فكان الشغف الشعبي بها‏.‏ والسؤال الآن‏:‏ وما الذي فجر هذا المخزون الألفي من السرديات؟ لا بأس من المغامرة بإجابة‏.‏ ‏(2)‏ لو انك ممن ينشغلون طيلة الوقت بحكاية القصص والروايات‏,‏ فلن تستطيع أبدا أن تتابع حدثا حتي لو كان في حجم ثورة كبيرة‏,‏ إلا ووجدت نفسك مشغولا بالبحث عن نسق سردي لما تعايشه‏,‏ فالسرد وسيلة معرفة‏...‏ لأن السرد هو ما يمنح الأشياء شكلا‏,‏ وهذه مسألة مهمة لأن الشيء‏,‏ أي شيء‏,‏ من دون شكل‏,‏ لا معني له‏.‏ والمصريون أبدعوا‏,‏ علي مرأي من الدنيا كلها واحدة من أكبر ملاحم التاريخ وتابعها العالم مؤيدا ومأخوذا من هذه الملايين التي سعت بكل هذه الجسارة وهذه الإرادة من أجل استعادة الكرامة والكبرياء والتحرر‏,‏ هذه الملحمة كانت لها‏,‏ بالطبع بدايات‏.‏ وهي راحت تنتشر وتتقدم بكل ما فيها من تفاعلات وصراعات من دون أن تفقد اتجاهها أبدا‏.‏ منتقلة من مرحلة الي أخري‏,‏ مطورة من أهدافها حتي صارت جسدا كبيرا حيا ترامت أطرافه صعدا نحو ذروة أخيرة‏,‏ لينحني هذا الخط الدرامي الصاعد فجأة ويتراخي مع خطاب أخير لرئيس يستجدي التشبث بموقعه‏,‏ وما اعقب ذلك من مشاعر يأس وإحباط‏,‏ وهي حالة درامية بامتياز لأن التوتر لا يطول حتي تشرق الذروة الأخيرة بجملتين ألقيا لحسن الحظ‏,‏ بصورة دراماتيكية‏,‏ تخلي بهما عن منصبه‏,‏ ذلك هو البناء السردي‏,‏ المثالي‏,‏ لملحمة عظمي‏,‏ وكاملة‏.‏ هكذا أضيئت السماء وزعردت الدنيا كلها‏.‏ ‏(3)‏ الذين صنعوا هذه الثورة من الشباب هم طلائع طبقة وسطي مصرية جديدة‏,‏ بعدما انتهي أمر القديمة لأسباب لا تخفي علي أحد‏,‏ وهم مؤهلون شأن كل طبقة وسطي مستنيرة‏,‏ لقيادة الوطن والترقي به‏,‏ وهم لم يقودوا الناس لأنهم عثروا فقط علي أدوات اتصال جديدة‏,‏ ولكن لأنهم‏.‏ وهو الجوهري في كل ما جري‏,‏ عثروا علي النغمة الصحيحة‏,‏ وهي التي تجاوبت معها الملايين وتحركت بها حتي صاغت هذه الثورة التي صارت جزءا من تاريخ العالم وضميره‏.‏ مصر لم تتغير هكذا فجأة‏,‏ مصر استعادت ما كانت جديرة به‏.‏‏IBASLAN@YAHOO.COM‏   المزيد من مقالات إبراهيم اصلان

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل