المحتوى الرئيسى

نظرة إلي المستقبلقـــراءة أولـي في وقـــائع ثـــورة‮ ‬

03/07 23:19

كان يمكن لثورة‮ ‬25‮ ‬يناير أن تكون صفحة ناصعة بيضاء من‮ ‬غير سوء نادرة‮ ‬المثال،‮ ‬ليس في تاريخنا كله ولكن في‮ ‬تاريخ العالم أيضا،‮ ‬لولا كارثتان اثنتان ألمتا بها وبالوطن كله‮. ‬هما كارثة الفراغ‮ ‬الأمني الذي نعاني منه مفجوعين حتي الساعة،‮ ‬وكارثة الفوضي التي استباح فيها موظفون وعمال وأصحاب مصالح شخصية تعطيل المؤسسات والمصانع والشركات وهدم المباني والبناء علي أراض زراعية‮.  ‬الكارثة أيضا عندنا ليست في الظواهر السابقة فقط ولكن في نتائجها أيضا‮. ‬وهي نتائج مادية‮  ‬تقاس بحجم الخسائر التي تكبدتها مصر‮ : ‬الشعب والدولة وهي بالمليارات من الجنيهات فيما ناهز ستة أسابيع حتي اليوم‮. ‬لكن هناك نتائج معنوية لكارثة الفراغ‮ ‬الأمني ربما لم تحظ بالاهتمام الواجب من الكتاب والمحللين،‮ ‬ولها أيضا خسائر مادية‮. ‬أهمني من هذه النتائج المعنوية بوجه خاص ما يلي‮: ‬‮- ‬ما أصاب المجتمع من فزع ورعب،‮ ‬وبخاصة الأطفال،‮ ‬مما عاشوه وهم يرون الحرائق تشتعل،‮ ‬ويشاهدون علي التلفاز جنودا يقتلون شبابا عزل في المظاهرات،‮ ‬ويرون آباءهم وجيرانهم يسهرون الليل أمام بيوتهم لحمايتها من اللصوص،‮ ‬ويرون لصوصا يقتحمون عليهم منازلهم ليسرقوهم‮. ‬ويسمعون أصوات طلقات الرصاص نهارا وليلا‮. ‬لقد شغلني التفكير فيما أصاب هؤلاء الأطفال من صدمات نفسية وذكريات كابوسية ستعيش معهم طوال أعمارهم‮. ‬وللمتخصصين في علم النفس،‮ ‬وبخاصة علم نفس الأطفال،‮ ‬أن يشرحوا لنا التشوهات والأمراض النفسية التي يمكن أن تصيب هؤلاء الأطفال وكيفية علاجها ومدي هذا العلاج،‮ ‬وتأثير كل ذلك علي تفكيرهم وسلوكياتهم في مستقبلهم كله‮. ‬وأنا أكتب هذا الكلام من خبرة عملية عايشتها مع ابني الصغير في الليالي المظلمة التي أحاطت ببيتنا وجيراننا‮. ‬هذا فضلا عن القلق الذي سيطر ولا يزال علي كثير من الآباء والأمهات ودفعهم لتناول الأدوية المهدئة والمنومة لأول مرة في حياتهم‮. ‬ولي من أصدقائي عدد منهم‮. ‬‮- ‬ضياع أعداد لا حصر لها من آثارنا التي لا تقدر بثمن‮. ‬تم نهب عدد كبير من المناطق والمخازن الأثرية فضلا عن سرقة المتحف المصري‮. ‬وانتهز لصوص الآثار الفرصة الذهبية في قص لوحات أثرية من علي حوائط مقابر ومعابد‮. ‬في ظل‮ ‬غياب كامل للأمن فيها‮. ‬ومن الأهمية القصوي أن يتم إجراء حصر كامل ودقيق لما أسفرت عنه عمليات سرقة المناطق والمخازن الأثرية،‮ ‬والإعلان عن هذا الحصر بشفافية وصدق لندرك حجم الكارثة في هذا المجال‮. ‬ويجب نشر صور كل القطع المسروقة والتي أمكن تصويرها من قبل علي أوسع نطاق في كل الأماكن التي قد تساعد علي العثور عليها أو ضبط لصوصها،‮ ‬مثل وسائل الإعلام والمطارات والمواني وإبلاغ‮ ‬الشرطة الدولية‮ "‬الانتربول‮" ‬والتعاون مع المنظمات الدولية المعنية وعلي رأسها اليونسكو في محاولات العثور علي آثارنا المنهوبة‮. ‬قام الدكتور زاهي حواس علي مدي سنوات عمله كأمين عام للمجلس الأعلي للآثار بجهود لاستعادة بعض من آثارنا المنهوبة والمهربة في الخارج‮. ‬فكم سيستغرق الأمر لعودة الآثار المنهوبة بعد‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011؟ وكم سيعود منها؟؟ علما بأن هذه الآثار لن تظهر أصلا ولن تعرف أماكنها قبل مرور سنوات وقد لا يظهر كثير أو قليل منها أبدا‮. ‬إنها طامة كبري زاد منها أن المجرمين فيها مصريون‮! ‬‮- ‬توقف وارتباك الكثير من الأنشطة الدولية المهمة،‮ ‬وبخاصة معرض القاهرة الدولي للكتاب‮. ‬وهو التظاهرة الثقافية الأهم في مصر كل عام‮. ‬وما لحق بالمشاركين فيه من خسائر كبيرة،‮ ‬واهتزاز في الثقة،‮ ‬مع حرماننا من مكاسب هذا المعرض الكبير‮. ‬كان يمكن أن تقوم ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير التي فجرها الشباب بيضاء نقية،‮ ‬ولا يقع ما وقعنا فيه من كوارث،‮ ‬لولا ما حدث من وزارة الداخلية‮. ‬وللتناقض المأساوي هي الوزارة المسئولة عن الحفاظ علي أمن المواطن والمجتمع‮. ‬كتب كل الكتاب والصحفيين تقريبا عن وزارة الداخلية وقواتها منذ بدأت قوات الأمن المركزي بقتل متظاهرين،‮ ‬لذلك أرجو هنا ألا أكرر ما تكرر كثيرا‮. ‬ومع ذلك أري أن دور وزارة الداخلية أثناء ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير لا يزال يحتاج الي تأمل وتمحيص بعيدا عن شطط المشاعر الانفعالية وتدفقها‮. ‬فنحن،‮ ‬كما أردد دائما،‮ ‬أحوج ما نكون إلي التفكير العلمي لكي نستفيد من ماضينا ونخطط لمستقبل أفضل‮. ‬أكتب هذا وأقرر من البداية أمرين‮: ‬أن في هذه الوزارة جنودا وضباطا شرفاء في كل المواقع والإدارات‮. ‬عرفت كثيرا منهم شخصيا‮. ‬لا يجب أن نقيم مذبحة جماعية لجنود وضباط هذه الوزارة الأبرياء،‮ ‬ولا أن نخلق حالة من الوعي الجمعي الكاره لكل ضابط بوليس‮. ‬فهذه الحالة لن تنتج إلا مزيدا من الفوضي والجرائم في وقت نحن في أمس الحاجة إلي الشعور بالأمان،‮ ‬والذي لن يتحقق إلا بممارسة الشرطة لعملها‮. ‬يجب أن نحتكم إلي عدالة القانون فقط في محاسبة كل من أجرم في حق الوطن من رجال البوليس أو‮ ‬غيرهم وليس لغيرها‮. ‬أنه حتي المخطئون أو المجرمون من رجال الشرطة هم ضحايا نظام أفسدهم ماديا ومعنويا وأخطأ في تعليمهم وتشغيلهم‮. ‬ما حدث في وزارة الداخلية كما شهدناه جميعا ليس فقط الانسحاب المريع لأجهزتها وقواتها وتخليها عن القيام بدورها وفتح السجون،‮ ‬ولكن هناك عاملا آخر مهما سابقا علي هذه الكارثة‮ : ‬ذلك هو المتمثل في سياسة الوزارة التي وضعتها أنظمة الحكم في مصر منذ قيام ثورة يوليو‮ ‬1952‮ ‬وليس فقط خلال الثلاثين سنة الماضية‮. ‬وهي جزء من سياسة عامة لأنظمة الحكم الديكتاتورية،‮ ‬تقوم علي إخضاع المواطن للحاكم لضمان ولائه للنظام،‮ ‬وسيطرة النظام علي المواطنين‮. ‬سياسة ليست فيها أية ممارسة حقيقية لمشاركة المواطن للحاكم في الرأي،‮ ‬وليس فيها أدني اعتبار لرأي المواطن عند الحاكم‮. ‬هناك فقط ممارسة لقوة السلطة،‮ ‬وسلطة القوة‮. ‬في هذه السياسة استخدم النظام الشرطة لحماية نفسه وتحقيق أغراضه،‮ ‬بتقوية الأمن السياسي علي حساب الأمن الجنائي‮. ‬وبتضخيم مريع لقوات الأمن المركزي للسيطرة علي المظاهرات والاحتجاجات‮. ‬أي للسيطرة علي محاولات المواطنين للتعبير عن أنفسهم أو لكبت حقهم في التعبير‮. ‬رغم أن وزارة الداخلية لا تنشر بيانات رسمية عن أعداد قواتها أو العاملين فيها أو ميزانياتها الحقيقية،‮ ‬علي الرغم من أن هذه الأرقام لا يجب أن تكون أسرارا عسكرية،‮ ‬وهي ليست كذلك في الدول الديموقراطية‮. ‬لكن هذا يبدو واضحا مما رأيناه في شوارع مصر كلها علي مدي السنوات الأخيرة وما تردد من أرقام‮. ‬لذا يجب أن تعلن الحكومة تفاصيل موازنة وزارة الداخلية كاملة،‮ ‬وأن تمنع ما بها من مصروفات سرية‮.  ‬مع ذلك‮ ‬غاب الوعي السياسي الصحيح عن الممارسة الأمنية السياسية‮. ‬فظن القائمون علي الأمن السياسي أن محاصرة المظاهرات وتفتيتها باستمرار يؤدي إلي انتفاء الغرض منها‮. ‬ولن أنسي منظر شارع رمسيس الطويل ذات صباح منذ عام أو أكثر وهو مقطع الي مربعات ومستطيلات بأجساد جنود الأمن المركزي لمنع قيام مظاهرات فيه‮. ‬كما لا ننسي حصار مظاهرات سلالم نقابة الصحفيين بأعداد من الجنود والضباط تفوق أعداد المتظاهرين بعشرات المرات‮. ‬وقد وصلتني نكتة ذات يوم من أن سائحا أجنبيا سأل مواطنا عن حصار البوليس لنقابة الصحفيين فأجابه المواطن بأن البوليس يقوم بمظاهرة أمام النقابة‮! ‬من جهة أخري حاولت وزارة الداخلية شراء كتاب وصحفيين وإعلاميين،‮ ‬كما عملت علي تجنيد أعداد منهم في كل المؤسسات الإعلامية حتي بات بعضهم يعرف بأنهم مندوبو الداخلية في المؤسسة‮. ‬وأصبحت إدارة العلاقات العامة والإعلام في لاظوغلي مزارا يسعي اليه إعلاميون لقضاء حوائج شتي‮. ‬وتجاوز دور هذه الإدارة قضاء الحوائج الشخصية الي توجيه رأي عام وسياسات إعلامية دون أن يشعر القارئ العادي بها‮.  ‬كل هذا ثبت،‮ ‬بثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬خطؤه الكارثي الذي انقلب علي أفراد الشرطة أنفسهم مثلما انقلب علي باقي فئات الشعب‮. ‬والأهم ألا تتكرر مثل هذه الأخطاء الكارثية أبدا‮. ‬لك يا مصر السلامة،‮ ‬وسلاما يا بلادي‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل