المحتوى الرئيسى

بـ"القبقاب" يا شجرة الدر؟!بقلم: محمد هجرس

03/07 19:33

بـ"القبقاب" يا شجرة الدر؟! بقلم: محمد هجرس** لا أدري، لماذا كانت جدّتي يرحمها الله، عندما ترضى عني، تدعو لي قائلة بلهجتها القروية :"روح يا بني ربنا يعلّي مراتبك ويخليك رئيس جمهورية". ولأني كطفل صغير، ظللت لسنوات وربما حتى الآن، لا أفهم العلاقة بين "المرتبة" ورئيس الجمهورية، وكنت أظن فقط أن تلك الدعوة، لا تعني سوى وضع بضعة مراتب "من بتوع السرير" فوق بعضها، ليعلو الإنسان، وأن من يجمع أكبرَ قدرٍ من هذه المراتب، يمكنهُ أن يكونَ رئيساً للجمهورية! عكس ما يمكن أن يحدث في دول العالم المتقدم، من أن صناديق الاقتراع الشعبية الحقيقية هي تلك التي تأتي بهذا أو ذاك، وليست تلك "المراتب" إن وُجدت كما في دول العالم الثالث. عن نفسي، وبعدما رأيت هذه العيّنة من الرؤساء العرب الحاليين، لم أطمح أبداً لأن أكون حتى، رئيس "مراجيح في مولد النبي"، على الأقل إذا كانت "المراجيح" للتسلية، فإن بعض الرؤساء العرب يقومون بأدوارٍ بهلوانية ومضحكة، ربما لا نراها في كل الموالد الشعبية، الظاهرة منها والمخفيّة!. صحيح، أن جدّتي ـ رحمها الله ـ ماتتْ، وكان أقصى أحلامها بعد حرب أكتوبر 1973، أن يعود سعر كيس الشاي إلى 10 مليمات كما كان قبل الحرب، بعدما زاد إلى 15 مليماً، وهي التي صدّقت تصريحات العسل واللبن، التي أطلقها الرئيس الراحل أنور السادات، من عودة الرخاء بعد السلام مع إسرائيل، ولكنها للأسف، لم تعش لتعاصر انتفاضة "الحرامية" التي قامت احتجاجاً على ارتفاع الأسعار، لم تيأس.. ظلت متفائلة بأن شيئاً ما يمكن أن يحدث حتى لو حلف وزير اقتصاد سابق "بالطلاق" في مجلس الشعب، أن الميزانية فيها فائض، بعد أن أضاف "بسلامته" الديون على أنها دخل قومي، ثم ماتت جدتي من كثرة التفاؤل! والدي ـ رحمه الله أيضا ـ لم يكن يتصوّر أن ثورة أخرى، يمكن أن تحدث في مصر بعد ثورة 1952، لم يكن يعتقد بأن هناك عبد الناصر جديد يمكن أن يأتي، ليس لأنه الناصري بامتياز، أو عضو الاتحاد الاشتراكي القديم، الذي حملني وأنا طفل صغير، على كتفيه، لأرى عبد الناصر للمرة الوحيدة في حياتي، وهو يسير وسط الجماهير بعربة مكشوفة، ولكن، لأنه ربما وجدَ في السنوات العشر الأولى من حكم حسني مبارك، مؤشراً على أن البلد كلها، ليس عليها إلا أن تنام "نومة العازب" كما كان يقول لي وهي يضحك بسخرية مريرة، وحتى عندما ضبطني متلبساً بشنطة منشورات ضد السادات وأنا طالب بالجامعة، صرخ في وجهي، قبل أن يأمر بإحراقها في الفرن البلدي، مكرّراً مقولة الزعيم المصري الراحل سعد زغلول "مافيش فايدة.. يا صفيّة غطيني وصوّتي". مات والدي، يائساً، وللمصادفة يوم السادس من أكتوبر أيضاً، في نفس ذكرى النصر العربي الوحيد، أما صفيّة.. فقد رأت أن البلد كلها تغطت 30 عاماً، وراحت في نومٍ عميق، حتى بات شخيرها إدانة لكل أنواع الفساد الذي استشرى، كما أن صوتها لم يصل أبداً لأن مَنْ في "آذانهم وَقْــرٌّ" إذ لم يكونوا على استعداد لأن يسمعوا أحداً أو شيئاً. .......... ......... ولأن عالمنا العربي سيرك كبير، فإن الليلة الكبيرة جاءت متأخرة جداً.. الحواةُ وبائعو الثلاث ورقات الذين كنا نراهم في الموالد، ما زالوا يحتلون المشهد.. أما "القرداتية" الذين كانت كل مهمّتهم، بيع الضحك، فإنهم شاركوا القرود نومتها الأخيرة، في انتظار حبة من الفول السوداني أو إصبع من الموز يمكنه فك شفرة العلاقة الحميمة بين أي حاكم عربي، وبين كرسي الحكم، الاثنان لا ينفصلان أبداً، قديماً بالانقلاب أو الموت، أما حديثاً فقد أصبح آخر العلاج.. "الخلع".. والضرب بالأحذية كما تكرر في ثلاثة عواصم عربية، ليكون نهاية منطقية لمن لا يسمع، ولا يرى، ولا يتكلم.. كما تقول حكمة القرود الثلاثة! القرود التي امتلكت الحكمة، عجزت عن وصف الواقع العربي، فأغمضت أعينها، وأصمّت آذانها، وأغلقت أفواهها، بينما "القرداتية" العرب بدوا في نفس الصورة التقليدية، التي كانوا يجوبون بها القرى والمدن قديماً، وكأنهم لا ينجحون في سيطرتهم على الحكم، إلا بإحكام الإمساك بالسلسلة، والتلويح بالعصا، الأولى لتقييد الشعوب وضبط حركتها، والثانية لفرض الطاعة الجبرية عليها.. "قرداتي" من عيّنة زين العابدين بن علي، قبل أن يهرب بساعات أعلن أخيراً أنه فهم مطالب شعبه، ولأنه فهم متأخراً فقد غادر بسرعة وترك البلد، فيما قرينٌ له في مصر، لم يصدّق ما يجري في الميادين والشوارع، حسني مبارك، اكتفى بـ "نوم العازب" في شرم الشيخ، تاركاً "سحرة" الحزب الوطني الكبار، يمثلون دور "الشقلباظ" على كل شيء، في القاهرة، والإسكندرية، وكل مدن وقرى مصر. جموع "الهتّيفة" الذين أعرف واحداً منهم شخصياً، نجح في التسلل والزحف حتى أصبح وكيل وزارة، وترشح لانتخابات مجلس الشعب، بينما كل مؤهلاته، أنه "حنجوري" فقط على رأي عمنا الراحل محمود السعدني. هؤلاء الحنجورية، جاهزون لأداء كل الأدوار، والسير في كل مظاهرات التأييد، وكتم أي صوت يختلف مع أسيادهم، ومعهم بالطبع، وزراء، ورجال أعمال، وكتبة وإعلاميون، ومتسولون، وبلطجية، وعناصر شرطة، ورجال أمن، كما ستكشف عنهم وثائق أمن الدولة التي حاول ثلاثي شرم الشيخ إخفاءها بالفرم أو الحرق، باختصار.. كتيبة لصوص متكاملة، توزع أدوارها حسب "اللهف" و"الشفط" و"النصب". المقارنة بيْن بن علي ومبارك، تشترك في المثل القديم :"فتش عن المرأة" الاثنان كانا في الواجهة، لكن كانت امرأة كل منهما تمسك أحياناً بسلسلة، أو بعصا.. قرداتية من نوع أنثوي جداً.. سيدة القصر في قرطاج، لم تختلف كثيراً عن سيدة القصر الجمهوري في القاهرة.. الأولى تركت مهنة الكوافيرة، دون أن تنسى كيف تعلّق بها الرئيس في جلسة "مانيكير"، فتسيطر بشبكة أقاربها، بينما الثانية، تعلمت الحلاقة في رؤوس كل الشعب المصري، لتكون النتيجة، هذا الخروج المهين من السلطة، نجل بن علي القاصر، لم يسعفه الحظ، ليكون الوريث الوحيد، ليس لأنه لا يزال طفلاً فقط، لكن لأن أمّه استولت بالنيابة عنه على كل شيء، بينما "الننّوس" مبارك الابن، حاول الانتحار قبل أيّام بعدما شعر أن كل أحلام الوراثة قد انتهت في ميدان التحرير، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى، كلها أشهر معدودات، ويكون الانقلاب على الرئيس الأب، بتحالف مع وزير داخليةٍ عرف جيداً، كيف يبيع "العتبة" لكل أركان النظام. "قرداتي" آخر في اليمن.. خرج منذ أيام وفي لقاء جماهيري حاشد، يتهم أمريكا وإسرائيل بتدبير كل التظاهرات التي جرت وتجري في العالم العربي، قال بما لا شكّ أو لبس فيه، إن مركز إدارة هذه المظاهرات في تل أبيب، هكذا سمعته أنا، مع ملايين غيري داخل اليمن وخارجه، لم ينظر الرجل حوله، حيث على بُعد خطواتٍ فقط من حشده يتجمهر الآلاف من الغاضبين المطالبين بإقالته، لكن بصره ارتدّ إليه، ليرى من هم في تل أبيب وواشنطن فقط. نفاذ البصيرة أوحى إليه، بما رأته زرقاءُ اليمامة ذات يوم، قبل 14 قرناً، ولما لم يصدقها القوم، فقد انكسروا، وهزموا، وعاقبها المنتصرون بفقء عينيها، فيما فخامته، سراً وليلاً، رفع سمّاعة الهاتف ليتصل بالبيت الأبيض معتذراً في اليوم التالي :"لقد أسأتم فهم تصريحاتي".. بينما دوي صرخاته قبلها بـ24 ساعة فقط، استحق تصفيق المشاهدين المغلوبين على أمرهم، والذين صدقوا رؤى زعيمهم في جلسة تخزين "قات" يومية. جلسات القات المخدّرة إياها، دفعت "قرداتي" من فصيلة "الكتاب الأخضر" في ليبيا، لأن يأخذ نفساً عميقاً، ويظهر كأنه شيخ طريقة في حلقة زار، وما بين الزحف "دار دار.. زنقة زنقة" وحتى توزيع حبوب هلوسة، بدا العقيد يعيد للأذهان تلك الصورة المأساوية عن دراكولا، وينفي عن نفسه كل "المراتب" التي طالما تمنتها جدّتي قديماً، ورسمت في الذاكرة تلك الشخبطة الرئاسية عن بعض حكامنا العرب. ................ ............... رحمك الله يا جدّتي.. لو ظللتِ حيّة حتى الآن، لتراجعتِ وما دعوتِ الله أبداً أن "يعلي مراتبي" النتيجة أهه.. بالقبقاب يا شجرة الدر! ــــــــــــــــ ** كاتب صحافي مصري mmhagrass@gmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل