المحتوى الرئيسى

فتنة البدع بقلم:موسى حجيرات

03/07 17:46

فتنة البدع موسى حجيرات لقد بات لا يخفى على أحد أنّنا نعيش في عصر ظهرت فيه البدع، وانتشرت انتشارا واسعا لم يأبه لحدود جغرافية، ولا لتضاريس طبيعيّة، وعمّت بلاياه حتى وصلت إلى كل الشعوب، والجماعات، والأسر، بل وصلت إلى كل فرد وفرد. إنّ الغريب في الأمر ليس ظهور هذه البدع، لأنها قديمة العهد، وبشرنا بها منذ قرون، وظهر قسم منها آنذاك أيضا، ولكن الغريب هو عموم انتشارها، وسرعة تناقلها، بل الغريب هو تمسّك الناس بها، وكأنها أصبحت الأساس في القرآن والسنة، وما دونها باطل. لقد دأب الناس لنشرها والتعامل معها وحسبها، وعملوا على تقديرها واعتبارها وإعطائها قيمة عظمى لا يطالها نقد، ولا تصلها معارضة. إنّ البدع الشائعة والمنتشرة، والواصلة إلى كل حيّ ومنزل، في هذا الزمان، هي فتن عظمى تعمّ بلاياها المجتمعات في كل عهد وحين، وتنتشر سمومها وتأثيرها القاتل حتى لتخرج ذات وجهين لا توحي إلا بالانفصام، والتعددية السلبيّة. إنّ الفتن العظمى لتعتبر من علامات الساعة الصغرى، وقد اخبرنا بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قبل قرون خلت، فما أصدقه حين قال: "أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم" ( مسند احمد: ج3، ص498). إنّ سامع الحديث آنذاك للوهلة الأولى ليجد فيه مبالغة وتهويل خاصة في "كقطع الليل المظلم"، ولأنّهم في بداية الإسلام كانوا مجتمعات صغيرة، عاداتها تقليدية فيها ما يشذّ عن الدين والخلق، ولكن عانوا منها كثيرا حتى جاء الإسلام فاجتثها وألغاها؛ فطهّروا بذلك مجتمعاتهم وأسرهم. لقد صانوا نساءهم وغيّروا طريقة زواجهم، وحافظوا على بناتهم، وسكبوا جرار خمورهم، وصانوا أعراضهم وجيرانهم، وطهّروا أموالهم من الربا، ولم يشهدوا الزور، وحضوا على إطعام المساكين واليتامى والأرامل والأسرى، وتباهوا بحسن أخلاقهم، ومكارم الأخلاق. كيف لا والرسول بين ظهرانيهم، ينصحهم ويوجههم، يردّهم ويردعهم، حتى يوصلهم إلى السبيل الآمن. أمّا في هذا العصر فاختلط الأمر، وكثرت جماعات التقليد، كما كثرت فتن النساء والخمور والربا والمعازف. واختلط فهم الناس للدين، وللكتاب والسنة، وكثر المزيفون وأهل الشقاق والنفاق، واستغلت الأساليب العصرية، والتقنيات الحديثة، لنشر الفتن وتوسيع رقعة تأثيرها؛ فازدادت الضحايا البريئة، وأصبحت الأمّة على شفا الهاوية، بل تهاوت إليها، ولم يبق على الشفا إلا من رحم الله. وصارت الأمة ترزح تحت أعباء كثيرة، ورغم ذلك تتلذذ بالحضيض، وينظر إليها الآخرون من علٍ، وهم صاغرون. فإن سئلوا من أوصلكم إلى ذلك؟ أوردوا دون حياء كلّ حجة ماديّة، وكل برهان واه، وكل دليل ضعيف، وتغافلوا بالإجماع عن هجرهم لقرآنهم، وابتعادهم عن دينهم، واستهانتهم بسنة نبيّهم. بل تجاهلوا تكالبهم على تقليد الأمم الأخرى، وتناسوا أفواههم الفاغرة التي تلتقط كل خبيث ومنبوذ وساقط، واتّسعت أحضانهم لتفرش لكل فضيحة ورذيلة. أمّا من بقوا على الشفا فهم الأمة الخيّرة التي أخرجت للناس، ولن يسقطوا إلى الهاوية، ولن يصلوا إلى الحضيض مهما اقتربوا من الشفا، ومهما كان كان عددهم قليلا. فالخير، إذن، في نوعية الأمة في دينها وخلقها، وليس في عددها وتعدادها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال عنها تكون كغثاء السيل، (سنن أبي داود: 4297) تستهان فتهان وليس من قلة. فالطمع الآن بمن تبقى على الخير، هؤلاء الذين يمثلون أمّة المصطفى صلى الله عليه وسلم بحقيقة وواقع، وهم من تمسّكوا بدينهم، وعضّوا على سنة نبيهم بالنواجذ. هؤلاء من يسعدون في حياتهم، ويطمئنون لآخرتهم، منهم تفوح رياح السعادة والهناء، إن أوصلوا للناس شيئا أوصلوا الدين والقيم والأخلاق الكريمة. وإن أوصلوا الدين أوصلوه كما فهموه فهما قيّما، بنقل متواتر وحقيقي، وإن غاب عنهم، سألوا أهل الذكر كما أوصاهم نبيّهم. عبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وعاملوا الناس كما أمروا. عرفوا القرآن والسنة النبوية، وعرفوا الأصول والأسس والمبادئ القيمة، ولهذا نبذوا كل غريب مستحدث، نبذوا كل ما هو خارج عن السنة، نبذوا كلّ ما تزيّنه الشياطين الجنيّة والإنسيّة للناس، وتزيد من اعتقادهم إنّ هذا هو الأصل والأساس أو أنّ إتباع المستحدث هدفه العبادة والتقرب إلى الله تعالى ليس إلا. هؤلاء أبناء الأمة الخيّرة عرفوا البدعة وآمنوا إنّها ضلالة، وإنّ الضلالة في النار، لقول نبيهم: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (سنن النسائي: 3/188 ـ 189).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل