المحتوى الرئيسى

تجارب المبدعين ومحاولات الهامشيين .. بقلم: بسّام عليّان

03/07 17:22

تجارب المبدعين ومحاولات الهامشيين بقلم: بسّام عليّان* يتاح –في الأغلب- لعدد كبير من المحسوبين على الثقافة والإعلام القيام بتوجيه النقد اللاذع لبعض فئات المجتمع، ووصم الفئة تلك بأبشع الصفات ونعتها بنعوت تخرج عن باب اللياقة والأدب. ويندر أن تجد من هؤلاء مدحاً أو ثناء على مجتمعه أو رفعاً لمعنوياته. حيث يعتقد بعض المثقفين وكذلك بعض أطياف المجتمع بأن المثقف إنسان دائماً يجنح نحو الرفض والتمرد. فيما يغرق آخرون من المثقفين والإعلاميين، في المصطلحات والتفنن بها وتركيب الجمل الرنانة الغامضة، حيث يعتقد كثير من الناس أن الثقافة أو اللغة الإعلامية هي هذا النمط من الحديث، فيفرط فيه ليخفي سوءته وضحالته الفكرية. ويجنح بعضهم إلى التنظير للمجتمع وأعماله والعاملين فيه ( ينبغي كذا، ولا ينبغي كذا، يجب هذا، ولا يجب ذاك ) فيما يقل أو يندر مشاركة هؤلاء في الأعمال الميدانية الاجتماعية، فتجده فقط ينظر من وراء مكتب حشر نفسه به، وكاد لا يصدق أن المكتب والكرسي من الخشب الذي يسوس، أو من الحديد الذي يصدأ!!!!؟. وهذه اللغة في تناول المثقف للحوار أو التخاطب مع القارىء، يطلق عليها لغة "النخبة"، وهي مصطلح يطلقه عادة المثقف الافتراضي كنوع من الترفع على القارىء أو حتى على زميله في المهنة، الذي هو من وجهة نظره لا يزال يراوح في اعتماده على لغة خطابية استنفدت وتجاوزها الزمن. وتُشكل هذه المرحلة التي يكتب فيها هذا «المثقف النخبوي» (!!؟)؛ ويترفع على الآخرين في مصطلحه وإدارته لمفاهيمه وتداوله لقضاياه الأزمة الحقيقية التي تتيح لمثل هؤلاء الهامشيين من فرض محاولاتهم بين تجارب المبدعين. الحقيقة أن الأزمة هذه تتفاقم أكثر فأكثر مع بروز ظاهرة التدجيل والتنظير في تناول الأدب والفكر، الذي جعل غالبية من الناس عندنا، «نخبويون»، على حسب فهم كل واحد منهم لهذا المصطلح الافتراضي، بحيث لم تعد هناك حدود تفصل أو تفرق بين تجارب المبدعين ومحاولات الهامشيين، الذين يحاولون إثارة الانتباه بإلغاء رموز رجالات الفكر والأدب "الحقيقيون"، دون وجود مبررات موضوعية سوى الرغبة بالتشهير وتسجيل المواقف العشوائية، التي لا تقتل في النهاية سوى أصحابها.‏ و«مثقف النخبة» هذا، عادة ما يمثل آمال «النخب» التي يطربها وتطرب له، بعيدا عن المثقفين الحقيقيين «المبدعون»، الذين يتناولون أمال الأمة وتطلعاتها. فمثقف النخبة يحب نفسه، ولا يتطلع إلا إلى ذاته المريضة بهذا الوهم، ولا ينشط إلا بمقابل؛ مثله مثل مثقف السلطة الذي يمثل السلطة فهو منظّرها، ومرشدها، يبرر لأخطائها، ويبحث عن مخرج لمأزقها، بعيدا عن ضمير الأمة ونبضها، وهذه النموذج يبقى بريقه ما بقيت السلطة، وينتهي بانتهائها. أما المثقف المبدع فهو مثقف الأمة، يمثل الأمة فهو قلبها النابض، وضميرها الحي، وعقلها المفكر،، يعمل لرقيها ونهضتها، فهو كالشمعة التي تحترق لتبدد ظلمة الأنانية والجهل والظلم والاحتكار والاستبداد، يمثل آمال الأمة وتطلعاتها، ويرعى ويحفظ في الأمة قيمها ومبادئها، يتصدى لهجمات الأعادي الفكرية التي تستهدف هوية وثقافة الأمة، منافحا، ومدافعا، عن خصوصية الأمة وهويتها؛ فهو يتفانى للحرص على الوطن والمواطن معاً. والمثقف المبدع هو الذي يلتفت إلى مجتمعه وقضاياه وآلامه ويحمل خطابه الثقافي هوية المجتمع الذي ينطلق منه ويعالجه. فمن هنا تكمن معاناة المثقف والمفكر في مجتمعاتنا، من أنانية هذا «المثقف الأناني» ومن التسلط العام والشامل في تلك المجتمعات، فأصبح من الاعتيادي جدا أن تجد مثقفين وإعلاميين مكبلين فكرا، ومقيدين منهجاً. وقد قالوا؛ أن «الإنسان إبن بيئته»، لذلك أفرزت تلك البيئة نماذج من مثل هؤلاء، منهم «مثقف السلطة، ومثقف النخبة؛ ومثقف الحزب، ومثقف السلطان. ومثقف القائد»، ولكن؛ وللأسف تم تغييب مثقف الأمة، الذي تتجسد في فكره وثقافته، آمال وطموحات الأمة، ومشاريعها المستقبلية، وهذه النوعية (أي مثقف الأمة)؛ لا تنشأ إلا في أجواء تنعم بالحرية والشفافية. وهذا النوع من المثقف يندر وجوده في مجتمعاتنا، فمثقف الأمة هذا يمثل بوصلة الاستشعار في الأمة، وعنوان تعريفها وسط الأمم،، وهو ذاك الذي يعيش من أجل ( فكرة ) يسعى لنشرها وبسطها، ويظل يقاوم من أجلها، وقد يموت لتحيا تلك الفكرة. إذن المثقف المبدع هو روح الأمة، وسر نهضتها، وقائد مسيرتها، فالأمة بدون ذلك المفكر والمثقف، كالقطيع بدون راع… المثقف المبدع يظل هو المفكر الذي يؤثر في وجهة الأمة وتطورها وقوة نهضتها. والحقيقة التي أردت أن أصل إليها في هذا المقام هو أن ما تعج به الساحة العربية من أسماء تبرز على صفحات الجرائد، أو المجلات، أو الفضائيات، أو ..الخ، هنا وهناك، هم أشباه لذلك «المثقف النخبوي» الذي أشرت إليه، فهم يتأثرون بما حولهم أكثر مما يؤثرون، ويغيرون خط سيرهم ونهج تحليلهم ألف مرة، ولا تجد لهم أثرا في نهضة الأمة ومجريات الأحداث، أشبه بالراقصة التي تميل إلى التصفيق الآتي من هذه الجهة أكثر من الجهة الأخرى!. خسروا ثقافة أمتهم الأصلية، وفقدتهم أمتهم. وهم اليوم وإن حملوا أسماء عربية، وإن تكلموا وانتموا إلى وطننا العربي، إلا أنهم لا يمثلون ثقافتها وفكرها الأصيل، بل وجد منهم من يطعن الأمة. فترى المجتمعات تعج بمثل هؤلاء أشباه المثقفين، والغوغائيين، الذين قادوا الأمة إلى التبعية والتغريب، وطمس الهوية والخصوصية في الأمة. خلاصة القول – وحتى لا يتم فهمنا خطأً- أن الناس متساوون في تكوين الثقافة، وصورة الإعلام العام، كل من خلال موقعه وتفاعله ودوره في الحياة الإنسانية، دون النظر إلى الفوارق الأخرى المكتسبة، هذا من جانب. أما من جانب آخر عندما نتحدث عن المثقف المبدع في المجتمع، في نظري أن الوضع يختلف، حيث لا بدّ لك أن تأخذ بالاعتبار الفوارق المعرفية والفكرية والعقلية والسلوكية لتحديد المثقف الذي نقصده في هذا الطرح. فالناس سواسية أو قل شركاء في تكوين الثقافة، ولكن هذا لا يعني أنهم جميعا مثقفون مبدعون، لأن المثقف الحقيقي (المبدع) هو الذي يتفاعل مع المخزون المعرفي والتراكمي التي قامت عليه ثقافة المجتمع، وينقله من دائرة الخمول والجمود إلى دائرة الحراك والنشاط والتفعيل. فهذا المثقف الذي نقصده دوره يتجاوز المساهمة في تكوين ثقافة المجتمع المسيطرة، فهو يمثل بوصلة الاستشعار للأمة وعنوان تعريفها وسط الأمم، وسر نهضتها، وخط دفاعها الأول، وقائد مسيرتها وميزان توجيهها. وهذه الأدوار لا يمكن أن يقوم بها «شريحة النخبويون» في المجتمع كما يحلو لبعضهم أن يجمع اكبر عدد من الأسماء على صفحات جرائده، أو مواقعه الإلكترونية، هذا صاحبي وهذا مقرب مني، وهذا يخصني، وهذا بايعني «من البيعة»، وذاك جاري، وتلك معجبة، وأحدهم نديمي، والآخر صهري أو نسيبي ، أو… الخ من صفات التقرب والتحبب لنشر محاولات الهامشيين. ولعل سوء الحال هذا الذي نعيشه في مجتمعاتنا اليوم؛ يعود إلى غياب المثقف النوعي الذي يحمي الأمة في فكرها وقيمها وأخلاقها وسلوكها، ولعلنا نصبح كالمثل القائل: «إذا غيبنا القط تركنا للفئران مجالاً واسعاً للركض واللهو في بيوتنا، مما سيسمم مأكولاتنا وأوانينا، وينغص علينا عيشنا». فهل من يشاركنا هذا الطرح الحيوي الذي يربط المثقف بهوية المجتمع، وبمسؤوليته التاريخية ودوره في الإصلاح، والتغيير الناضج لواقع الأمة!؟. • بسّام عليّان ـ كاتب وباحث عربي/فلسطيني Bassam_elayan@hotmail.com www.nice1net.jeeran.com http://nice1net.jeeran.com/Page_2.html

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل