المحتوى الرئيسى

سقوط أمن الدولة ومخاوف الانفلات

03/07 15:47

بقلم: قطب العربيأطنان الوثائق التي تبقَّت بعد عمليات الفرم الواسعة، وعثر عليها المحاصرون لمقار وفروع أمن الدولة في المحافظات المختلفة؛ تحوي أسرار المجتمع المصري والنخبة السياسية والإعلامية والثقافية، كما تحوي الكثير من أسرار الوطن التي لا يجوز نشرها؛ حتى لا يستفيد أعداء الوطن والشعب منها. لكن الكثير من الوثائق التي نشرت حتى الآن تكشف طبيعة الحكم البوليسي الذي جثم على قلب مصر لمدة ستين عامًا، ليس فقط في عهد الرئيس مبارك وإنما في عهدي الرئيسين السابقين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وإن كانت القبضة البوليسية خاصة لجهاز أمن الدولة قد تغولت كثيرًا في عهد مبارك. ليس غريبًا أن غالبية الذين حاصروا فروع أمن الدولة كانوا ممن اكتووا بناره، اعتقالاً وتعذيبًا وفصلاً من العمل أو منعًا من الترقية.. إلخ. حين تفرست الوجوه المحاصرة لمقري الجهاز في السادس من أكتوبر ومدينة نصر شعرت دون أن أسأل أحدًا منهم، أن كلَّ واحد منهم له ثأر شخصي مع الجهاز، وقد اندفع الكثيرون منهم نحو تلك المقار، حين علموا بعملية إحراق الوثائق غير عابئين بما يمكن أن يتعرَّضوا له من ضرب أو قنص، كان هدفهم هو منع حرق الوثائق التي كان من الواضح أنها تفضح رجال النظام السابق ورجال أمن الدولة أنفسهم، بدليل أنهم لم يحرقوا غيرها من الوثائق. كان مطلب حلِّ جهاز أمن الدولة من المطالب الرئيسية للثورة من أول يوم، وكان المطلوب من القوات المسلحة أن تضع يدها على تلك المقار وتلك الوثائق قبل حرقها أو فرمها أو تسريبها، وقد كتبت قبل أسبوع في هذا المكان مطالبًا بهذا المطلب، ومقدمًا تجربة عملية حدثت من قبل في السودان عقب نجاح انتفاضة 6 أبريل 1985م؛ حيث كان أول قراراتها حل جهاز أمن الدولة، وقد قام المجلس العسكري، بقيادة سوار الذهب، بجمع كبار قادة الجهاز في اجتماعٍ عامٍ، ثم ألقى القبض عليهم، وتوجَّهت قوة عسكرية للتحفظ على الوثائق التي ضمها الجهاز، وهذا ما كان ينبغي أن يتم في مصر. ما نُشر حتى الآن من وثائق أمن الدولة قليل، ورغم قلته إلا أنه كشف مدى تغوُّل هذا الجهاز، وتحوُّله إلى دولة داخل الدولة؛ بحيث لا يمكن تمرير أي قرار في أي جهة إلا بعد الرجوع إليه والحصول على موافقته، ناهيك عن القرارات التي كانت تصدر عنه هو بالأساس، ثم تأخذ شكلاً رسميًّا، من خلال الأجهزة الرسمية الأخرى، سواء في التربية والتعليم أو الجامعات أو وزارة الاقتصاد أو التجارة أو التضامن الاجتماعي أو الصحة أو الإعلام.. إلخ. كنًّا نعرف قدرًا كبيرًا من تدخلات أمن الدولة في مناحي الحياة المختلفة، وقد تعرَّض الكثيرون منَّا لعسف هذا الجهاز البغيض، وبالتالي لم يكن الكثير مما نشر مفاجئًا لمثلي؛ لكنني مع ذلك فُوجئت ببعض الوثائق التي تدين شخصيات سياسية وإعلامية وثقافية محسوبة على المعارضة، ومع ذلك أود التحذير من فبركة وثائق على غرار وثائق أمن الدولة من قِبَل البعض؛ لتصفية حساب مع خصومهم، إذ إن القارئ العادي لن يستطيع التمييز بشكلٍ جيدٍ بين الوثائق الأصلية وتلك المزوَّرة التي تحمل مواصفات وأختام أمن الدولة. كما أنني أضم صوتي إلى النداء الذي وجهه المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى المواطنين الذين يحوزون وثائق تمسُّ مصلحة الوطن وأمنه القومي إلى سرعة تسليم هذه الوثائق للقوات المسلحة، وعدم نشرها أو إذاعتها، أما ما عدا ذلك من الوثائق فإن نشرها لن يمثل ضررًا كبيرًا إلا لِمَن شملت أسماءهم، وهنا مرة أخرى أنبه إلى عدم أخذ كل الوثائق على مأخذ الجد، فقد تتضمن بعض الوثائق أسماء بوصفهم متعاونين مع الجهاز، وربما جاء هذا التعاون تحت تعذيب وإكراه دفع مَن تعرضوا للتعذيب إلى التظاهر بأنهم سيتعاونون مع الجهاز حتى ينجوا بأنفسهم من سياط الجلادين ومن ملاحقتهم. لقد تأخر مَن بيدهم الأمر في حسم ملف أمن الدولة خلال الأسابيع الماضية، وبالتالي منحوا رجال هذا الجهاز فرصة لفرم الوثائق وحرقها وتأمين خطط لهروبهم، ولكن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد، فأغلب الظن أن رجال أمن الدولة سيسعون الآن لشنِّ حرب على المجتمع كلِّه، مسلحين بخبراتهم وعناصرهم السرية التي جندوها من قبل، والتي تزيد عن نصف مليون عميل، ونحن نثق في قدرة القوات المسلحة على مواجهة هذا التمرد الأمني، ولكن من المهم أن تتضافر الجهود الشعبية مع القوات المسلحة في مواجهة هذا التمرد المحتمل عبر تشكيل لجان شعبية حقيقية من قوى الثورة، وليس من فلول وزارة الداخلية أو العناصر المرتبطة بها، لمواجهة أي انفلات قد يحدث لا قدر الله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل