المحتوى الرئيسى

الجاموس والأسود.. رؤية جديدة

03/07 11:23

بقلم: علي حسن عبد الرازقهل يذكر الجميع فيلم الفيديو الرائع الذي تم التقاطه بواسطة سائح إسباني في إحدى محميات جنوب إفريقيا عام 2007م؟ هذا الفيلم من خلال ما نُشر حقق أعلى مشاهدة على موقع (اليوتيوب)، ومن خلال مشاهداتي اليوتيوبية البسيطة يتضح أنه ما زال على القمة فقد قارب عدد مشاهداته ستين مليون مشاهدة، فما هو السر في هذا الفيلم البسيط الذي لم تنتجه ناشيونال جيوجرافيك بإمكاناتها العظيمة وتقنياتها العالية، والذي لم تتجاوز مدته تسع دقائق؟   السر كان في مضمونه، وهو الانقلاب على نواميس الطبيعة التي نراها في آلاف الأفلام المعروضة للغابة وصراعاتها، فبدلاً من الاستمتاع بقوة الأسد وطريقة تغلُّبه على فرائسه من الجواميس البرية وانبهارنا بخططه الجماعية لمحاصرة فرائسه, فتحنا أفواهنا من العجب وامتلأت صدورنا بالفرحة ونحن نرى الجواميس تتجمع صفًا واحدًا وتهاجم الأسود بقوة لتخلص إحدى الصغار من قبضتها، بعدما أيقن الكل بهلاك صغير الجاموس الذي تجمعت عليه الأسود وأراد أحد التماسيح الفوز بنصيب من الغنيمة. رأينا جميعًا الجواميس تنقذ صغيرها وتطارد الأسود وتجرح أحدها، واكتملت فرحتنا بسلامة الصغير ووقوفه على قدميه. المشهد كان رائعًا بالفعل وحفز الألوف لتدلوا بدلوها في التعليقات على المقطع على كلِّ المواقع التي قامت بنشره. وتلخصت التعليقات كلُّها في الفرحة بالمشهد وضرورة أخذ العبرة منه، فلسنا أقل من الجاموس لنثور على الظالمين المتحكمين في مصائرنا والذين عدوا أنفسهم من نواميس الكون.  ورأى البعض في المشهد أن وحدة الجاموس السر في النصر على الأسود، وتمنَّى أن يراها واقعًا بين شعوبنا لنحرر أراضينا وثرواتنا المنهوبة، وخلص الجميع إلى أن التأسي بالجاموس سيمكننا من النصر ونيل حريتنا. وها قد تأسينا وقامت الثورات العربية الطاهرة على أراضينا بدءًا بتونس الخضراء مرورًا بمصر الطيبة، وها هي تنتشر في مختلف الدول العربية، وأصبحنا قدوةً عظيمةً في سلوكنا ليقتدي بنا العالم، ويطلب قادته من شعوبهم التأسي بسلوكياتنا كما تعاملنا نحن سابقًا مع قطيع الجاموس المنتصر وتأسينا به. والآن أجد نفسي واقفًا أمام نفس المقطع لأتأمله من جديدٍ بعد نجاحنا في التخلص من الطاغية بن علي ومبارك، وفي الطريق- إن شاء الله- نيرون العصر القذافي. بعد مشاهدتي المقطع والتجوال داخل الذاكرة الشخصية على التعليقات التي ذكرتها سابقًا وتأملي في حال الثورات القائمة، أخذت أبحث من جديدٍ عن فيديو مشابه ثارت فيه الجواميس مرة أخرى أو تغير فيه سلوك الأسود؛ لتصبح نباتية ولو في جنوب إفريقيا فقط بلد الحدث فلم أجد. بحثت وبحثت وتساءلت مع السيد جوجل هل أكلت أسود جنوب إفريقيا النباتات، ولم يعد الجاموس صنفًا على مائدتها؟ فجاء الجواب بالنفي. الأسود (حتى المستأنسة منها) لا ترضى باللحم بديلاً فلم ولن تتغير. والجاموس ظلَّ على حاله فلم يستغل الحدث ليؤسس لوضع جديد أو قانون جديد تكون وحدته ضد الأسود والضواري شريعة وحمايته للقطيع فريضة، واستغلاله لقوة جماعته سلاحًا. وقد وجدت الرد في آلاف المشاهد لأسود مجتمعه على جاموسة هرب قطيعها خوفًا ونجاة،  فأيقنت أن الجاموس سيظل فريسةً والأسود الضواري ستبقى ملوكًا. فكرهت المشهد السابق وقررت المناداة بعدم التأسي بالجاموس بعد الآن، فثورتهم لم تكن ثورةً وإنما كانت فورة. ارتضوا بعدها بالعوده لسابق عهدهم الكل يأكل ويسمن وينتظر لحظة فنائه إن لم يكن بناب أسد، فبهجمة فهد أو بطلقة صياد وإن نجا من كلِّ هذا فلينتظر حتى يوافيه أجله. وأخيرًا ندائي هل ترتضى أن تكون ثورتنا العظيمة مجرد فورة نستسلم بعدها لضارٍ جديدٍ ينهش لحمنا ويكسر عظامنا ويمتص دماءنا، ليترك ما تبقى منا نهبًا للجوارح التي تحلق معه وحوله؟ إن الثورة لن تكتمل إلا بتغيير الوضع برمَّته والتأسيس لقانون ودستورٍ جديدٍ تكون الكرامة فيه حدًّا لا يُنتهَك والحرية فيه فريضة لا تنتقص والوحدة فيه سلاحًا لا يترك . لِمَن لم يشاهد المقطع من قبل: المقطع على الرابط التالي (http://www.youtube.com/watch?v=LU8DDYz68kM)--------------- علي حسن عبد الرازق معيد بهندسة أسيوط قسم ميكانيكا 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل