المحتوى الرئيسى

ما بعد وزارتي أحمد شفيق

03/07 01:30

أعترف أن وزارة شفيق الثانية قد أراحت صدري إلي حد ما‏,‏ خصوصا بعد وزارته الأولي سيئة السمعة بسبب عدد غير قليل من أعضائها‏,‏ وقد أسعدني علي نحو خاص أن الأسباب التي دفعتني إلي الاستقالة من الوزارة الأولي‏ ‏ قد عولج عدد منها في الثانية فأصبح وزراؤها يتحدثون عن شباب‏52‏ يناير بوصفهم ثوارا‏,‏ فلم يعودوا بلطجية تحركهم أصابع أجنبية وعن وصف ما قام به الشباب في‏52‏ يناير بأنه ثورة‏,‏ وليس هوجة أو انفلاتا أمنيا‏.‏ وعن الضحايا الذين افتدوا حرية الوطن بدمائهم بأنهم شهداء لهم الحق ـ كل الحق ـ في التكريم‏.‏ وقد بدأت الوزارة الثانية طريق التقريب بين القوي الوطنية فأدخلت عددا لا بأس به من المستقلين إلي جانب اثنين من أحزاب المعارضة‏,‏ أولهما الدكتور جودة عبدالخالق‏,‏ وهو من أفضل المتخصصين في مجاله‏:‏ علما ونزاهة وتمسكا بالعدل الاجتماعي وثانيهما‏:‏ رجل الأعمال منير فخري عبدالنور‏,‏ وريث فكر ثورة‏9191‏ التي كان أبوه أحد قادتها العظام‏,‏ واخيرا يحيي الجمل الذي لا أزال أراه رجل مصالحة وطنية وقاضيا عادلا‏,‏ واقعيا وعمليا إلي حد كبير‏,‏ وقد دخل الوزارة للمرة الأولي محمد عبدالمنعم الصاوي‏,‏ بعد ترشيح يحيي الجمل له‏,‏ وإعلانه عن ذلك في برنامج مني الشاذلي قبل الإعلان الرسمي عن التشكيل الجديد‏.‏ وهو شاب ومستقل‏,‏ وكلتاهما صفتان لايمكن لمنصف اغفالهما‏.‏ وقد أسعدني رد الاعتبار إلي كل من عمرو سلامة الذي أجهضت محاولته الإصلاحية المهمة لتطوير التعليم العالي‏,‏ وأحمد جمال الدين المحترم الذي أطيح به لاشاعة لا أساس لها من الصحة‏.‏ ويعني ذلك أن الوزارة الثانية تخلصت من الأسماء سيئة السمعة في الوزارة السابقة‏,‏ وقد دخل أحد وزرائها السجن‏,‏ والبقية آتية فيما أظن‏.‏ وضمت الوزارة شابا رغم غلبة العواجيز وسعت جاهدة إلي الحركة في مدي الاصلاح‏,‏ واستعانت بممثلين لحزبين ظلا في اضطهاد دائم من الحزب الحاكم‏.‏ ولذلك فالشكر واجب لاختيارات أحمد شفيق التي لم أظنه كان حرا فيها تماما‏,‏ فيما فهمت مؤخرا‏,‏ فقد تحمل كلا من وزير العدل ووزير الخارجية رغم اعتراضات الكثيرين عليهما‏,‏ فظلا كالوزر الذي لا ذنب له فيه إلي أن تقدم باستقالته‏.‏ ويلزم تقدير الجهد المخلص الذي بذله الرجل عبر وزارتين‏,‏ كان محكوما عليهما بالفشل بسبب عدم الإدراك الكامل لأننا نعيش في زمن مختلف جذريا‏,‏ تغير بفضل ثورة شابة لا تقبل أنصاف الحلول‏,‏ ولا حتي ثلاثة أرباعها فليس هناك من معني للتعلق ببعض الماضي‏,‏ ولابد من قطع الصلة به لاستهلال زمن جديد‏,‏ وهو زمن يفرض علينا فهم أمرين مهمين‏,‏ يتعلق أولهما بمدي حرية رئيس الوزارة الجديدة في اختيار أعضاء وزارته‏.‏ ويرتبط ثانيهما برؤية رئيس الوزارة التي يختار من منظورها وزراءه‏.‏ والأمر الأول يبدأ بالسؤال‏:‏ هل رئيس الوزراء يملك الحرية الكاملة في اختيار وزرائه أم لا؟ وهل يتم ذلك في ضوء قواعد محددة‏,‏ يتم الاتفاق عليها سلفا مع المجلس العسكري الأعلي في ضوء الرؤية التي يمتلكها أو يطرحها منطلقا لعمله؟ أم يظل اختيار رئيس الوزراء محكوما بإرادة عليا قد تتفق أو تختلف مع الوزراء الذين يختارهم؟ وإلي أي مدي يمكن أن يصل الاتفاق أو الاختلاف هذا النوع من الأسئلة بالغ الأهمية في المرحلة القادمة‏.‏ وظني أنه من الضروري جدا الاتفاق المسبق بين رئيس الوزراء الجديد والمجلس العسكري الأعلي‏,‏ واعلان المباديء التي تم الاتفاق عليها في خطاب تكليف يعلن علي الكافة تأكيدا لمبدأ الشفافية ويترك الأمر بعد ذلك لرئيس الوزراء الجديد كي يقوم باختيارات حرة تتفق مع الاستراتيجية الجديدة التي يتبناها والتي لابد أن تكون مبنية علي فكر جديد حقا‏,‏ وعلي تجسيد الروح الثوري الذي لايزال يتوهج في روح الأمة ولاتزال شعلته متوقدة في ميدان التحرير‏.‏ أما الأمر الثاني فلا يفارق ضرورة وضوح الهدف من الوزارة الجديدة هل هي وزارة إنقاذ وطني أم وزارة أزمة؟ وهل هي وزارة انتقالية أم وزارة تسيير أعمال؟ وهل هي وزارة وجوه قديمة أو وزارة وجوه جديدة؟ أم هي مزيج من الاثنين؟ وهل يمكن الاستعانة بكل من له خبرة من أهل الاختصاص النوعي في كل وزارة علي حدة أم إضافة الوعي السياسي إلي وعي الخبرة التكنوقراطية؟ ويقود السوآل الاخير إلي السؤال عن الهويات السياسية للوزراء هل الأفضل أن يكونوا مستقلين تماما عن الأحزاب أو يكونوا ممثلين لكل القوي الوطنية‏,‏ ومنها الأحزاب بالطبع؟ ويبقي بعد ذلك السؤال عن الهدف من الوزارة الجديدة أهو مجرد تسيير الأعمال؟ وهي عبارة لا تعني سوي وضع وزراء إداريين أعلي درجة من وكلاء الوزراء أو مساعدي الوزير لمجرد التوقيع علي أوراق عاجلة ومرتبات لا مفر من دفعها‏,‏ وتوقيع اتفاقيات سبق الاتفاق عليها فحسب؟ أم هي وزارات تهدف إلي تهيئة الطرق للوزراء الدائمين القادمين بعد الانتخابات؟ أم هي وزارات تنبني علي رؤي متعددة‏,‏ لا تتعارض مع رؤية كلية للوزارة في مجموعها المتجانس بالضرورة؟ ولا أزال أري أن هذه الأسئلة ومثلها لم يقم المجلس العسكري بالتفكير المتعمق فيها‏,‏ وأن المجلس العملي لايزال له الأولوية المطلقة بالقياس إلي ما لايقل عنه أهمية وحتمية‏,‏ وهو ضرورة وجود رؤية جديدة مختلفة لكل وزارة بعيدا عن الترقيع أو التوفيق‏.‏ إن كل وزارة جديدة إذا كانت كذلك حقا‏,‏ لابد أن تبدأ من رؤية جذرية جديدة للتغيير في اتجاه التقدم وإلا ما كانت جديدة حقا بالقياس إلي غيرها القديم‏,‏ والسؤال الصعب الذي لابد من أن يطرحه رئيس كل وزارة جديدة علي نفسه وعلي مساعديه في التشكيل‏,‏ هو ما الهدف الجديد أو الأهداف الأجد التي يريد أن يمضي بها إلي تقدم الوطن؟ خصوصا عندما يمر الوطن بمحنة كالتي لا نزال نمر بها‏,‏ ولم تذهب ريحها السموم بعد‏.‏ المؤكد أنه لا نجاح لأية وزارة جديدة إلا إذا كانت لديها رؤية إلي نجاح الأداء أولا‏,‏ وحسن استقباله ثانيا‏,‏ وتأثيره الإيجابي الذي يمكن أن نري عائده الفوري علي المواطنين أخيرا وأظن أن هذه هي مشكلة الوزارتين الأولي والثانية لأحمد شفيق‏.‏ فقد تقلصت مهمة الأولي في تيسير الأمور لكن تحت مظلة الحزب الوطني الذي تنتسب اليه الوزارة حتي لو قبلت بعض المستقلين مثلي‏,‏ في تأفف أعلنه ممثل جستابو الحزب البائد‏.‏ وعندما أجبرت الوزارة علي إعادة التشكيل جري الأمر علي طريق الترقيع‏.‏ مع بقاء الأهداف ثابتة‏:1‏ ـ الاسترجاع الفوري للأمن والأمان‏.‏ ‏2‏ـ التسكين المؤقت لآلام الجماهير‏.3‏ ـ إصلاح الفاسد قدر الاستطاعة مع تأ جيل المهام الكبري للوزارة القادمة بعد الانتخابات‏.‏ والحق أن هذا تفكير قاصر وأبعد ما يكون عن العلمية أو المنهجية‏.‏ أولا‏:‏ لأن المرحلة تفرض ما هو أصعب من ذلك بكثير‏.‏ وثانيا‏:‏ لأنك لايمكن ـ عقلا ـ أن تصلح الجزء إلا بعد أن تكون لديك رؤية شاملة لاصلاح الكل الذي يضم الأجزاء فهذا هو المنجي الوحيد من العشوائية‏.‏ وثالثا‏:‏ لأنه لا قيمة لعمل أي وزير في أي وزارة دون أن يكون له رؤية تتجاوب وتتفاعل مع غيرها من رؤي بقية الوزارات الموجودة في الوزارة الجديدة‏.‏ ويعني ذلك أنه لابد أن نتخلص من المنطق الذي ساد طويلا والذي يحيل الوزارات إلي جزر منفصلة لا علاقة لكل منها بغيرها‏.‏ لقد تعودنا مثلا علي وجود مجموعة اقتصادية ولكن هل يمكن حقا إصلاح التعليم أو تأسيس قاعدة للبحث العلمي دون وجود منطومة شاملة لإعادة تثقيف الوعي الاجتماعي والثقافي بالمعني العام الشامل للثقافة؟ وهل يمكن إعداد المواطنين لانتخابات سياسية جديدة‏.‏ دون أن تتكاتف وزارة الأوقاف‏(‏ ممثلة في وعاظها‏)‏ ووزارتا التعليم‏(‏ ممثلين في برامجها التعليمية‏)‏ ووزارة العمل‏(‏ ممثلة في جامعتها العمالية‏)‏ والمجلس الأعلي للشباب ببرامجه ووزارة الثقافة‏(‏ بأجهزتها‏)‏ في وضع استراتيجيات جديدة لتغيير وعي المجتمع أو علي الأقل وضع أسس تفكير جديدة تكملها الوزارات الدائمة المنوط بها الاستراتيجيات الدائمة؟ إن الأمر مستحيل دون رؤية شاملة‏,‏ كلية‏,‏ تصل بين وسائل مختلفة موزعة علي وزارات موصولة بعلاقات تفاعل وتكامل وتناغم وتعاون‏.‏ تخيل كيف يمكن لوزارات‏(‏ تسيير عمل؟‏!)‏ أن تعلم الناس في أشهر معدودة معاني المواطنة ولوازم التسامج الديني وثقافة تقبل الاختلاف‏,‏ وهي الأصل في الديمقراطية‏,‏ بل حتي ثقافة النظافة الباطنة والظاهرة؟ وكيف يمكن أن تعد عقول الناس لكي تتقبل شعارات مرفوعة وتتمثلها‏,‏ بما يحيلها إلي سلوك فعلي علي الأرض وهو هدف لا يقل أهمية ـ في تقديري عن تغيير الدستور‏,‏ والانتخابات النزيهة فالثورة التي انتقلت عدواها من الشباب إلي كل فئات الشعب لابد أن ينتقل وعيها الثقافي والفكري المتوثب بالحركة من الشباب إلي الجميع ولا أستثني من ذلك الوزراء ورئيسهم ذاته الذي لابد أن يكون حرا حرية كاملة في اختيار وزارته في ضوء الرؤية الجديدة التي لابد أن يتقدم بها‏,‏ ويتفق عليها مع المجلس لعسكري الأعلي ويتم إعلانها للناس‏,‏ ويكون هذا الاعلان إطارا مرجعيا لقواعد اختيار الوزراء ومحاسبة الوزارة نفسها وأولي هذه القواعد أن يكون الوزراء شبابا نزيها لا تتجاوز أعمارهم الخمسينيات إلا في حالة الضرورة القصوي‏.‏ وكفانا عواجيز إلا علي مستوي الاستشارة وإبداء الرأي بعيدا عن الإدارة الفعلية التي لابد أن توكل بالكامل إلي من لا يتجاوزون الخمسينيات وليس هناك ما يمنع بل من المستحسن في هذا الإطار الاستعانة بالحكماء ذوي الخبرة العملية والنظرية المطلوبة ممن يمكن الإفادة من خبراتهم أو مشوراتهم و لكي أضرب مثالا فإن اختيار وزير للبحث العلمي لابد أن يتم بعد استشارة علماء من أمثال أحمد زويل وفاروق الباز‏,‏ كما أن اختيار وزير للعدل بحكم طبيعة عمله‏,‏ يحتاج إلي مشورة أمثال رئيس نادي القضاة ورئيس المجلس الأعلي للقضاء وحكماء من أمثال أحمد كمال أبو المجد وطارق البشري وقس علي ذلك بقية الوزارات لكن ما يظل يجمع بين القواعد كلها ضرورة أن يكون لكل وزير رؤية نظرية وعملية قادرة علي السير قدما بجسارة شاب ووعي ثائر علي كل جمود أو تقهقر‏.‏ المزيد من مقالات جابر عصفور

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل