المحتوى الرئيسى
worldcup2018

مشاهد من سقوط أمن الدولة بالإسكندرية

03/07 11:24

بقلم: محمد التهاميفيلا فخمة من ثلاثة طوابق, ممنوع منعًا باتًّا مرور السيارات من أمام أبوابها, إنه مقر جهاز مباحث أمن الدولة بمنطقة الفراعنة بالإسكندرية, دخلته أربع مرات, الأولى عقب الإفراج عني في فبراير 2006م, والثانية في مارس 2006م عندما استدعاني الضابط محمد البرعي للتحقيق معي, والثالثة كانت في العاشر من يناير 2011م عندما استدعاني الرائد علي أمين للتحقيق معي حول انتمائي لجماعة الإخوان المسلمين، والرابعة والأخيرة عندما سقط هؤلاء الطغاة أمام أعيننا وهم مكبلون. إنه يوم الجمعة 4 مارس 2011م، حدث ما لا يتوقعه عقل, أن تسقط آخر قلاع الظلم والفساد والاستبداد, حقًّا لقد سقط الجهاز الذي روت دماء الشهداء أرضه, سفاحو أمن الدولة كانوا يعذبون فيه إخواننا، أمثال محمد إمام وطارق خضر والسيد بلال. أكتب هذه الكلمات حتى أحاول أن أسجل للتاريخ بعض المشاهد التي عايشتها خلال 15 ساعة, قضاها شباب الإسكندرية بين الكر والفر, أمام بوابات أمن الدولة, كانت صدورنا عارية وبنادق ومسدسات الضباط الخونة تصوب نحونا؛ ولكن شباب الإسكندرية أقسموا منذ الثالثة من ظهر الجمعة أنهم لن يغادروا إلا بعد القبض على هؤلاء الضباط السفاحين, وتحقق الأمل حتى كانت الرابعة فجرًا؛ حيث استطاع الشباب ومعهم الجيش القبض على 21 ضابطًا من ضباط أمن الدولة، بعد اقتحام المقر والتحفظ على ما فيه. المشهد الأولثبات وشجاعة شباب مصر التي صنعتها الثورة, هتافات متواصلة بسقوط الجهاز ومحاكمة كل من فيه من ضباط وأمناء شرطة منذ الرابعة عصرًا حتى الثامنة مساءً, ففوجئنا بقنابل المولوتوف والرصاص الحي الكثيف الذي يسقط على رؤوسنا من إحدى الشرفات في الدور الثالث من مقر الجهاز, وسقط أمام أعيننا المصابون، فقام بعضنا بنقلهم إلى مستشفى السلامة, وقام البعض الآخر برشق الضباط بالحجارة, فوجدت شباب الإسكندرية أكثر بطولة وأشد صلابة، عندما استشعرت أنهم يستقبلون الرصاص الحي ويردون بالحجارة, وكان الشباب يهتفون أثناء الطلقات النارية التي تقذف علينا, "اضربوا تاني.. مش بنخاف.. يسقط أمن الدولة", فقام أحد الشباب ووقف أمام باب أمن الدولة وقال: "فاكرني يا علي بك أمين, أنا نمرة 18 اللي كنت محبوس عندكم 22 يوم متغمي, فاكرني؟, أنا نمرة 18 اللي نيمتني على سرير الكهرباء وأنا عارٍ بدون ملابس, أنا نمرة 18 اللي فصلتني من شغلي بدون سبب, أنا بقولك أنا مش ماشي غير على نقالة أو أشوفك أنت على نقالة, فهتف الشباب "سلمية.. سلمية". المشهد الثانيعساكر الأمن المركزي أثبتوا رجولتهم عندما رفضوا أن يكونوا جزءًا من مسلسل سخيف يلعبون فيه دور "الكومبارس", فقاموا بالنزول من سياراتهم، وألقوا أسلحتهم أرضًا، وخلعوا ملابسهم, فمنهم من انضم للمتظاهرين وأغلبهم غادر المكان, فتجلت شهامة الشباب المتظاهرين عندما قاموا بتوقيف عدد من سيارات الأجرة "التاكسي" لمجندي الأمن المركزي حتى يغادروا المكان بسلام, وقام عدد من الشباب بجمع السلاح والملابس والعصا في عدد من "الأشولة"، وقاموا بتسليمها إلى أحد ضباط الجيش, وبعدها بدقائق واصل السفاحون من سطح الجهاز إلقاء قنابل المولوتوف, فأصابوا 2 من المتظاهرين, وأحرقوا 4 سيارات أمن مركزي- المولوتوف كان بكثافة لدرجة أنه وقع في بلكونات الجيران- وأعداد المتظاهرين في ازدياد. المشهد الثالثاستطاع الشباب في التاسعة والنصف اقتحام الجهاز من المدخل الخلفي، بعدما واجهوا العديد من الطلقات النارية، والمشهد المسيطر وقتها هي شجاعة هؤلاء الشباب, شاهدت بعيني غرفتين ممتلئتين بأكوام من الورق المفروم، وغرفة أخرى من الورق المحروق، وكانت ألسنة الحريق تتصاعد, ودخل معي أحد الشباب إلى الغرفة حتى نستطيع أن ننقذ ما يمكن إنقاذه من الملفات التي أراد الضباط أن يحرقوها حتى لا ينكشف المستور عما بداخلها, ولكن لم نجد في الغرفة سوى الرماد. المشهد الرابعأبطال الجيش والصاعقة الذين وقفوا ما بين المطرقة والسندان، فكان ضباط أمن الدولة يصوبون مسدساتهم وبنادقهم إلى صدورنا, ونحن كنا نصوب حجارتنا إلى الضباط, وكان رجال الجيش واقفين بيننا يصوبون بنادقهم لعنان السماء، يطلقون الأعيرة النارية حتى يفرقونا, مما أثار حفيظة بعض الشباب فحاول أن يشتبك مع أحد قيادات الجيش لموقفهم السلبي, فرد قائد المنطقة الشمالية الذي أصر على التواجد, قائلاً: "أفراد الجيش معرضون للخطر كما أنتم أيها الشباب معرضون", حتى رأيت أحد مجندي الجيش وهو ساقط على الأرض متأثرًا برصاصة في بطنه, فأخذ الجيش يخاطب ضباط أمن الدولة، ويأمرهم بعدم مواصلة إطلاق الأعيرة النارية, إلا أنه لم يأت رد سوى صدى أصواتهم. فبدأت الصاعقة تقتحم المبنى، وصعدوا السلالم ومعهم مئات العاشقين في أن يكونوا شهودًا على لحظة سقوط هذا الجهاز بكل عناصره، فوجدنا الأعيرة النارية من خلف أحد الأبواب المغلقة، فأصابت ضابط جيش، فهاجم الشباب والجيش الدور الأول، واستولوا على جميع الغرف, ثم الدور الثاني، واستولوا على جميع الغرف وسط هتافات "الله أكبر.. الله أكبر"، فصعد أحد عناصر الجيش إلى الدور الثالث، وقابل ضباط أمن الدولة، وتفاوض معهم على تسليم أسلحتهم مقابل تأمينهم من غضب المتظاهرين، ونقلهم بالدبابات إلى مقر الشرطة العسكرية بمنطقة سيدي جابر. المشهد الخامسضباط أمن الدولة تحولوا في دقائق إلى أسرى حرب, شاهدت 6 ضباط يخرجون من باب إحدى الغرف بالدور الثالث، وهم واضعون أيديهم على رؤوسهم خشية الضرب, فانهال الشباب عليهم بالنعال ثائرين لإخوانهم المصابين، وربما الشهداء الذين سقطوا بيننا منذ دقائق، سمعت عن ضابط حاول التنكر فقام بحلق شاربه, وآخر ارتدى ملابس سيدة, وآخر حلق شعره بالكامل, وآخر منهارًا من البكاء, وآخر فاقدًا للوعي من شدة الضرب, فقلت في نفسي "يعز من يشاء ويذل من يشاء", في ذات اللحظة شاهدت أحد الشباب في العشرينيات من عمره ذا لحية طويلة، يحمل بطانيتين وشنطة ملابس, حمله الشباب فرحًا بخروجه من إحدى الزنازين من تحت الأرض, فهتف له الجميع وأخذوا يقبلونه ويهنئونه على سلامة خروجه. المشهد السادسفي الرابعة قبل أذان الفجر شاهدت عددًا من الشباب الذين يتراوح عمرهم ما بين الـ20 والـ30 عامًا, يجوبون الزنازين التي تحطمت أبوابها, واصفين لأصدقائهم ذكرياتهم المرة الأليمة التي قضوها في التعذيب, فتحدثت مع أحدهم، فقال لي: هنا كنت أعذب صعقًا بالكهرباء, وأشار لي في مكان آخر، وقال لي: هنا كانوا يتركونني بالساعات وأنا بالغمامة، ولكن كنت أرى من أسفلها هذا المكان. المشهد السابع والأخيرلم أره للأسف, ولكني تخيلته, تخيلت أن أستيقظ وأن أرى الحكام العرب وهم يقولون لشعبهم "لقد فهمنا", فهمنا مطالبكم, فهمنا أنكم شعب، وحقًّا علينا كحكام أن نحميكم، وأن نوفر لكم جميع الحقوق والاحتياجات التي تحقق لكم حياة شريفة, ولكني ذهبت إلى منزلي بعدما صليت الفجر, ونمت واستيقظت, ففتحت قناة (الجزيرة)، ووجدت القذافي يكرر كلامه الجنوني, ويقول "أنا قائد ثورة, أنتم كلكم جرذان.. أنا البطل.. أنا.. أنا.. أنا", وعندها تيقنت أن مشهدي السابع ما زال حلمًا، فأتمنى أن يتحقق حتى لا يكون مصير الحكام العرب مصير "بن علي" و"مبارك المخلوع". 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل