المحتوى الرئيسى

زمن أشباه الرجال!

03/06 13:16

بقلم: المستشار فؤاد راشدلم يكن الرئيس المخلوع عند توليه الحكم يحظى بشعبية، ولا عُرفت له سابقة اهتمام بالشأن العام, وكان بادي الجهامة، حتى إن مَن تعاملوا معه كانوا يجمعون على خشونة حديثه, ولكن الناس عزوا أنفسهم عن ذلك بما رُوّج له عن استقامته ونقاء سيرته، وما أعلنه هو نفسه عن الكفن وأنه بلا جيوب, وتعشم الكثيرون- وكنت أحدهم- أن يكون درس المنصة ماثلاً أمام عينيه، مذكرًا إياه بمعنى أن يغضب الشعب على حاكمه. وكان هناك نوع من التفاؤل المشوب بالخوف من مبارك؛ لأنه لم يبد أبدًا حساسية تجاه رأي الشعب فيه، ولا عُرِف عنه الحرص على أن يكون محبوبًا قريبًا لقلوب الناس, ولكن البدايات عمومًا كانت تشير إلى استيعابه درس مَن سبقه, وقد حدث يومًا أن صحيفةً نشرت في بدايات حكمه خبرًا تزلفيًّا مؤداه أن أمنية قرينته كوب لبن لكلِّ طفل مصري, وعندها قامت الدنيا على الصحيفة، وجرى تنبيه الناس إلى أن زمنًا ولى ولن يعود, فقد سبق للسادات أن اعتبر أجهزة الإعلام شأنًا عائليًّا صرفًا, وكان ذلك ضمن أسباب كثيرة للسخط عليه. ودارت العجلة, وسرعان ما التفت حول الرئيس شراذم من بقايا كلِّ العصور من الآكلين على كلِّ الموائد, وقاموا بشر مهمة تقوم بها حاشية سوء، مستغلين أمرين: أولهما ضعف حظ الرجل من الثقافة والحصانة الشخصية عمومًا، والثاني رغبته في البقاء الأبدي في السلطة حتى قبل أن يلوح في الأفق شبح التوريث لولده المرفوض من طوب الأرض عدا قلة من مصاصي الدماء ممن اعتبروه زعيمًا ثوريًّا, وشر البلاء يضحك!. بمرور الوقت بدأت كلُّ الخطوط في سياسة مبارك تتجمع عند محور واحد، سيما مع ظهور الوريث المتلهف, هو البقاء في الحكم حتى يورثه لولده, وراح يقيم حكمه على دعامات واضحة, في الخارج راهن على الانسحاق الكامل وغير المشروط لكلِّ الإملاءات الأمريكية والصهيونية، فتواطأ على ضرب العراق وفلسطين ولبنان، وموَّل الانفصاليين بجنوب السودان بالسلاح, وكان من العار أن يوصف على لسان مسئول صهيوني بأنه (كنز إستراتيجي) للكيان الصهيوني الغاصب لأرضنا في فلسطين, والحقيقة أن الصهيوني محقُّ تمامًا في الوصف, وليأذن القارئ في أن أروي رواية عاينتها, فقد كنت ضمن مجموعة حاولت دخول غزة لمؤازرة أهلنا بها، وهم واقعون تحت حصار العدو من كلِّ جهة, والعدو هنا ليس الصهاينة وحدهم وإنما معهم الكنز الإستراتيجي, وقد حوصرنا في محاولات ثلاث, وفي المرة الثالثة سحل زبانية مبارك بعض الرجال وبعض النساء عند مجلس الدولة, ثم التأم شملنا عند نقابة الصحفيين, ورحنا نتحدث أمام أجهزة الإعلام في أسى وغضب شديدين, وقد قلت يومها إن الحب في صورته الإنسانية أعمى؛ ولكن يبدو أن العشق في السياسة أشد عمى وأبعد ضلالاً, وكنت وما زلت لا أجد تفسيرًا لمنع الناس من الذهاب إلى حيث يصدهم الصهاينة، إلا أن يحمل الرجل عن أحبابه تبعة اللعنات لتصب على رأسه هو بدلاً من رءوسهم!. وأما على الصعيد الداخلي فكان الرهان على عدة أمور، أولها العصا كخيار إستراتيجي حاسم, مع فتح خزائن البلد لعصابات إجرامية شرهة, ولم يقف القانون حائلاً ولا حتى جرى تطويعه ليسهل السرقات، وإنما تحوَّل المجلس التشريعي إلى صكاكة للقوانين المشرعة للنهب العام, وتحوَّل الوطن إلى غنيمة للذئاب الجائعة وجيوش النهب المنظم باسم القانون!. وارتكز النظام أيضًا على جهاز إعلامي، مهمته اليومية تخدير الناس وإلهاؤهم وتزييف وعيهم, وراحت الأموال تغدق على نحو أسطوري على البعض من جراء دوره في بثِّ الإلهاء العام, وكانت هناك مشاهد مضحكة مبكية كأن يُقام سرك لاثنين من ديوك الحكومة ليتناقرا ويكونا باب إلهاء وحديثًا للناس بضعة أيام! أو أن يصور مجد مصر في نتيجة مباراة كرة قدم, ثم يهب الشتامون ومَن لا نعرف من أي منبع بلاء ومنبت سوء هبطوا علينا ليسبوا أشقاءنا في أرض الجزائر العربية الحرة الأبية التي اختلط دم أبنائها بدم أشقائهم أبناء الكنانة في حرب أكتوبر العظيمة!.  وفي كلِّ هذا جرى أمر رهيب.. أقولها واثقًا حزينًا معًا, وهو اختيار المسئولين في أكثر الأحوال بعد عرضهم على أجهزة تفحصهم ظاهرًا وباطنًا، فضلاً عن معرفة تاريخ كلٍّ منهم والتحقق في النهاية ليس فقط أنهم لا يعارضون ولم يعارضوا طوال حياتهم, وليس فقط أنهم لم يكونوا يومًا أصحاب موقف؛ وإنما كان لا بدَّ من التحقق أنهم- أقولها آسفًا- من أشباه الرجال, باعتبار أن من المتيقن- علميًّا- أن الخيل المخصية لا تصهل!. وأنا أضع معياري إلى حيث يختبر, وأتساءل هل رأينا مسئولاً يتمعر وجهه لباطل وقع أو حق أُهدر؟.. مات الشهداء في القطارات حرقًا وفي العبارة غرقًا فلم نر وجهًا بدت عليه حمرة الخجل فاستقال, وانهارت صخور الدويقة ومات تحتها شهداء؛ فلم يخجل مسئول واحد ويقدم استقالته, وتشرَّد الناس بلا مأوى وسكنوا القبور بينما أموالهم تُنهب بالتريليونات ولم يرحل أحد, وصارت المستشفيات خرابًا يبابًا وانهار التعليم انهيارًا كاملاً، ولم يذهب أحد بل بقي الكل متشبثين بالكراسي!، بل إن مسئولين شتموا وسبوا آباءهم- كما روي ثقات- ولم يستقل أحد!. وانظروا معي اليوم إلى بعض رجال الإعلام, ممن لعنوا الثورة ووصف الثوار بأشنع النعوت وتباروا في إهدار دمهم, ثم فجأة وعلى حين غرة تحولوا بقدرة قادر إلى لعن اللصوص وسفاكي الدماء من سادتهم السابقين وسبحان مغير الأحوال. بين يوم وليلة تحول (المساخيط) وأشباه الرجال ليس بزاوية حادة ولا قائمة بل بزاوية مائة وثمانين درجة, لا خلال عام أو حتى شهر حتى يُقال إنهم راجعوا أنفسهم وإنما بين عشية وضحاها. كان الطبيعي- لو كانت لدى البعض ذرة حياء أو كرامة أو شرف أو كبرياء أو خلق- أن يبادر كل مَن سار في ركاب حكم العار والشنار والذل وسفك الدماء الزكية, وكل مَن روَّج وكل مَن ساعد أن يرحلوا غير مأسوف عليهم, ولكن كيف يرحلون؟ وما الدافع أصلاً؟ ولو كانت هناك بقية مما تقدم لما تردَّوا إلى الحضيض الذي هبطوا إلى قاعه؟. إنني أفهم أن يختلف الناس على فرق الكرة, وأن يميل بعضهم إلى فريق من الدرجة الثالثة, وأن يختلفوا في حبِّ المطربين مهما تدنى حظهم من الفن, وحتى أفهم أن يكابر مكابر فيقول إننا في الليل بينما الشمس ساطعة في رائعة النهار, ولكن ما لا يفهمه إنسان أن أحدًا كان يؤمن أن مبارك يعمل في خدمة المصريين وليس في خدمة شخصه وعائلته لا أكثر حانثًا بالقسم الجمهوري الذي يحلف فيه على الحفاظ على النظام الجمهوري وأرض الوطن ومصالح الشعب وليس صالحه وصالح عائلته ومصالح الصهاينة التي فتح لهم سيناء بدون تأشيرات!. ألم تروا وجوه المسئولين وكلهم أمل في البقاء إن لم يكن عامًا فليكن شهرًا أو أسبوعًا أو حتى ما دون ذلك, وهم على كامل الاستعداد لتقديم خدماتهم لِمَن يدفع! ألم نقرأ الصحف ونشاهد البرامج مذهولين ممن لا يستحون، حتى إن بعضهم يزعم أنه كان مع الثورة، وأن أبناءه أو أخواله أو إحدى خالاته كانت مع الثوار؟!. إن هؤلاء- فيما يبدو- يعرفون مقامهم جيدًا، وأنهم لا يرحلون، بل يُكنسون كنسًا، ويُلقى بهم إلى حيث يستحقون ككل النفايات البشرية!. إننا نتمنى أن نعيش لنرى مسئولين يعرفون في قواميس حياتهم كلمة الاستقالة, وهي الوجه المرادف لقيم الشرف والنزاهة والاستقامة والكرامة والضمير!!.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل