المحتوى الرئيسى

ثروت الخرباوي : تعديلات الدستور تخالف الدستور

03/06 10:47

لأنه لا يجوز أبدا أن تكون مواد الدستور منتقاة من عدة مدارس دستورية مختلفة ، كما أنه لا يجوز ترقيع الدستور بمواد تتنافر مع ” روح الدستور ” لذلك فإنني أستطيع القول بأن التعديلات الدستورية التي انتهت إليها لجنة التعديلات ـ مع الاحترام والتقدير لكل أعضائها ـ هي تعديلات تخالف ” روح الدستور ” أو بمعنى آخر ” تعديلات الدستور تخالف الدستور ” ولأن المقــــام لا يتسـع لمناقشة كـــــــل التعديلات لذلك فإنني سأناقش البعض وإن كان هذا البعض سيلقي الضـــــــوء على فكرتي عن الكل . أغرب ما في التعديلات هو ما ورد في المادة 76 ، تلك المادة التي كان من المفترض أن تخفف القيود التي تمنع الترشيح لوظيفة رئيس الجمهورية ، وتسمح بالطعن على قرارت لجنة الطعن في الانتخابات فإذا بهذه اللجنة تلغي القيود السابقة … حسنا فعلت ، ولكنها للأسف الشديد وضعت قيودا جديدة وكأن المشكلة كانت تكمن في نوعية القيود فبدلا من أن تكون حديدية فلا مانع من أن تجعلها اللجنة حريرية ، وكما يقول المثل المصري الشعبي ” وكأنك يا أبو زيد ما غزيت ” . كنا في ظل المادة 76 السابقة ــ المأسوف عليها والمأسوف منها ــ نضج بالشكوى من ذلك التفصيل الملاكي الذي يقصر حق الترشيح لـ ” وظيفة ” رئيس الجمهورية على شخص بعينه ومعه أشخاص بأعينهم يقومون بدور الكومبارس في الانتخابات ـ كما حدث في انتخابات 2005 ـ فذلك المواطن الذي يحلم بأن يكون رئيسا للجمهورية ينبغي عليه أن يحصل على المستحيلات الثلاث ، الغول والعنقاء والخل الوفي ، فقد ألزمه الدستور المُفصَّل على أن يحصل على تأييد مائتين وخمسين عضوا على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلسي الشعب والشورى والمجالس الشعبية المحلية للمحافظات ، على ألا يقل عدد المؤيدين عن خمسة وستين من أعضاء مجلس الشعب وخمسة وعشرين من أعضاء مجلس الشورى ، وعشرة أعضاء من كل مجلس شعبي محلى للمحافظة من أربع عشرة محافظة على الأقل …. ووفقا لنص المادة المأسوف عليها يجب أن يزداد عدد المؤيدين للترشيح من أعضاء كل من مجلسي الشعب والشورى ومن أعضاء المجالس الشعبية المحلية للمحافظات بما يعادل نسبة ما يطرأ من زيادة على عدد أعضاء أي من هذه المجالس …. ثم قطعت المادة الطريق أمام أي منافس بأن قالت ” وفى جميع الأحوال لا يجوز أن يكون التأييد لأكثر من مرشح ” بمعنى أن السيد الموقر عضو مجلس الشعب أو السيد المحترم عضو مجلس الشورى أو الأستاذ الفاضل عضو المجالس الشعبية إذا أعطى تأييده لشخص لا ينبغي له ان يعطي تأييده لشخص آخر !! . كان المطلوب في السابق إذن أن “يدوخ” المصري الوطني المستقل والذي له طموح الرئاسة ” السبع دوخات ” ليحصل على موافقة المستحيل ، والمستحيل الممثل في المجالس المنتخبة لن توافقه على طموحه لأن هذه المجالس جاءت على ” مقاس ” صاحب المحل وولده . أما الأحزاب فحالها بالنسبة لانتخابات الرئاسة مثل حال ” جان فالجان ” بطل رواية ” البؤساء ” لصاحبها “فيكتور هوجو” فقد اشترطت المادة المتعسفة على الحزب الذي يريد أن يرشح أحد قياداته في انتخابات التعاسة ” الرئاسة سابقا ” أن يكون قد مضي علي تأسيسه خمسة أعوام متصلة علي الأقل قبل إعلان فتح باب الترشيح، حتى لا يفكر أي حزب جديد في الولوج إلى طريق الرئاسة وفقا لنظرية ” الذين اختشوا ماتوا ” واشترطت المادة اللا دستورية أن يكون الحزب الذي يريد الرئاسة مستمرا في نشاطه طوال الخمس سنوات ـ حتى لا يفكر ضحايا حزب العمل أو أي حزب موقوف في انتخابات “حلمة أذنهم أقرب إليهم منها ” ليس هذا فحسب فلو كان ذلك كذلك لهان الخطب ولكن المادة سيئة السمعة اشترطت حصول الحزب قليل الفهم الطامع في الرئاسة في آخر انتخابات برلمانية وشورية علي نسبة(3%) علي الأقل من مجموع مقاعد المنتخبين في مجلسي الشعب والشورى، أو ما يساوي ذلك في أحد المجلسين، كما ألزمته المادة المذكورة أن لا يرشح أي شخص من أشخاص قيادات الحزب أو أفراده ولكن يجب أن يكون المرشح المختار أحد أعضاء الهيئة العليا للحزب وفقا لنظامه الأساسي متى مضت علي عضويته في هذه الهيئة سنة متصلة علي الأقل !! . وحتى لا يفكر عقل أحد الطيبيين السذج في اللجوء للقضاء طعنا على الانتخابات في مراحلها وحتى مرحلة إعلان النتيجة قامت المادة 76 المنصرمة بوضع لجنة مقدسة لا يجري عليها البطلان وقراراتها مبرأة مسبقا من كل عيب .. هذه اللجنة هي اللجنة القضائية التي يرأسها رئيس المحكمة الدستورية وتكون قراراتها نهائية لا يجوز الطعن عليها نهائيا أمام أي جهة !! . وعندما تحدث الشرق والغرب عن عيوب هذه المادة وكتبنا كلنا عن عيوبها وعن أنها حرمت ومنعت وحجبت ولم تجعل المواطنين أمام القانون سواء فوضعت ريشة على رأس البعض ووضعت إكليل الغار على رأس البعض الآخر في حين أنها وضعت ” طاقية الإخفاء ” على رأس المغضوب عليهم كيلا يظهر أي اثر لهم في الانتخابات الرئاسية ، وإذ ظهر غياب العدالة عن مادة الدستور التي ينشد العدالة ، بعدئذ تنفسنا جميعا الصعداء عندما بدأت لجنة التعديل تعديل ما ينبغي تعديله وطالبنا جميعا بأن تكون المادة 76 هي المادة الأولى التي يجب أن يرد عليها الإنهاء وسبحان من له الدوام ، ولكن لسبب أو لآخر قامت لجنة التعديل بتعديل المعوقات لتضع بدلا منها معوقات أخرى ولكنها معوقات تأتي على مقاس آخرين !! . المادة الجديدة المقترحة من اللجنة تنص على أنه (يلزم لقبول الترشيح لرئاسة الجمهورية أن يؤيد المتقدم للترشح ثلاثون عضواً على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلسي الشعب أو الشورى ) والمادة هنا ـ أكثر الله من خيرها ـ خفضت عدد الأعضاء الذين سيوافقون على المرشح إلى ثلاثين عضوا .. فإذا فشل الأخ الطامح في الرئاسة في الحصول على هذا العدد من الأعضاء المحترمين فعليه أن ( يحصل على تأييد ما لا يقل عن ثلاثين ألف مواطن ممن لهم حق الانتخاب في خمس عشرة محافظة على الأقل، بحيث لا يقل عدد المؤيدين في أي من تلك المحافظات عن ألف مؤيد وفى جميع الأحوال لا يجوز أن يكون التأييد لأكثر من مرشح ) !! . هنا سيقع الراغب المستقل في الترشيح وفقا للمادة الجديدة من طوله وهو يدور على المحافظات ليجمع التوقيعات المؤيدة له ، فإذا نسي أحد المؤيدين ووقّع لراغب آخر فلن يحسب توقيعه لا هنا ولا هناك وبالتالي سيفقد الأخ الطامح في الرئاسة عقله بالإضافة إلى صوت قد يطيح به من دائرة المرشحين ، ولكن الأمر اللافت للنظر هنا هو رقم الثلاثين !! إذ أن عدد أعضاء الشعب والشورى الذين يجب أن يؤيدوا الأخ الذي يرغب في الترشيح حددتهم المادة بثلاثين ، ثم حددت عدد المواطنين بثلاثين ألف مواطن ، وكأن هذا الرقم هو الباب السحري للعبور للرئاسة !! ثم تلطفت المادة بالنسبة للأحزاب السياسية ونصت على أنه (لكل حزب من الأحزاب السياسية التي حصل أعضاؤها على مقعد على الأقل بطريق الانتخاب في كل من مجلسي الشعب والشورى في آخر انتخابات، أن يرشح أحد أعضائه لرئاسة الجمهورية ) . وكأن المقصود هنا هو تعجيز المستقلين المنكوبين وتقليل عدد المرشحين من الأحزاب لغير سبب وكأن زيادة عدد المرشحين على هذه الوظيفة مسبة في حق الانتخابات ، وإذا كان مقصد اللجنة هو ” ضمان جدية المرشح ” فلا يكون ذلك عن طريق هذه الشروط الغريبة التي سارت على منهج الشروط الأولى التي وصفها الكل بالتعسف ، إذ أن هذه المادة بشروطها تعتبر مادة وصاية على الناخبين ، تقول لهم سنكون نحن أوصياء عليكم لأنكم لا تعرفون أصول اختيار المرشحين لذلك سنمنع عنكم من نرى أنه ليست له شعبية ، إذا قد تضلون الطريق وتختارون الرويبضة والشنقيط وابن السميدع !! فأنتم لا أهلية لكم في الاختيار ونحن ” المصفاة ” التي من حقها أن تضع لكم أشخاصا بأعينهم لتختارون من تريدون منهم ، هذه المادة تذكرني بصديق لي أحضر لابنته عريسين اثنين وقال لها لن أجبرك على الاختيار فأنت حرة فإما أنت تختاري الأول أو تختاري الثاني ولكن يجب أن تختاري أحدهما فجبن أن لا تختاري !! . ضمان الجدية أيتها اللجنة الموقرة لا يكون أبدا بوضع العقبات أمام المرشح ولكن بإظهار جديته ، وفارق بين الجدية والشعبية ، فالشعبية سيحددها الناخب الذي سينتخب أما الجدية فهي ضمانات تدل على أن هذا المرشح لا يهزل في موضع الرئاسة ، ومنها مثلا أن المرشح يجب أن ينفق نفقات معينة قلّت أو كثرت في حملته الانتخابية ولضمان هذا الإنفاق فللمادة أن تشترط عليه أن يكون له أرصدة أو حسابات بمبالغ ما في أحد البنوك المصرية ، وقد يكون لضمان الجدية مثلا أن تلزمه المادة الدستورية بسداد مبلغ ما كتأمين يرد إليه بعد الانتخابات إذا فاز ويصادر منه إذا لم يحصل على حد معين من الأصوات ، أو تجعل تحديد هذه المبالغ للقوانين المنظمة للانتخابات . وإذا نظرنا بالنسبة للمستقلين وقلنا في أنفسنا يا ترى وهل يا ترى … من الذي سيستفيد من هذا التعديل ، قد أقول أنا وأنا خالي البال لا أحد … ولكن سيجيب عليَّ صديقي الأستاذ صبحي صالح عضو لجنة التعديل والقانوني الكبير والمحامي اللامع والإخواني اللبيب بأن هذه الشروط قد تُعجز المستقل الحقيقي بطبيعة الحال ولكنها لن تعجز المستقل الذي ينتمي إلى تنظيم ما أو جماعة ما فمن السهل عليه أن يحصل بعلاقات جماعته على موافقة ثلاثين عضوا برلمانيا أو يحصل على موافقة ثلاثين ألف من المواطنين وفقا للشروط التي اشترطتها المادة ، وحينها سأقول له : يا أستاذ صبحي وهل بهذا سيكون المواطنون أمام القانون سواء ؟ . أما الذي أثار أسفي فهو ذلك الشرط الذي تركه المستشار الوطني الحصيف الحكيم طارق البشري في تلك المادة المتهالكة وهو أن تكون قرارات اللجنة المشرفة على الانتخابات قرارات نهائية لا يجوز الطعن عليها أمام أي جهة وبأي شكل !! أقول أثار أسفي وعجبي لأن المستشار البشري نفسه كان قد أصدر العديد من الأحكام حينما كان رئيسا لمحكمة القضاء الإداري قال فيها (إذا كان من المسلم به أن الدولة بمؤسساتها لا تقوم إلا على مبدأ “المشروعية” والذي يعنى سيادة حكم القانون والذي من مقتضاه أن تخضع الدولة في تصرفاتها للقانون القائم لا تحيد عنه قيد أنملة ، كما أن من مقتضاه رقابة الدولة في أدائها لوظيفتها بحيث يمكن أن يردوها – عن طريق القضاء – إلى جادة الصواب كلما عنّ لها أن تخرج عن حدود القانون عن عمد أو إهمال دون أن تتذرع بحصانة قراراتها أو قداسة تصرفاتها ) . وعقب هذا المبدأ الذي استقر عليه المستشار البشري ذهبت محكمة القضاء الإداري بصدد لجنة انتخابات الرئاسة عام 2005إلى أن ( اللجان القضائية مهما كان تشكيلها هي لجان إدارية لا يجوز تحصين قراراتها) اللجنة القضائية يا أعضاء لجنة التعديلات هي لجنة إدارية حتى وإن كان رجالها من رجال القضاء ، فليست قرارات اللجان القضائية قضائية وفقا لما ذهبت إليه المحكمة الدستورية في العديد من أحكامها ، هذه معلومة بديهية ، وبما أنها لجنة إدارية فينبغي أن تخضع قراراتها لرقابة القضاء فهي ليست لجنة مقدسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، ثم أنني لا أعرف لماذا تتقدس قرارات هذه اللجنة وتكون بمنأى عن الطعن عليها !! مطلوب التعليل من لجنة التعديل . المادة الأخرى التي تُكلف بمستحيل وبما لا يطاق وبما لا يجوز هي المادة 93 المعدلة إذ أنها تعطي الاختصاص في الطعن على صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب للمحكمة الدستورية ، والمحكمة الدستورية لا يمكن أن تطيق ذلك فهي أولا لها مهمة محددة وفقا لقانون إنشائها هو الفصل في مدى دستورية القوانين … فما علاقة وظيفة المحكمة الدستورية هنا بالفصل في صحة عضوية أعضاء بمجلس العب إلا إذا اعتبرنا أن أعضاء مجلس الشعب المطعون في عضويتهم هم بمثابة قانون مطعون في دستوريته !! المحكمة المختصة والتي يجب ان تكون مختصة هي محكمة النقض وقد كانت كذلك في الدستور السابق ولكن الدستور كان قد جعل قيدا عليها إذ اعتبر أن ما يصدر منها مجرد قرارات يكون لمجلس الشعب إقرارها أو رفضها … فهل العيب هنا كان في محكمة النقض أم في جعل مجلس الشعب رقيبا على أحكام النقض ؟!! ألا يذكركم هذا بـــذلك الرجل الذي كــــــان اسمه “جمال شخابيط ” فسخر الناس من اسمه فغيره إلى “علاء شخابيط ” elkherbawy@yahoo.com مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل