المحتوى الرئيسى

حاتم حافظ : رسالة مخلصة إلى السلفيين والسلفيات

03/06 10:21

إخواني في الوطن من السلفيين والسلفيات، تابعت باهتمام شديد دعوتكم إلى دولة إسلامية، وتحذيركم إخوانكم من إقامة دولة مدنية ديمقراطية، وهي الدولة التي ارتضى إخوانكم أن يُقتلوا بالرصاص الحي وأن يُضربوا بقنابل الغاز وبالهراوات الغليظة من قِبل رجال الأمن من أجلها. ولهذا أحببت أن أقول لكم وألفت انتباهكم إلى عدة نقاط، وأرجو أن تشاركوني الانتباه إليها. أولا: ما أن أعلن الرئيس السابق تخليه عن السلطة، وتكشف للعالمين أن النظام الذي قاوم الثورة الشعبية التي شارك فيها ما يقرب من عشرة ملايين مواطن مصري قد تهاوى، حتى خرجت مظاهرة سلفية في شوارع الهرم، هي الأولى منذ ما يقرب من عشرين عاما، تنادى بالدولة الإسلامية، دون أن يعترضها معارض أو قامع. ثانيا: لم تمض ساعات قليلة حتى عقدت الجماعة الإسلامية اجتماعا، هو الأول منذ عقدين تقريبا، ثم أعقب الاجتماع بأيام قليلة انعقاد مؤتمر عام للجماعة الإسلامية، هو أيضا الأول منذ عقدين أو أكثر، منذ أن لاحقتها الأجهزة الأمنية اغتيالا واعتقالا وتضييقا. ثالثا: لم تمض أيام قليلة حتى وأعلنت جماعة الإخوان المسلمون عن عزمها إنشاء حزب سياسي تشارك به في الحياة السياسية الآخذة في التشكل، وهو العزم الذي تأخر تنفيذه عقود كثيرة لأسباب كلنا نعرفها. هذه التحركات التي حدثت من قِبل ثلاثة من أهم الفصائل ذات المرجعية الإسلامية على اختلاف درجة تشددها: السلفية والجماعة الإسلامية والإخوان المسلمون، لم تكن لتحدث لولا أن الثورة الشعبية الجارفة التي أسقطت النظام كانت ثورة من أجل دولة مدنية ديمقراطية تسمح بتجاور الأضداد وتحاورهم وتنافسهم السلمي، سياسيا، من أجل صلاح وتقدم هذا الوطن. إن الدولة المدنية التي قد تختلفون بشأنها هي ما ضمنت لكم هذه الأيام وتضمن لكم الأيام القادمة الحق في التعبير السلمي عما تعتقدونه، مهما كان ما تعتقدونه مخالفا لرأي الآخرين، ولمعتقداتهم. الدولة المدنية يا إخواني ليست كما تظنون بها دولة بلا دين، بل هي على العكس تماما، إنها الدولة التي تضمن لأي منا، مسلمين ومسيحيين، من أبناء الوطن الواحد، الحق في إقامة شعائره وعباداته دون قيد، فلا شرط في إقامة هذه الشعائر والعبادات إلا شرط قبول أن الحق نفسه مشروع ومتاح للآخرين، كعربة قطار واحدة يتجاور فيها السلفى والإخواني والمتدين البسيط وغير المتدين والمسيحي المتدين والمسيحي المتشدد والمسيحي غير المتدين، دون أن يعني هذا التجاور تجنيا على حق أحدهم في ممارسة حياته كيفما شاء، وكيفما يملى عليه ضميره وعقله، ودون أن يعني هذا التجاور أن عربة القطار تمضي للانحراف عن جادة الطريق، طريق المستقبل الذي نتمناه كلنا لوطننا، مهما كانت اختلافاتنا الدينية والسياسية والفكرية. الدولة المدنية وحدها هي الضمانة الوحيدة لحريتنا كلنا، حريتنا في التعبير عن اختلافنا، وحريتنا في التفكير دون قيد أو شرط، وحريتنا في إبداع مستقبلنا، وحريتنا في الدعوة لما نفكر فيه ونعتقده. أما الدولة الإسلامية التي تنشدونها فهي اليوتوبيا التي من حقكم الدعوة لها، دون أن تصبح دعوتكم هذه تجنيا على حق شركائكم في الوطن، ليس المختلفين معكم دينيا فقط، ولكن أيضا المختلفين معكم في طريقة عبادة الإله ذاته. أثق في وطنيتكم وفي إيمانكم بأن الوطن المصري يستحق أن يكون أفضل حالا مما هو عليه، لكن هناك مواطنين آخرين يؤمنون أن الوصول لما يستحقه الوطن له طريق، بل طرق، مختلفة، فالذين ينشدون استحقاق مصر لمكانة أفضل وأجمل يمضون في طريقهم على اتساع الطيف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولا بلوغ لأي مما نحلم به لهذا الوطن إلا بالتشارك في الحلم، والتشارك في العمل، التشارك في تبادل الحلول، وتبادل الأفكار. والدولة المدنية وحدها هي ضمانة هذا التشارك وهذا التبادل، لأنها أكثر الأشكال السياسية للدول ضمانة لألا يكون هناك مواطن من الدرجة الأولى ومواطن من الدرجة الثانية. إخواني السلفيون نحن، المختلفون معكم، علينا أن نتعلم من الآن، بعد تخلصنا جميعا من عنف الدولة الديكتاتورية ومن قهر النظام الاستبدادي، أن نتقبل تجاوركم وتشارككم معنا في بناء هذا الوطن، رغم اختلافنا معكم ومع الطريقة التي تفكرون بها، بالقدر نفسه الذي عليكم أن تتعلموا من الآن أن تتقبلوا تجاورنا وتشاركنا معكم في بناء هذا الوطن، الذي يستحق أكثر بكثير مما صنعه أسلافنا به. فلنتشارك معا في بناء وطن مدني ديمقراطي يسمح بالاختلاف ولا يُكفّر المختلف ولا يُخوّنه ولا ينتقص من وطنيته وإخلاصه، ولا يقسمنا إلى مؤمنين وكافرين، ولا يصنفنا في خانات، فهذا في خانة المعتدلين، وذاك في خانة مثيري الشغب، كما كان يفعل النظام الاستبدادي الذي خرجنا جميعا إلى ميدان التحرير، باختلاف معتقداتنا وأفكارنا ومواقعنا، لإسقاطه ولاستبداله بنظام مدني ديمقراطي يسعنا جميعا.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل