المحتوى الرئيسى

حالة حوار التطهير العرقي السياسي

03/06 00:04

واحد من تجليات سقوط النظام السابق هي تلك الفكرة المتوحشة الغريبة‮ ‬التي تملكت أعضاء أمانة السياسات في الحزب الوطني،‮ ‬وأنفذوها واقعاً‮ ‬يتفسر فوق‮ ‬الأرض في الانتخابات البرلمانية السابقة،‮ ‬حين قاموا باقتلاع المعارضة تماماً‮ ‬ وهندسوا زوراً‮ ‬ مجلس شعب خلواً‮ ‬من المعارضة،‮ ‬وهو ما أطلقت عليه في حينه التطهير العرقي السياسي،‮ ‬تشبيهاً‮ ‬بما جري علي أيادي الصرب في الاتحاد اليوغوسلافي السابق من عمليات الإبادة الوحشية ضد المسلمين‮.‬وخطورة ما جري في تلك العملية المعيبة لم يك الجانب الانتخابي والمتعلق بحجب ممثلي أحزاب المعارضة أو جماعة الإخوان المسلمين عن مقاعد برلمانية يستحقونها،‮ ‬ولم يك لأنه أدي إلي إسقاط‮ »‬النظام‮« ‬تقريباً،‮ ‬ولكن لأنه أوشك علي تهديد‮ »‬الدولة‮« ‬نفسها بالسقوط‮.‬إذ دهست جماعات الكاوبوي السياسي من أمانة السياسات في طريقها حضور المؤسسة التشريعية في الدولة،‮ ‬كما أطاحت مؤسسة القانون،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن اغتيال مجموعة من قيم الديمقراطية أو التعدد أو الليبرالية،‮ ‬أو حتي الحفاظ علي التوازن السياسي الطبيعي في المجتمع‮.‬وحين قامت ثورة ‮٥٢ ‬يناير قلنا إنها وقعت كنتيجة مباشرة للانسداد السياسي الذي سببته عملية التطهير العرقي السياسي المذكورة،‮ ‬وتحت شعارات واضحة عن الحرية والكرامة،‮ ‬وكبرياء المواطن،‮ ‬والإصلاح السياسي،‮ ‬بالإضافة إلي العدل الاجتماعي الذي تأذي كثيراً‮ ‬ من انسداد اجتماعي تسببت فيه قرارات وتوجهات حكومة أحمد نظيف وسياسات أمانة السياسات‮.‬وكان واحداً‮ ‬من أكبر النتائج التي أدت إليها ثورة يناير حين أسقطت‮ »‬النظام‮« ‬هو الكشف عن أكبر عملية فساد ونزح للثروة في تاريخ البلاد،‮ ‬والتي شملت كل رموز ومسئولي النظام،‮ ‬حتي أن البدء بأي خيط يخص أحدهم أو يرتبط به لابد أن يسلمنا إلي الآخر فالآخر،‮ ‬وبما ذكرني برسمة كاريكاتورية أمريكية شهيرة منذ ما يقرب من مائتي عام حول فساد حاكم نيويورك ويليام ماري تويد حين صوره الرسام وسط دائرة واسعة من مساعديه ومعاونيه،‮ ‬وكل منهم يشير إلي الآخر،‮ ‬فيما كتب الرسام تحتها‮: »‬من سرق أموال الشعب؟‮«!!‬وتابعنا بإعجاب ومصادقة إصرار شباب يناير علي تحقيق مطالبهم السياسية التي يحققونها ويدركونها واحداً‮ ‬تلو الآخر‮.‬ولكن في الحقيقة كان هناك ما أقلقنا،‮ ‬وهو أن بعض أولئك الشباب‮ »‬لا نقول كلهم‮« ‬التزموا ما يمكن تسميته كذلك منطق التطهير العرقي السياسي في تصديهم لعناصر النظام السابق‮.‬بمعني أن بعض شطط أو مغالاة‮ »‬نتفهمه في إطار الحماس الزائد أو في إطار رد الفعل لصدمة اكتشاف حجم الفساد‮« ‬وصل بهم إلي ما يشارف ثقافة الاجتثاث،‮ ‬فيما هم في الأصل والأساس ثاروا علي من ينتمي إلي ظواهر الفساد والطغيان،‮ ‬واحتقنوا بالغضب إزاء من أساء إليهم،‮ ‬أو وصف ثورتهم النقية الوضاءة بما ليس فيها فحسب‮.‬يعني الشباب مرة أخري ثاروا ضد‮ »‬النظام‮«‬،‮ ‬ولم يثوروا ضد‮ »‬الدولة‮«‬،‮ ‬واستمرار عمليات التطهير العرقي السياسي‮ »‬عاطلاً‮ ‬مع باطل‮« ‬تهدد كيان‮ »‬الدولة‮« ‬وليس‮ »‬النظام‮« ‬السابق‮.‬تلك مسألة رغبت في إيرادها بأكبر قدر ممكن من الحساسية،‮ ‬داعياً‮ ‬النابغين من مثقفي يناير إلي إعطائها وقتاً‮ ‬كافياً‮ ‬أو مساحة مناسبة من الاهتمام والمناقشة‮.‬إذ أن الوثائق التي ستتخلف عن ثوار يناير‮ »‬تاريخياً‮« ‬ليست المتعلقة بأسباب الثورة علي النظام،‮ ‬ولكنها المتعلقة بطرق بنائهم عصراً‮ ‬جديداً‮.. ‬وقد سمعت مثلاً‮ ‬ من يقول‮: ‬إن فلاناً‮ ‬مرفوض لأنه كان جزءاً‮ ‬من نظام مبارك،‮ ‬وطرح الموضوع علي ذلك النحو فيه خطأ كبير،‮ ‬لأن السؤال فيما هو مفترض‮: »‬ماذا كان ذلك الفلان يفعل في نظام مبارك؟‮«‬،‮ ‬وهي‮ »‬كان جزءاً‮ ‬من آلته الحزبية مثلاً‮ ‬ أو عنصراً‮ ‬من آلته التنفيذية أو ضالعاً‮ ‬في فساد جماعة رجال الأعمال ورؤوس جسورها السياسية في الحكومة‮.. ‬وهكذا‮«.‬أما أن يقول البعض إن رجلاً‮ ‬ينبغي استبعاده من ركب الحياة لأنه جزء من نظام مبارك‮.. ‬هكذا من‮ ‬غير تحديد،‮ ‬فذلك أمر يوسع دائرة المواجهة إلي نطاقات‮ ‬غير منطقية أو مطلوبة،‮ ‬ويزيد عمق القسمة السياسية إلي درجة مقلقة‮.. ‬وكان من آيات ذلك المعني،‮ ‬ما ورد علي ألسنة البعض حين كلف المجلس الأعلي للقوات المسلحة الدكتور عصام شرف بتشكيل الحكومة الجديدة،‮ ‬وهو رجل اختاره الثوار بأنفسهم،‮ ‬وكان أحد المتظاهرين في مواكب الثورة ذاتها،‮ ‬وعلي الرغم من الاستقبال الحماسي له في ميدان التحرير أول من أمس،‮ ‬وطلبه الشرعية من الثوار،‮ ‬فقد سمعنا من يقول‮: »‬ولكن عصام شرف كان وزيراً‮ ‬في عهد مبارك فهو إذن جزء من نظامه‮«‬،‮ ‬وعبثاً‮ ‬تحاول إفهام أولئك أن الرجل استقال من منصبه وقتها وأن أحاديثه التي كان يدلي بها إعلامياً،‮ ‬أو يطرحها في النوادي الاجتماعية العلمية كانت في قسم كبير منها رافضة معترضة‮.. ‬المشكلة أن تلك الطريقة في تقييم الكادر المطروح لأداء دور عام تؤدي إلي تفويت فرص مهمة علي المجتمع في تجاوز مرحلة دقيقة جداً‮ ‬تمر بها البلاد الآن وبما يفضي إلي أن يصير الوطن وفقاً‮ ‬للتعبير الدارج علي كف عفريت‮.‬وإحدي المزحات التي يرددها البعض الآن هي أن ثمانية وأربعين ساعة مرت علي تكليف د‮. ‬عصام شرف بتشكيل الحكومة،‮ ‬ولم يتحقق فيها إنجاز شيء وبما يؤكد حتمية تغييره‮!!‬هذا منطق لا يجوز ولا يصح،‮ ‬وعلينا محاولة تثبيت الكيانات المدنية التي تدير البلاد الآن وصولاً‮ ‬إلي إجراء الاستفتاء علي تعديلات الدستور،‮ ‬والانتخابات البرلمانية والرئاسية،‮ ‬حتي نحقق الانتقال إلي عصر جديد‮.‬يعني ينبغي ألا نستسلم لشهوة أو‮ ‬غواية التطهير السياسي العرقي،‮ ‬أو إلي التذاذ ومتعة الضغط الناجح الذي يؤدي إلي الاستجابة،‮ ‬فتلك الأداة ينبغي استخدامها عند الضرورة وليس طوال الوقت،‮ ‬إذ أوشكت آلية‮ »‬الضغط‮« ‬أن تتحول إلي أسلوب حياة‮ ‬Style-of-Life،‮ ‬وصار الذهاب إلي ميدان التحرير تجاوباً‮ ‬مع معني من ذلك القبيل‮.. ‬وأنا أفهم أن‮ ‬غياب المؤسسات التمثيلية‮ »‬البرلمان المجالس المحلية‮« ‬التي يعترف بها الشعب جعل من التجمع في ميدان التحرير وسيلة وحيدة لنقل المطالب إلي السلطة الحاكمة،‮ ‬ولكن دعونا نتحرك نحو تشكيل المؤسسات التمثيلية الجديدة حتي تكون منابر للتعبير عن مطالبنا‮.‬من جهة أخري فإن الاستقرار لم يعد احتياجاً‮ ‬ينادي به هذا الطرف أو ذاك،‮ ‬ولكنه الآن ومن دون مبالغة أو إسراف تعبير ضرورة حياة أو موت‮.‬وعلي سبيل المثال‮.. ‬نحن لم نفتح البورصة‮ »‬سوق الأوراق المالية‮« ‬حتي الآن،‮ ‬لأن هناك مخاوف من انخفاض سيؤدي إلي خسارة مؤثرة جداً‮ ‬علي بعض صغار المدخرين الذين أودعوا كل ما يملكون في شكل أسهم وسندات،‮ ‬وهم الذين يتجمع بعضهم كل يوم في هياج أمام البورصة متحيرين حول مصائر ثرواتهم الصغيرة‮.. ‬ولكن هناك كذلك ما هو أخطر،‮ ‬إذ لو مر أربعون يوماً‮ ‬متواصلة علي إغلاق البورصة‮ »‬وهو ما يحل صباح‮ ‬الأربعاء المقبل‮« ‬فسوف تخرج بورصتنا من‮ ‬Index‮ ‬مرجان آند ستانلي،‮ ‬الأمر الذي سيؤدي تلقائياً‮ ‬وأوتوماتيكياً‮ ‬ إلي خروج أسهمنا من الصناديق الدولية،‮ ‬وهو بقول واحد من دون مناقشة أو وجع دماغ‮ ‬ يعني مضاعفة خسائر خمس مرات‮.. ‬أكرر مرة أخري‮.. ‬مضاعفة خسائرنا خمس مرات‮!!‬إذن نحن نحتاج إلي استقرار وبسرعة‮.. ‬ولقد احترمت بالفعل ما دعا إليه بعض شباب يناير من تعليق للاعتصامات لإعطاء فرصة للحكومة أن تعمل،‮ ‬وتحقق بعض ذلك الاستقرار الذي نطالب به ونحتاجه،‮ ‬وربما يشجعني ذلك علي مطالبة الشباب مجدداً‮ ‬ بشيء آخر‮.. ‬العمل داخل المصالح الحكومية ومقار الإنتاج ومؤسسات الشغل متعطل تقريباً‮ ‬تحت وطأة مطالبات فئوية،‮ ‬أو رغبات في تصفية حسابات شخصية هنا وهناك‮.‬وكما رأينا أولادنا وبناتنا يقدمون مثالاً‮ ‬حضارياً‮ ‬رائعاً‮ ‬بإصلاح ما أفسدته التجمعات أو المظاهرات،‮ ‬فنحن نطالب بتشكيل فرق من ثوار يناير تنتشر في مواقع الإنتاج،‮ ‬وتحاول إدارة عمليات‮ »‬المطالبة‮«‬،‮ ‬أو التفاوض حول‮ »‬المطالبة‮« ‬بشكل رشيد ليس فيه مبالغات تشارف الاستحالة،‮ ‬وفي ذات الوقت يقومون بتنحية بعض مدعي الانتساب إلي الثورة في تلك المؤسسات،‮ ‬الذين حاولوا اغتصاب منصات التحدث باسمها وهي منهم براء‮.‬‮»‬مصر بلدنا‮«.‬ذلك الشعار الذي رفعه الأولاد والبنات وهم يزيلون المخلفات،‮ ‬ويجملون الأرصفة،‮ ‬هو ذاته الذي أطالبهم برفعه وهم ينتشرون في المؤسسات‮ »‬ذات الطبيعة الإنتاجية بالذات‮« ‬لإدارة التفاوض مع المسئولين بشكل حضاري،‮ ‬وإعادة دولاب العمل إلي الدوران‮.‬عندنا أولويات‮.. ‬أولاها‮: »‬إعادة بناء المؤسسات التشريعية والأمنية والسياسية علي نحو يحصر هدف الثورة في إسقاط النظام السابق ويعصمه من الانزلاق إلي هدم الدولة كلها‮«.. ‬والأولوية الثانية‮: »‬إطلاق الأحزاب السياسية الجديدة ببرامجها التي تعتمد الديمقراطية والليبرالية وبما يؤدي إلي تعددية حقيقية وليس إلي منطق الاستقطاب أو الاستفراد،‮ ‬وبما يدير العملية السياسية وفقاً‮ ‬للقواعد المعروفة في العالم الحر‮«.. ‬والأولوية الثالثة‮: »‬عودة هياكل وأوعية الإنتاج إلي العمل بكل قوة وإفشاء ثقافة عامة تضع هذا الموضوع المهم في مكانه وبوزن وأرجحية مطلقين‮«.. ‬والأولوية الرابعة‮: »‬مواجهة الفساد بكل قوة وعدم السماح لأحد بالحديث عن أن مواجهة الفساد أدت إلي رعب رجال الأعمال وإيقاف الإنتاج‮.. ‬فالأصل أن العمل والاستثمار يزدهران في ظل بيئة إنتاج خالية من الفساد‮«.. ‬والأولوية الخامسة‮: »‬وهي التي ينبغي أن تحوط ذلك كله وعمادها الإحجام عن التمادي في التجاوب مع النزوع الانتقامية أو التصفيات ذات الطبيعة الشخصية،‮ ‬بمعني آخر التراجع عن منطق تكرار التطهير العرقي السياسي،‮ ‬الذي أدي قبل الثورة علي أيادي الفاشيست الصغار في أمانة السياسات إلي انسداد سياسي مطلق،‮ ‬واستقطاب مع المجتمع بأكمله،‮ ‬وبما خلق صيغة شائهة منعت من يختلفون مع الكاوبوي السياسي في أمانة السياسات من تمثيل أنفسهم في صيغ‮ ‬متوازنة تعبر عن واقع المجتمع والقوي الفاعلة فيه‮.‬منطق التطهير العرقي السياسي دون مبررات موضوعية أو تهم جنائية محددة يفتح أبواباً‮ ‬يستحيل إغلاقها،‮ ‬وهو ما يذكرني برسمة كاريكاتورية تاريخية أخري،‮ ‬قام فيها الرسام بتصوير روبسبير‮ »‬أحد قادة الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر‮« ‬يقوم بإعدام الجلاد نفسه في المقصلة بعد أن فرغ‮ ‬الجلاد من إعدام الجميع‮.‬لا نريد أن نسلم أنفسنا بأنفسنا لنكون أسري منطق وثقافة التطهير العرقي السياسي،‮ ‬ولا ينبغي في‮ ‬غمرة مواجهاتنا مع مسئولي‮ »‬النظام‮« ‬السابق أن ننزلق إلي ما يتهدد سلامة‮ »‬الدولة‮« ‬وتماسكها،‮ ‬ولا نحب أن تتحول الساحة النبيلة للثورة،‮ ‬إلي مجال للتصفيات الشخصية،‮ ‬أو إلي الانتقام من أمور لا علاقة لها بالثورة أو ما سبقها أو ما لحقها‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل