المحتوى الرئيسى

تأملات الطريق إلي ما بعد الثورة

03/06 00:04

أزعجني كثيرا أن أري أعداد الزاعمين‮ ‬بطولات بين عهدين يتزايد،‮ ‬أم ترانا اليوم‮ ‬في ساحة مزايدة كبيرة يتربص المتربصون ببعضهم البعض لإلقاء تهم ثقال بتبعيته هذا للنظام السابق وادعاء هذا بأنه من أبطال الثورة،‮ ‬ولا أحد بالطبع منهما علي حق إذا جاوز الحد ووصل الأمر بنا إلي دائرة الانتقام،‮ ‬علي حساب الأوضاع الراهنة التي لاشك تحتاج منا إلي تضافر جهد فوق العادة والتحام قوي ومؤازرة فائقة لكي تنهض مصر إلي المستقبل‮.‬وليس هذا من قبيل الانتقاص من حق من أراد لهذا الوطن أن يخرج من كبوته وينبعث من رقاده تحت كتل الفساد الجاثم علي أنفاس أهله بل لابد أن الذين خرجوا وآزروا ثورة الشباب،‮ ‬وانضموا بتلقائية إلي نواتها في القاهرة والإسكندرية والسويس،‮ ‬هم من الذين شعروا بحجم الظلم الواقع عليهم ولم يكن ليتنفس لولا أن شبابا من نفس الوطن،‮ ‬هم أبناء الشعب فتحوا له النوافذ وكسروا الأبواب الموصدة،‮ ‬ونقضوا الأسوار العالية حتي إذا ما جاء وقت معلوم هو وقت ليس من بعده عودة إلي الوراء،‮ ‬تحول الشعب جميعه إلي كتلة حرجة من الغضب علي الظلم الذي لا يحتاج إلي تعديد ألوانه،‮ ‬وأدي بالطبع إلي الفساد المطلق الجناح يطير إلي أي موقع ويتسرب إلي أبعد نقاط،‮ ‬وقد طال مؤسسة الرئاسة نفسها،‮ ‬بل اندفع إلي آخر مدي داخل مؤسسات دينية كان يجب أن تحمي الشعب من هذا الفساد وتبين للحاكم فداحة الأمور التي كانت تجري علي مرأي ومسمع من الشعب في الداخل ومن القنوات الإعلامية والمخابراتية في الخارج،‮ ‬وهذا ما أكدته وثائق ويكيلكس وبينت كيف أن الباطن في بلادنا مكشوف تماما والظهر عار والألاعيب الخادعة جلية لم تعد تنطلي علي أحد‮.‬لقد قامت الثورة لأن هذا وقتها الذي ليس يسبقه أو يتخلف عنه شعور سليم متوازن ينبجس تلقائيا من تحت جلد ملايين،‮ ‬ربما لم يكونوا علي يقين من أن التغيير قد يحدث بل هم كانوا في يأس تام،‮ ‬ولذلك آثروا ان يعيشوا جانب الحائط،‮ ‬وينزووا في أماكن بعيدة عن الصراعات الدائرة فوق سطح السياسة ونقيضها من العبث والحياة اللاهية،‮ ‬تسرب القنوط لأن قبضة السلطة كانت تبدو أكثر قدرة وأشد بأسا،‮ ‬وأن طول البقاء جعل منها وثنا ومهابا مجرد التفكير في الخروج عليه لا يضمن النجاة من التعرض لكارثة محققة،‮ ‬وملايين أخري ظلت أسيرة الأمية والجهل والفقر والمرض الذي تفننت يد الفساد في جعله أداة ترهب بها السلطة كل من تسول له نفسه الخروج عليها بل تمادي اتباع النظام في التلويح بقضية التأمين الصحي لتكون فقط للمؤيدين والسائرين علي درب إرادة الحاكم‮.‬لذلك كانت كل هذه المظالم تختمر وتعتمل وتتفاقم لتصبح قابلة في أي لحظة للانفجار أو الاشتعال أو أي فعل خارج عن التصور والتوقع،‮ ‬كانت هذه الصدور المليئة بالحنق والغيظ والشعور بالقهر والمهانة حتي في أدني الحقوق وهي العلاج،‮ ‬لحظة الضعف التي يتعاطف معها كل من كان لديه ولو مثقال خردلة من إيمان أو إنسانية،‮ ‬وكان الفضل الأول لإنجاز هذا الغضب المكتوم والثورة الغائرة لحفنة أزعم انها قليلة جدا من الفسدة وأصحاب المصالح والجهلة الذين أمسكوا بزمام كثير من الأمور والمقاليد في هذه الدولة التي نخر السوس في أركان مؤسساتها،‮ ‬وأصابها هرم‮ ‬غير مسبوق في تاريخها،‮ ‬كان لابد من الانفجار،‮ ‬وانني أؤكد ان كثيرا ممن كانوا يخفون هذه الحقيقة عن الرئيس السابق،‮ ‬هم أنفسهم الذين يريدون أن يزعموا البطولة ويبدوا المبررات التي أسكتتهم طيلة أعوام ان ينزعوا عن عيني المسئول الغشاوة،‮ ‬وحسبنا اليوم ما قد حدث لبلدنا العزيز من نوائب جسيمة انتهت باقتلاع نظام،‮ ‬والانتقال إلي مرحلة لا يستطيع أحد أن يجزم متي ستنتهي بنا إلي نظام ديمقراطي سليم متوازن،‮ ‬ليس فيه ظلم أو فساد أو تسلط أو تزوير لإرادة الشعب،‮ ‬اننا في حاجة لأن نمرن أهالينا من هذه اللحظة علي كيفية الوصول إلي هذه الديمقراطية،‮ ‬وأن نخلع الأردية القديمة والأقنعة الزائفة لكي نفهم طبيعة المرحلة،‮ ‬وندرك ان هناك قوي تتخفي في الظلام تريد ان تسرق قطاف الثورة بل هي تريد لها أن تدخل إلي عبها وفي جوفها حتي لا يستطيع أن يهتدي بها أحد،‮ ‬وعلي الذين يتخذون المنابر الإعلامية التي تنعتهم بأبطال الثورة،‮ ‬وتروج لأياديهم البيضاء عليها،‮ ‬عليهم ان يتعظوا من الأيام الخالية وأن يعودوا إلي صفوف الجماهير للغد المأمول ودعونا من تخليص الحسابات الشخصية والثأرات المؤجلة،‮ ‬ان مصر في أمس الحاجة إلينا جميعا،‮ ‬ولولا مؤازرة الشعب بكتله الصامتة التي لم تكن يوما تنتمي إلي أي تيارات سياسية أو دينية لفشلت الثورة وأجهضت خاصة ان ذلك كان واضحا تماما بعد الكلمة الثانية التي ألقاها مبارك ولاقت تعاطفا كثيرا،‮ ‬وكأن الله سبحانه أراد أن ترتكب حاشية السوء جريمتها الشنعاء ويحدث الاعتداء البربري بالخيل والجمال،‮ ‬وتنقلب الأمور مرة أخري في صدر النظام ونحره،‮ ‬ليقضي الله أمرا كان مفعولاً،‮ ‬وليس هذه هي نهاية المطاف،‮ ‬لأن أمامنا مشوارا طويلا من الجهد والعرق لابد أن يبذل لإصلاح البلاد‮.‬‮<< ‬كاتب المقال‮ : ‬استاذالطب بجامعة الازهر،‮ ‬عضو اتحاد كتاب مصر

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل