المحتوى الرئيسى

> إعلام «كله تمام ياريس»

03/05 22:38

تجمع الشكوي من الإعلام بين زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمّر القذافي. راح الثلاثة في الأيام الأخيرة من وجودهم علي رأس هرم السلطة يشكون من الإعلام ومما تعرضوا له، أو علي الأصح مما يدعون أنهم تعرضوا له عن غير وجه حق من حملات إعلامية. أدرك الثلاثة متأخرين أهمية الإعلام ونفوذه، علما أنه كان في استطاعة كل منهم امتلاك آلة إعلامية تفوق في فعاليتها كل الأجهزة الأمنية والقمعية. غاب عن بال الثلاثة وعن كثيرين غيرهم أن الإعلام أكثر فعالية من القمع وأن الاستثمار في الإعلام والتنمية، في الوقت ذاته، يبقي أقل كلفة واكثر فائدة من الاستثمار في الدبابات والطائرات والمدافع وأسلحة الدمار الشامل التي كانت تستهوي شخصا مثل معمر القذافي.. لم يستفق نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي علي أهمية الإعلام الجيد، الذي يتمتع بمستوي معين، يوما. اعتقد هذا النظام أن مجرد إنشاء هيئة، تمتلك إمكانات محدودة جدا، تهتم بالترويج للنظام وتنشر له بيانات في صحف ومجلات لا قيمة تذكر لها، في معظم الأحيان، كفيل بإعطاء صورة وردية عن الرئيس والتغطية علي ممارسات معينة. لم تكن للنظام التونسي السابق علاقة بالإعلام المؤثر لا من قريب ولا من بعيد، علما بأنه كانت هناك إنجازات كثيرة في الإمكان إبرازها بطريقة حضارية بعيدا عن التزمت والاتكال علي مجموعة من الإعلاميين يكتفون بنشر اعلانات رسمية مقابل ثمن بخس. كانت المشكلة في بن علي نفسه الذي رفض دائما فكرة الانفتاح علي الإعلام أو علي أي صحفي يستطيع أن يقول كلمة لا أو أن يوجه إليه سؤالا حقيقيا. ولذلك، كان الدفاع عن الرئيس التونسي المخلوع صعبا، علي الرغم من أنه حقق، بلغة الأرقام الكثير من أجل تونس ومن أجل المرأة فيها وحماها من الحركات الدينية المتطرفة في ظروف إقليمية صعبة، خصوصًا عندما كان الجار الجزائري يعاني من الإرهاب والإرهابيين المتسترين بالدين الحنيف الذي هو براء منهم.. ليس صحيحا أن تونس لم تكن تمتلك ثروة تسمح لها بامتلاك إعلام فعال، الصحيح أنه لم يكن هناك عقل سياسي متطور قادر علي فهم أهمية الإعلام وكيفية التعاطي معه واستخدامه. كانت تونس في عهد بن علي دولة في حاجة إلي سلاح اسمه الاعلام. فضل الرئيس المخلوع صرف المال علي مسائل أخري. وحتي عندما استحوذ أحد الأقارب علي وسائل إعلامية ، كان الهدف من ذلك ممارسة التعتيم الإعلامي والتعمية علي الواقع اكثر من أي شيء آخر. ما ينطبق علي تونس - بن علي، ينسحب الي حد كبير علي مصر - حسني مبارك. هنا، لا تقع المسئولية علي الرئيس السابق وحده بمقدار ما أنها تقع علي نظام لم يستطع منذ قيامه في العام 1952 التكيف مع المتغيرات الدولية، أقله إعلاميا، علي الرغم من انتقال مصر من معسكر إلي آخر علي الصعيد الدولي. بعد 1952 في العام 1954 تحديدا، بدأت الصحف المصرية تتحول إلي صحف القارئ الواحد بعدما قرر جمال عبدالناصر والضباط الذين كانوا إلي جانبه تأميم وسائل الإعلام. لم يعد مهمّا علي سبيل المثال أن يكون لـ"الأهرام" أي تأثير علي المواطنين المصريين، بمقدار ما أن المطلوب أن يقرأها عبد الناصر في الصباح ثم يبدي ارتياحه إلي مادة الصفحة الأولي. مثل هذا الإعلام الأقرب إلي الإعلان هو الذي قاد إلي هزيمة 1967 مثل هذا الإعلام الموجه الذي لا علاقة له بما يدور في العالم، وحتي داخل مصر نفسها، بقي متحكما بذهنية كبار المسئولين في القاهرة ولم يسمح لهم بالانتقال إلي مرحلة مختلفة ذات علاقة بالثورة التكنولوجية التي حولت الكرة الارضية إلي قرية كبيرة.. بقي مبارك أسيرا لإعلام معين، لم ينتج سوي من هم علي شاكلة أحمد سعيد وأسماء أخري. ولكن مع فارق أساسي يتمثل في أن جمال عبدالناصر عرف باكرا خطورة الإعلام وكيفية استخدامه في مواجهة أعدائه ومنتقديه في العالم العربي، فأنشأ مؤسسات إعلامية خارج مصر، في بيروت تحديدا، واستعان بأقلام معينة كانت محسوبة علي خطه بقي يموّلها سنوات طويلة. بالنسبة إلي حسني مبارك، بخلاف ناصر، لم يكن لديه إدراك يذكر لأهمية الإعلام وأنه في مستوي السياسة في أقلّ تقدير. في عهد مبارك، لم يعد لمصر أي وجود إعلامي خارجي، فيما لم يعد لإعلامها الرسمي أي تأثير في الخارج وحتي في الداخل. فكان ما كان... وكانت الشكوي من الإعلام! تنبه معمّر القذافي باكرًا إلي أهمية الإعلام. كان لدي الزعيم الليبي، الذي بات في طريقه إلي الخروج من السلطة، حس إعلامي مرهف وذلك عندما كان لا يزال شاباً. أسس القذّافي مطلع السبعينيات من القرن الماضي صحفاً ومراكز دراسات في الخارج. في مرحلة معينة، كان هو وزير الإعلام الحقيقي في ليبيا. لكن قدرته علي متابعة مؤسساته هذه بقيت محدودة. الأهمّ من ذلك كله، أنه لم يدرك أن الاستثمار في الإعلام مسألة مرتبطة بالاستمرارية وليس قضية موسمية. لم يفهم القذافي سوي متأخرا جدا أن الأموال التي صرفها علي السلاح ستعود عليه بنتائج أفضل لو عرف كيف يصرف الجزء اليسير منها علي الإعلام. من دون إعلام، بدا الزعيم الليبي قبل أيام قليلة عاريا. لم يسمح حتي لنجله سيف الإسلام بأن تكون لديه صحيفة أو وسيلة إعلامية جدّية قابلة للحياة وذلك بغض النظر عما إذا كان سيف يعرف شيئا عن الإعلام أم لا.. إذا كان من درس يمكن استخلاصه من الثورات التي يشهدها العالم العربي، فإن هذا الدرس يتمثل في أن لعبة الإعلام خطرة إلي درجة لا يمكن تركها للمحيطين بالزعماء والملوك والرؤساء والأمراء. هؤلاء المساعدون الذين هم علي استعداد للقول في كل دقيقة للحاكم: "كل شيء تمام يا ريس".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل