المحتوى الرئيسى

بالضم أم بالكسر؟!بقلم:غادة الكاتب

03/05 22:22

غادة الكاتب كعادتهم حين تكون الأمور على المحك، لوح وزراء الخارجية العرب- مجرد تلويح- بفرض حظر جوي على ليبيا، بينما شرعت أمريكا وأوروبا بتنفيذ خطوات عملية عسكرية مريبة، هدفها المعلن القضاء على نظام القذافي، وهدفها الحقيقي المبطن والذي لا يخفى على أحد، الاستحواذ على النفط الليبي. وزراء الخارجية العرب لوحوا بفرض حظر جوي على ليبيا، وأجلوا في نفس الوقت موعد القمة العربية التي كان من المقرر انعقادها فى بغداد يوم 29 مارس الحالي، إلى تاريخ لا يتعدى 15 أيار (مايو) المقبل. ما الذي تتوقعه الشعوب من القمة العربية المزمع انعقادها في العراق، لزعماء لا يشغل بالهم هموم الشارع العربي ولا تحرير فلسطين، ولا استرداد أمن بغداد، ولا ردع أمريكا عن القيام بأي عمل عسكري خائن، يتضرر منه الليبيون وينجو به الزعيم المجنون؛ ما الذي تتوقعه الشعوب من قمة حكام لا يشغلهم سوى العودة فورا إلى بلادهم ليمارسوا المزيد من القمع، حتى يضمنوا حرية الاستفراد بكرسي الحكم طيلة حياتهم؟. نستعرض إنجازات القمم السابقة، فنجد أنها تشبه إلى حد بعيد قصة هوائي التلفزيون المزيف، الذي ذكر أحد الكتاب الراحلين أن والدته التي مدها الترمل بسلطة طاغية، ابتكرت فكرته حينما أصبح وجود التلفزيون حلماً للكثيرين، الهوائي كان موجودا على السطح دون تلفاز، وضعته الوالدة هناك، وجعلت بعض أولادها يصعد إليه في كل ليلة، يحركه يمنة ويسرة، بينما يصرخ الإخوة الباقون من أسفل وكأنهم يوجهونه، عندها يتوهم السامعون أن لدى العائلة تلفازا، وأن الصورة لديهم أصبحت مستقرة. حتى وقت قريب، كانت الشعوب العربية تعيش كالدجاج المرصوص في أسياخ أمام النار في واجهات المطاعم، دجاج يدور في اتجاه واحد، في حركة دائرية مفرغة، هدفها الارتواء أكثر فأكثر من الوهج الذي توفره نار صاحب المطعم، دجاج لا يغضب إذا تم انتزاع دجاجة منه لتقديمها إلى زبون عابر. دجاج لا يحتج أبدا، لا يصدر أي بيانات، لا يقدم أي اعتراضات؛ باختصار كنا دجاجا يعرف أن لديه جناحين، لكنه لا يفكر كيف يستخدمهما ليطير، لذلك كانت قممنا العربية فيها الكثير الكثير من الحكام، والقليل القليل من الشعب. ندرك أن شعوب اليوم استيقظت، وأيقنت أنه يلزمها قناعات بديلة، صيانة وقطع غيار جديدة، وأعمال تجريف تشمل جميع المواقع التي خطها زعماء التخاذل، من اجل أن تضع بنفسها خطوطا جديدة. لكن، ولعلمنا العميق بطبيعة الأمور، لن نستغرب أبداً إذا لم يستوعب الحكام الدرس، فتكون قمتهم- أو من بقي منهم- مثل كل القمم العربية السابقة، تجمع حكاماً يجلسون في قاعة الاجتماعات منتفخين، متثائبين، ومدججين بشرعية مزعومة، كما لو كانت حكوماتهم شعبية -عن جد، وعربية - عن جد، وإسلامية -عن جد، وكما لو كانوا مهتمين -عن جد- في إصدار بيان ختامي يؤخذ على محمل الجد. ترى .. كم يلزم من الموت ليفهم هؤلاء أن الشعوب لم تعد مستعدة لتحمل المزيد من القهر، أو المزيد من الضجر.. كم يلزم من موت بعد؟، فليحدد الحكام الرقم، لأننا نريد وطنا حقيقيا، وطنا في القريب العاجل، فور الانتهاء من مراسم تشييع الشهداء، فور أن يجف الكفن الذي نشرته الأمهات على حبل الغسيل حتى لا يطاله العفن، فور أن يعود الشبان من المواجهة مع أي من الطغاة وسلطاتهم الحاكمة؛ ترى هل سيعود الشبان جميعا؟ ربما لن نجد الوقت الكافي لنتفقدهم، واحدا واحدا، لأننا كنا ومازلنا مشغولين في معرفة كم يلزم حكامنا من موت؟ فليجتمعوا وليحددوا، كم يلزم من موت لكي يكون لشعوبهم وطن حقيقي يطابق الوطن الحلم، كم يلزم حكامنا من موت، ليعلموا أن الشعوب مازالت على أهبة الاستعداد، وأنه مازال لديها متسع من الدم تبذله في سبيل الوطن الحلم. كتب أحد الكتاب المهاجرين متندراً، إنه في أثناء بحثه عن معنى قمة في معجم لسان العرب، وجد أن "قُمة" بضم القاف تعني (زبالة)، ومن هنا فإن القمم العربية على حد قوله، تصف نفسها ولا تحتاج لمن يصفها. صحيح أن البعض سيدفع بالقول إن القِمة هي بكسر القاف وتعني الرأس أو القامة، لكن من نعمة الله على الشعوب، أن القائمين على العلم والإعلام والثقافة في بلادنا، تغافلوا عن تشكيل الكلمات في الكتب والجرائد والمجلات، مما أعطى للشعوب الحق في أن تقرأ الكلمات بالتشكيل الذي يعطيها المعنى الذي تريده، ومن نعم الله علينا أيضاً أن معظم المذيعين والمعلقين السياسيين في الإعلام السلطوي العربي لا يدركون أصلا الفارق بين اللفظتين، ولا ينتبهون إن اختلف معنى القمة أم لم يختلف؛ لكن .. لا أعتقد أبداً أن هناك قارئا عربيا واحدا يستعرض قممنا العربية السابقة ويستطلع شعارات وجداول أعمال القمم اللاحقة، سيقرأ كلمة قمة بالكسر بدل الضم، ولا أعتقد كذلك أن أياً ممن يعرفون الفرق، سيتحرج من قراءتها بالضم، لعلمه الأكيد أنه لا الحاكم، ولا أجهزة أمنه، ولا أجهزة رقابته الإعلامية، قادرة على سماع أو استيعاب الفرق بين اللفظين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل