المحتوى الرئيسى

الْغوا عقولكم حتى تصدِّقوهم!بقلم: جواد البشيتي

03/05 21:18

الْغوا عقولكم حتى تصدِّقوهم! جواد البشيتي الرئيس اليمني علي عبد الله صالح (ثلاثون سنة ونيِّف في الحكم) فاجأ الجمهور الذي يخطب فيه إذ كشف، وكأنَّه يذيع "خبراً عاجلاً"، أنَّ ما يتعرَّض له العالم العربي الآن من انتفاضات وثورات شعبية (تستهدف إطاحة أنظمة الحكم فيه كنظام حكمه هو) لا يعدو كونه "مؤامرة"، حُبِكَت خيوطها بالتعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة، "غرفة عملياتها" في تل أبيب، وتديرها واشنطن؛ أمَّا "الهدف النهائي" لهذه "المؤامرة"، التي تتَّخِذ من الشباب العربي المنتفض الثائر، ومن شباب "الفيس بوك" منهم على وجه الخصوص، أداةً لها، فهو عودة قوى الاستعمار الغربي إلى احتلال آبار النفط العربية، وبسط سيطرتها على ثرواتنا الطبيعية، من خلال إثارة الاضطِّرابات والقلاقل والفوضى؛ فتنبَّهوا واستفيقوا أيَّها الشباب العربي، وعودوا إلى إطاعة ولي الأمر منكم، فهو "العليم" بما لا تَعْلَمون، وهو وحده الذي ينبغي لكم أن تستعيذوا به في الذود عن حياض الأمة، وإحباط "المؤامرة" التي يحيكها "الأعداء" ضدها! وحتى تكتمل صورة "المؤامرة" وضوحاً لا بدَّ من أنْ نضم إلى ذلك "الخبر العاجل"، الذي أذاعه علي عبد الله صالح، "الرواية" التي اخترعها العقيد معمر القذافي؛ فهذا الطاغية المجنون قال وهو يخطب في قوم من الأغبياء، أو كالأغبياء، في الذكرى السنوية لإعلان "سلطة الشعب" في ليبيا، إنَّ تنظيم "القاعدة" هو الذي تسبَّب في كل هذا الذي حدث ويحدث في بلاده، وإنَّ شعب ليبيا كله ما زال على ولائه له، ولم يخرج، في أيِّ مدينة أو ناحية، في مظاهرة، أو مسيرة، ضده. كان ينبغي للزعيمين المنبوذين أنْ ينسِّقا أقوالهما أو مزاعمهما، فكيف لنا أنْ "نفهم" ما حدث ويحدث إذا ما كان القذافي يقاتل ضد "القاعدة" في ليبيا، وإذا ما كان رفيقه على عبد الله صالح يتصدَّى، في الوقت نفسه، لـ "مؤامرة" ضد "الأمة"، "غرفة عملياتها" في تل أبيب، وإدارتها في واشنطن؟! إذا كان القذافي يقاتل الآن ضد "القاعدة"، التي، على ما نعلم، تناصبها الولايات المتحدة وإسرائيل العداء، فلماذا لا يتَّعِظ من تجربة رفيقه على عبد الله صالح الذي كان جندياً باسلاً في حرب الولايات المتحدة على "القاعدة" في بلاده، فلم يشفع له ذلك عندها، وشرعت "تتآمر" مع إسرائيل للإطاحة به على أيدي الشباب اليمني الذين يتَّخِذ منه "المتآمرون" أداةً تشبه "حصان طروادة"؟! العقيد القذافي، المتحصِّن بجحره في "باب العزيزية" في العاصمة طرابلس، يقاتل، ومن خلفه الشعب الليبي كله، ضد تنظيم "القاعدة"؛ لكن "المظاهرات والمسيرات الشعبية" ليست من أساليب وطرائق ووسائل "القاعدة"، ولا من "عقيدتها القتالية الجهادية"؛ فكيف يحل العقيد هذا "التناقض"؟ لقد حلَّه بسهولة منقطعة النظير (ولا يستسهل حلاَّ كهذا إلاَّ كل مُنْكِر لديه من جرأة الإنكار ما يحمله على إنكار بديهية هندسية) إذ قال "لم تحدث قط مظاهرات ومسيرات شعبية في الجماهيرية". القذافي احتاج إلى أنْ ينسب كل ما حدث ويحدث في ليبيا إلى "القاعدة"؛ وحتى "يُوافِق الفكر نفسه"، أي حتى لا يقع القذافي في تناقض منطقي، نفى أنْ تكون ليبيا قد شهدت مظاهرات ومسيرات شعبية! أمَّا رفيقه علي عبد الله صالح، والذي ظلَّ في أقواله ومزاعمه محتفظاً بنزرٍ من "الحكمة اليمنية"، فلم يجرؤ على إنكار وجود مظاهرات ومسيرات شعبية ضده، وضد نظام حكمه برمته، كما لم يجرؤ على نَسْب تلك المظاهرات والمسيرات الشعبية إلى تنظيم "القاعدة"، وهو الذي يعلم أنَّ المظاهرة أو المسيرة ليست من "التقاليد الجهادية" لهذا التنظيم. لم يكن لدى علي عبد الله صالح من خيارات للتفسير والتعليل إلاَّ خيارين اثنين أحلاهما مُرُّ: أنْ يعترف ويُقِر بأنَّ نظام حكمه هو وحده المسؤول عن هذا الانفجار الشعبي الثوري ضده، أو أنْ يعزو كل ما حدث ويحدث إلى "مؤامرة"، "غرفة عملياتها" في تل أبيب، وتديرها واشنطن. لقد وقع خياره على "التفسير"، أو "التعليل"، الثاني، ولو ترَّتب على ذلك إغضاب أسياده في الولايات المتحدة. في الفلسفة، طالما رأينا الفيلسوف المثالي ينسب كل ما يعجز عن تفسيره (من ظواهر وأحداث في الطبيعة والمجتمع والتاريخ) إلى "الروح"، بأشكالها وصورها وتسمياتها المختلفة؛ فإنَّ "علة الشيء" لا وجود لها في داخله؛ يجب أن تكون في خارجه، وعلى هيئة "روح"، أو "قوى غيبية". والحكام العرب فاجأهم، وراعهم، وأدهشهم، أنْ يروا شعوبهم تثور وتخرج عليهم، بين عشية وضحاها؛ وهُمْ الذين آمنوا زمناً طويلاً بأنَّ شعوبهم قد دُجِّنت بما يكفي لجعلها، أو لبقائها، أصفاراً بالمعنى السياسي والثوري. هذه "المعجزة (والتي ليست بمعجزة)" أعجزتهم عن التفسير والتعليل الواقعيين، فنسبوا كل ما حلَّ ويحلُّ بهم إلى "مؤامرة خارجية"، أو إلى من يتوهَّمون أنَّ في يده كل شيء (أي الولايات المتحدة). وإني لأجد لهم عذراً؛ فهم جميعاً تعلَّموا من تجاربهم (الناجحة) في إخراج مئات الآلاف، والملايين، من مواطنيهم إلى الساحات والميادين العامة ليهتفوا لهم، أو إلى صناديق الاقتراع ليدلوا بأصواتهم لهم، أنَّ الجماهير الشعبية لا تنزل إلى الشوارع من تلقائها، ولا بدَّ، من ثمَّ، لقوى من خارجها من أنْ تتولَّى إخراجها من بيوتها، وإنزالها إلى الشوارع والميادين؛ وهذه القوى إمَّا أنْ تكون هُم، أي الحكام العرب، وإمَّا أن تكون سيدهم، أي الولايات المتحدة. وإيَّاكم أنْ تُدْهشوا وتستغربوا إذا ما سمعتم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يخطب، عمَّا قريب، قائلاً إنَّ الانتفاضة الشعبية العراقية ضده، وضد نظام الحكم العراقي، هي "مؤامرة خارجية"، "غرفة عملياتها" في تل أبيب، تديرها واشنطن، وتستهدف عودة قوى الاستعمار الغربي إلى احتلال آبار النفط في العراق! لا تُدْهشوا وتستغربوا أن يقول ذلك وإنْ علمتم علم اليقين أنَّ الشعوب العربية كانت ستفقد سبباً مهماً من أسباب انتفاضتها وثورتها لو كانت الملكية الفعلية لآبار وحقول النفط العربية تعود إلى العرب. إنَّ الحكام العرب، الذين لا يجدون فيهم رادعاً من روادع العقل والمنطق يردعهم عن تصوير انتفاضة شعوبهم عليهم على أنَّها "مؤامرة خارجية"، "غرفة عملياتها" في تل أبيب، وإدارتها في واشنطن، لا يملكون من الاستقلال عن أرباب تلك "المؤامرة" إلاَّ ما يعدل ما كانت شعوبهم تملكه من استقلال عنهم قبل اشتعال فتيل الثورة الشعبية الديمقراطية العربية الكبرى في تونس. والله لو لم يكونوا كحُصِن طروادة لنفوذ أرباب تلك "المؤامرة" في البلاد العربية لانتفى سبب مهم آخر من أسباب ثورة شعوبهم عليهم. حقَّاً، إنَّ ثمَّة سفينة مهدَّدة بالغرق؛ وإنَّ ربَّانها يحاول درء هذا التهديد عنها، واجتناب الأسوأ ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، من خلال رمي بعض من حمولتها في البحر؛ وهذه السفينة إنَّما هي (والحقُّ يقال) كناية عن النفوذ الواسع للولايات المتحدة في العالم العربي، والذي كان يتَّخِذ من أنظمة الحكم العربية المتساقطة الآن مدخلاً له؛ وإنَّ الأمواج الثورية الشعبية العربية العاتية هي التي تضرب هذه السفينة، وتسعى في إغراقها. الحكام العرب رأوا ربَّان السفينة هذه لا يتورع عن (ولا يتردد في) رمي بعضهم في البحر (أي التخلُّص منه) فظنُّوا أنَّ في الأمر "مؤامرة خارجية"، "غرفة عملياتها" في تل أبيب، وإدارتها في واشنطن، وأنَّ هذا "الربَّان (الخائن الغادر)" هو الذي يسيِّر تلك الأمواج، توصُّلاً إلى إطاحة أنظمة حكم عربية، خدمته زمناً طويلاً، وعلى خير وجه؛ لكنَّها غدت الآن عبئاً عليه، وعلى مصالحه؛ وكيف لها ألاَّ تغدو كذلك وهي التي حكمت شعوبها بما جعلها أمواجاً عاتية تضرب تلك السفينة، وتوشك أنْ تغرقها تماماً؟! وهذا الذي أقول لا ينفي، بل يؤكِّد، سعي الولايات المتحدة إلى تسيير رياح الثورة العربية الكبرى (ما أمكنها ذلك) بما تشتهي مصالحها؛ لكنَّ سعيها هذا لا يعني (ويجب ألاَّ يعني) أنَّها هي التي تحرِّك عن بُعْد، وفي الخفاء، ومن وراء ستار، "الشارع العربي"؛ كما لا يعني أنَّ نجاحه أمر محقَّق لا ريب فيه؛ وإنَّ الغباء بعينه أنْ تقف الولايات المتحدة الآن علانية ضد الشعوب العربية المنتفضة الثائرة؛ ولو وقفت هذا الموقف لأثبتت أنَّها تلميذ غبي لمؤلِّف كتاب "الأمير". الولايات المتحدة، وعن اضطِّرار لا شكَّ فيه، وسَّعت المسافة بينها وبين الحكَّام العرب الذين هم قاب قوسين أو أدنى من السقوط، وبدت، في بعضٍ مواقفها، نصيرة للمطالب الديمقراطية للشعوب العربية الثائرة؛ لكن لِمَ ننسى، أو نتناسى، أنْ ليس في الاضطِّرار فضيلة؟! إنَّ الولايات المتحدة "تقود" الثورات العربية؛ لكن بصفة كونها النصير والحامي لأعداء الشعوب العربية، في الداخل وفي الخارج؛ فلولا انحيازها الأعمى إلى جانب إسرائيل ضدَّ الأمة العربية، ودعمها لأنظمة الحكم العربية الاستبدادية ضد شعوبها، لَمَا حظيت بـ "شرف" القيادة "الموضوعية" لهذه الثورات. الْغوا عقولكم حتى يسهل عليكم الآن تصديق ما سأتلوه على مسامعكم: لو ظلَّ مبارك وزين العابدين متربِّعين على عرشيهما، ولو انتصر القذافي وعلي عبد الله صالح.. على الشباب الثائر، لكانت (أي لبقيت) الأمة صخرة صلبة تتحطَّم عليها، وتتكسَّر، تلك "المؤامرة الخارجية"، وأمثالها؛ أمَّا انتصار الثورتين الشعبيتين الديمقراطيتين في تونس ومصر، وسير سائر الشعوب العربية في "الطريق التونسية ـ المصرية"، فهو "الشرق الأوسط الجديد" الذي أرادته الولايات المتحدة وإسرائيل!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل