المحتوى الرئيسى

أذئب أنت.. أم راع بقلم:د.محجوب احمد قاهري

03/05 18:22

منذ أكثر من خمسين سنة قام نظام بورقيبة ونظام المخلوع على تقسيم البلاد إلى منطقتين, منطقة الساحل ومنطقة كل الداخل. في الساحل, انتعش الاقتصاد والثقافة والحراك الاجتماعي وكذلك شي من العمل السياسي المسموح به, وأما في المناطق الداخلية فقد سقط كل شئ ليصبح المواطن الفقير يبحث يوميا على لقمة الخبز إن تحصل عليها, وغالبا ما يعجز عن ذلك لغياب أي نوع من المؤسسات الاقتصادية.. ففي هذه المناطق الداخلية لا تجد دور سينما, ولا تجد دور ثقافة ما عدا تلك التي تفتح أبوابها لاحتفالات سبع نوفمبر, و لا وجود لمسرح, ولا وجود لجمعيات مدنية ولا لأحزاب سياسية, انه الفراغ الكامل المتكامل الذي انشأ أغلبية ناقمة على كل شئ, على النظام القائم, وعلى الساسة, وعلى رجال الثقافة, وعلى المثقفين بجميع أصنافهم. لأنهم وبكل بساطة في الضمير الجمعي ساهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في تهميشهم, لأنه كان من الأجدر بهم المطالبة بحقوقهم ولعب أدوارهم في تحسين الوضع القائم, ولكنهم آثروا التقوقع إما انتهازية أو خوفا. وفي ظل هذه الظروف المتردية, وقعت أوزار هذه الثورة في رحب هذه المناطق الداخلية المهمشة, وقد سقط القناع عن كل الذين يفترض بأنهم القيادات السياسية و ألاجتماعية والثقافية, فقد لزموا بيوتهم وتابعوا محرقة الثورة من خلال التلفاز, وميدان المعركة لا يبتعد عنهم سوى بعض الأمتار. خرجت كل الجماهير لتسقط النظام, إلا أصحاب النظريات والكلام الفارغ في زمن الرصاص الهادر, ووجدت الأغلبية المهمشة نفسها بدون قيادات, وبدون خطط منظمة لمجابهة الطاغوت, كانت صدورهم و زنودهم هي من يحقق التفوق على نظام يجابههم بقوة السلاح. وعندما سقط النظام أحست هذه الجماهير بقوتها على المجابهة الميدانية وعلى التصدي لأعتى نظام قد همشهم, ولم يحسبوا بعدها حسابا لأحد, وكانوا يقولون بأنه بإمكانهم إعادة الثورة والمجابهة, ولكنهم لا يعرفون لماذا والى أين؟ و لا فكر يقودهم.. سكن هؤلاء المهمشين الميدان, وقد ظهر أولئك المثقفون بجميع مشاربهم بعد أن تأكدوا بان النظام قد سقط, وكان الصدام مرة أخرى. فقد أطردوهم من صلب مقر الاتحادات الجهوية وأحرقوا هذه المواقع في أغلب الجهات, منعوا المحامين من تدخلاتهم في الاجتماعات الخطابية واطردوهم شر طردة, منعوا كل مثقف من الكلام, طاردوا اجتماعات لجان الثورة, لم يسمحوا لأحد بالكلام.. والسبب واحد وأوحد.. أين كنتم أيها المثقفون في ثلاث وعشرين سنة خلت... وأين كنتم والرصاص يقتلع صدور هؤلاء المهمشين العطلة عن العمل, الفقراء المساكين؟ لقد عزل أبطال الثورة الحقيقيين كل المثقفين وكل الساسة واحتقروهم, ولم يسمحوا لهم حتى بالجلوس في المواقع الأخيرة, على اعتبار بأنها ثورتهم وليست ثورة أحد, وكما قالوا ليست ثورة الجبناء الذين تسارعوا لقطف الثمار. وبعد الثورة, تواصل غياب الأحزاب السياسية في المناطق الداخلية, فلا حزب بإمكانه أن يعبر عن نفسه, وأغلقت مقرات أحزاب الديكور التي كانت تنام في حضن النظام السابق منذ سنوات خلت. حتى زيارة السيدة مي الجريبي زعيمة الحزب التقدمي الاشتراكي منذ قرابة الشهر إلى ولاية القصرين, كانت عنوانا واضحا لرفض هذه الأحزاب, فقد منعت السيدة مي من الإدلاء بأي تصريح, وصاح الجميع في وجهها ارحلي أيها السيدة لسنا سبلا للعبور إلى كراسي الحكم, كما نال السيد منصف المرزوقي مثل نصيب مي في نفس الولاية, انه الرفض الواضح والقطعي والذي لم يقبل أي نقاش برغم المحاولات. الخطر الحقيقي الذي تشهده هذه المناطق الداخلية هو نشوة الأغلبية الساحقة بانتصارهم على النظام البائد باستعمال الزنود والحجارة, ورفضهم المتواصل لكل قيادة ولكل مثقف بإمكانه بلورة أهداف الثورة وتحقيق غاياتها بالعمل المنظم, فسنوات الجمر قد قمعت كل صوت وكل قيادة. وتعتقد هذه الأغلبية بأنه بإمكانها منع أي صوت "دخيل" باعتباره قد قدم للاستحواذ على مكاسبه والسعي للوصول إلى الحكم, وهذا ما سيميز الأيام القادمة في هذه الجهات وخاصة بان على كل الأحزاب السياسية التواجد بهذه المناطق الداخلية للتعريف بنفسها لخوض الانتخابات المقبلة.. وظهور هذه الأحزاب سوف لن يفسر لدى الأغلبية التي صنعت الثورة بأنها ظهرت فقط لتحتل مكانا في مواقع الحم والسلطة. أنهم جميعا يقولون "أذئب أنت أم راع".. وهم يعتقدون بأنهم مجرد ذئاب على منوال النظام البائد.. وتتواصل أزمة الثقة في كل القادم وقد يفتح الباب لصدامات أخرى.. الدكتور محجوب احمد قاهري

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل