المحتوى الرئيسى

حكاية سياسيةالهروب إلي القاهرة ومستنقع الطاغية

03/05 02:35

سافر عبدالرحمن سرا إلي القاهرة عام‏.9981‏ وكان في نحو السابعة والأربعين من عمره‏.‏ وحرص ابان سفره أن يخبئ بين طيات حقيبته مقالات ترشق سهام كلماتها استبداد الدولة العثمانية‏,‏ التي كانت تبسط سيطرتها علي البلاد العربية‏.‏ وكان عبدالرحمن الكواكبي قد اكتوي في أثناء اقامته في حلب بسوريا باستبداد الخليفة العثماني السلطان عبدالحميد وطغيان أذنابه‏.‏ فقد حاولوا اعتقال أفكاره ومصادرة حريته‏.‏ وبادروا باغلاق صحيفتين أنشأهما وتولي رئاسة تحريرهما وهما الشهباء والاعتدال‏.‏ واضطر للالتحاق بالوظائف العامة حتي يدبر شئون حياته‏.‏ غير انه كان يسعي للاصلاح مما أرق رؤساءه‏.‏ وعندما تصدي بجسارة للفاسدين ابان توليه لجنة بيع الأراضي الأميرية‏,‏ حرضوا عليه الأشرار والبلطجية‏,‏ فتحرشوا به واعتدوا عليه‏.‏ ولم يجد مفرا من هذا القهر سوي الهرب إلي مصر‏.‏ ولم تمض أيام قلائل علي اقامته في القاهرة‏,‏ حتي أطلق في سمائها عاصفة الحرية‏.‏ واعلن جهارا ونهارا مناهضته للاستبداد فقد نشر في صحيفة المؤيد سلسلة مقالات عن الاستبداد‏.‏ ولم يوقعها باسمه‏.‏ وظن القراء والمثقفون أن الشيخ الامام محمد عبده هو من كتبها‏.‏ لكنهم تريثوا وتذكروا أن ثمة جفوة قائمة بين الامام محمد عبده وصاحب المؤيد الشيخ علي يوسف‏.‏ وسرعان ما فك القوم شفرة اللغز‏,‏ وأدرك القاصي والداني أن عبدالرحمن الكواكبي هو من خط المقالات‏.‏ وتحلق من حوله تقديرا واكبارا صفوة المثقفين في مصر‏.‏ وانضم اليهم الكتاب والمفكرون العرب اللاجئون في القاهرة من الاستبداد‏.‏ وكانت القاهرة آنذاك ملاذا وموطنا لعشاق الحرية‏.‏ ذلك أن الخديو عباس حلمي الثاني كان ينازع الاحتلال البريطاني‏,‏ ويكاد يشق عصا الطاعة علي السلطان عبدالحميد‏.‏ ‏{‏ ومن هذه الفجوة‏,‏ نشر الكواكبي مقالاته غير المسبوقة‏.‏ ثم نقحها وجمعها في كتاب سماه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد‏.‏ ويفضح فيه جرائم الاستبداد السياسي‏.‏ ويوضح انه مستنقع آسن ينبت فيه ويزدهر الفساد الاقتصادي والاجتماعي‏.‏ ويصير المجتمع مغلولا في براثن الطاغية‏..‏ وتخور القوي‏.‏ وتنحدر الأخلاق‏,‏ وتتفشي الرذيلة‏,‏ وتمرض العقول‏,‏ ويعربد النفاق والرياء‏,‏ ويفتر الولاء للوطن‏..‏ وهي علل اجتماعية كان الظن انها ترجع إلي انحطاط الأخلاق لأسباب تلتصق بالأشخاص والأفراد‏.‏ ولكن ذاك الظن صار إثما‏.‏ فقد كشف الكواكبي أن الاستبداد السياسي هو الحاضنة التي تفرخ هذه العلل الاجتماعية‏.‏ وفي هذه الأجواء الكابوسية تظهر فئة يطلق عليها الكواكبي المتمجدون‏.‏ أي الذين يتسابقون للاستئثار بالمجد عبر التقرب من الطاغية‏.‏ وهؤلاء يشكلون عصابة تضطلع بمهمة شيطانية هي سلب ثروات البلاد والعباد‏.‏ ويقول الكواكبي الاستبداد‏,‏ لو كان رجلا‏,‏ وأراد أن ينتسب لقال‏:‏ أنا الشر‏..‏ وعشيرتي الجهالة‏,‏ أما ديني وشرفي وحياتي‏:‏ فالمال‏,‏ المال‏,‏ المال؟‏!‏ ولا سبيل للقضاء علي الاستبداد سوي بالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية‏.‏ وكأن الكواكبي كان يري بعين بصيرته ما ألم بمصر في خلال ثلاثين عاما من حكم مبارك‏.‏ فقد تسلط الاستبداد‏.‏ وطغي فساد عشيرته من السفهاء والجهلاء‏.‏ وكان الكواكبي يود زيارة بلاد المغرب العربي لولا أن المنية عاجلته‏,‏ بينما كان في الخمسين من عمره‏.‏ وتردد أن أعوان السلطان عبدالحميد دسوا له السم‏.‏ وتم دفنه في القاهرة‏.‏ ورثاه شاعر النيل حافظ ابراهيم‏.‏ ‏{‏ لو أن العمر امتد بالكواكبي وزار المغرب العربي لكان غضبه قد تأجج علي الاستبداد‏,‏ عندما حرق الشاب التونسي محمد بوعزيزي نفسه احتجاجا علي العسف والقمع واهانة كرامته الانسانية‏..‏ وهو ما أطلق الثورة التونسية‏.‏ وبينما كان يتابع وقائع الثورة‏.‏ أتاه نبأ تفجر الثورة المصرية‏,‏ فبادر بالعودة إلي القاهرة حتي يوزع في ميدان التحرير كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد علي شباب ثورة‏52‏ يناير‏.‏ المزيد من أعمدة محمد عيسي الشرقاوي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل