المحتوى الرئيسى

طللية درويش .. بعد 60 سنة .. غزالة فلسطينية تعيد محمود درويش إلى طفولته في البروة –بقلم: محمود مرعي

03/04 19:46

بقلم: محمود مرعي 2011-03-03 قد يبدو العنوان مفاجئا للبعض ومرفوضا من بعض اخر، لكنه رغم كل ذلك صحيح، ولا يقلل الأمر من شاعرية شاعرنا محمود درويش أو تألقه، حتى وإن بنى نصه على نص سابق لسواه، وذلك لعلمنا أن الشعراء منذ القدم كان يقع لهم ما يسمى توارد خواطر، أو أن يعمد شاعر إلى بيت لشاعر آخر فيصوغه بصورة جديدة وويلبسه حلة مغايرة للأولى، فيكتسب بريقا ورونقا ويسير مع الدهر مسرى النور في الظلم. حين نتحدث عن “طللية البروة” فإننا لا نتحدث عن مجرد قصيدة، أو شاعر عادي، فالشاعر هو محمود درويش، وهو من هو، وهذه الطللية، كما قلنا، ليست كأي قصيدة، إنها عن البروة مسقط رأس محمود درويش، البروة التي مرت ستون عامًا دون أن يكتب درويش قصيدة لها خاصة بها، وإن مرت بين سطور أشعاره هنا وهناك، لكنه لم يفرد لها نصًّا يحمل اسمها من قبل. هذا النص الذي استطاعت، برأينا، طفلة فلسطينية أصلها من اللجون، وبينها وبين درويش قاسم مشترك، فكلاهما من قرية مهجرة، استطاعت أن تعيد محمود درويش إلى البروة – مجازا عبر الطللية – وأن تعيده إلى طفولته في البروة وإلى المدرسة، ليقول في طلليته ” لم أكبر فلم أذهب إلى المنفى”، إن حضور الطفلة الفلسطينية قد أحدث عند درويش ما لم يحدثه أي حضور، كون الطفلة فلسطينية، ومن قرية مهجرة تماما كشاعرنا، لذا فهو حين رآها، رأى درويش الطفل في سنواته الأولى عبر حضور الطفلة الفلسطينية، والتي أيقظت فيه أغنيته الخفية، التي غطى عليها الزمن طويلا، فما إن حضرت الطفلة حتى حضرت طفولته ومعها أغنيته الخفية، التي قاطعها الصحفي: ” ويقاطع الصحفيُّ أغنيتي الخفيَّة : هل ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع الألبان ذاك؟ أقول كلاّ. لا أرى إلا الغزالة في الشباك”. نحن أمام حضور مدهش إبداعًا ومدهش في حضوره وتجسده وشخوصه، حضور يلغي كل حضور، وأغنيته التي يسأل عنها – تكرر السؤال 4 مرات – نراها هنا ” أغنيتي الخفيَّة”. إن أغنيته الخفية، هي البروة ذاتها، هي سيرته وخطواته فوقها في طفولته، هي ما حاول الزمن والتاريخ محوها، لكنها عادت صارخة حين لاحت لعينه الغزالة الفلسطينية أمام النافذة. ويروق لنا هنا قول الناقد عادل الأسطة عن الطللية ” لو سئلت أنا: أي القصائد ترشح لدرويش للمنهاج الفلسطيني لقلت: “طللية البروة”. أمامنا الآن نصان، أحدهما للكاتب والمحامي خالد كساب محاميد ( بروتنا محمود درويش ودم لا يجففه الليل/ وقد نشر في الحياة الجديدة 12/7/2007)، وهو مقال سردي وصفي، تخللته اقتباسات من شعر درويش، يتحدث فيه الكاتب، محاميد، عن زيارة قام بها إلى قرية البروة المهجرة، مسقط رأس الشاعر محمود درويش، برفقة ابنته والأديب أحمد درويش شقيق الشاعر محمود درويش ومحمد السعد، والمخرج الشاب أمين أبو لاشين، طافوا خلالها في قرية البروة ووقفوا على الأطلال فيها والأنقاض، وزاروا موقع بيت الشاعر درويش، وحاولوا إعادة بناء رجم حجارة بيته، وخلال الزيارة تم التقاط صور كثيرة لكل نقطة في البروة تقريبًا، والمقال بشكل عام كتب بلغة سلسة تبعث الحنين وتحفز النفس على المحافظة على البلاد وعدم فقدان الأمل بالعودة. والنص الثاني لمحمود درويش (طللية البروة/ نشر في مجموعته لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي، والتي صدرت بعد وفاته – رحمه الله)، وهي قصيدة عرفها الكل، وتتحدث أيضا عن البروة، مسقط رأس الشاعر، وهنا لا بد من التأكيد على جدية وحداثة قصيدة درويش، وذلك لأنها لم تنشر من قبل، فقد صدر كتابه (أثر الفراشة في شهر يناير 2008) ولو كانت الطللية قد كتبت لرأت النور في أثر الفراشة. من خلال قراءتي للنصين، مع إدراكي أن نص محمود هو قصيدة، ونص محاميد مقال يشتمل على اقتباسات عديدة. فقد بلغني أن محاميد، حين نشر نصه في صحيفة الحياة الجديدة، الصادرة في رام الله، أوصل سبعين صورة التقطها خلال رحلته للبروة لمكتب محمود درويش في مؤسسة خليل السكاكيني في رام الله ، وبلغني أن درويش اطلع على المقال والصور، حيث أوصلها إليه الأستاذ حافظ البرغوثي رئيس تحرير الحياة الجديدة، وقد تحدثت شخصيا في هذا الأمر مع الأستاذ الشاعر عبد الحكيم أبو جاموس الذي يعمل في الحياة الجديدة، فأكد لي الخبر. لقد تعرض الناقد عادل الأسطة لـ ” طللية البروة” وذكر في مقال له بعنوان “طللية البروة .. طللية الوطن”، وهو يكتب عن مجموعة درويش الأخيرة ” لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” كون “طللية البروة” ضمن نصوص المجموعة، فقال ضمن ما قال ” لم يكتب محمود درويش عن البروة من قبل – أعني قبل أن يصدر هذا الديوان قصائد لافتة”. ويقول في موضع آخر حين يحاول كشف العلاقة بين درويش وامرئ القيس وذكر الأطلال ” لم تتطابق تجربة درويش مع امرئ القيس قدر ما اختلفت، وقد عارضه مبكرًا حين ربط بين امرئ القيس والوقوف على الأطلال، ذاهبا إلى أن هذا الوقوف فانٍ، وأن الوقوف على الأطلال محير ومرمد أيضًا، فدرويش اختار الوقوف إلى جانب أهله، لا الوقوف على الأطلال. كان هذا قبل أن يغادر حيفا في العام 1970، ولم يكن درويش فطن إلى مكر التاريخ، فقد عاد إلى حيفا والجديدة والبروة، ووقف على الأطلال، ليكتب قصائد جميلة جدًّا، منها “طللية البروة”. من خلال الاقتباس عن الناقد عادل الأسطة، نجد أن محمود درويش لم يكتب عن البروة قبل “الطللية”، وإن ظهر في كتاباته سابقا هنا وهناك، شيء من الكتابة عن الأطلال بشكل عام، لكنه في الطللية مختلف عن السابق، وتشير “الطللية” إلى اعتماد درويش على الصور التي أوصلها له محاميد، واعتماده على المقال أيضا، وذلك لما نلمحه في “الطللية” من نقاط تشابه تظهر بين النصين، فحين وصف محاميد سفره وأهل محمود درويش للبروة ورد في مقاله: “وسافرنا معا إلى البروة المهجرة مستمعين في السيارة إلى أغنية “أسيل فراشة قوس قزح” لأحمد كساب محاميد”. ” ولكي نستوعب ما لهذه الزيارة من أبعاد علينا وعلى خصمنا في الصراع وما ستحدثه من تفجيرات في النفس والروح والوعي في بناء الهوية المقاومة الصامدة والتأثير على المسارات التاريخية كان لا بد لنا أن نعود إلى الرسول بقوله “هي كلمة لو قلتموها لملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم، والى قول المسيح “في البدء كانت الكلمة” وإلى محمود درويش “من يكتب شيئاً يملكه”. يكتب محمود درويش: “هنا وقعت سماءٌ ما على حجرٍ لتُتبزغَ في الربيع شقائق النعمان…(أين الآن أغنيتي؟)”. تساؤل درويش ” أين الآن أغنيتي” يقابله لدى محاميد” مستمعين في السيارة إلى أغنية “أسيل فراشة قوس قزح” لأحمد كساب محاميد”، بفارق أنهم كانوا يستمعون وهو محروم من هذا الاستماع، لذا يسأل عن أغنيته، وقد تكرر سؤاله عن “أغنيته” أكثر من مرة، ولنا أن نسأل عن هذه الأغنية التي يسأل عنها، فلا بد أنها ليست أية أغنية، وهو شاعر فلسطين وكتابته كلها أغان، فما هي هذه الأغنية؟، ولماذا يسأل أينها؟، مما يعني أنها مفقودة لدى شاعر فلسطين. درويش: “هنا كسر الغزال زجاج نافذتي لأتبعه إلى الوادي (فأين الآن أغنيتي؟)” …. ” يقول السائحُ : انتظر اليمامة ريثما تنهي الهديل! أقول : تعرفني وأعرفها, ولكن الرسالة لم تصل. ويقاطع الصحفيُّ أغنيتي الخفيَّة : هل ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع الألبان ذاك؟ أقول كلاّ. لا أرى إلا الغزالة في الشباك”. يلفت انتباهنا هنا قوله ” هنا كسر الغزال زجاج نافذتي لأتبعه إلى الوادي” وكذلك قوله ” لا أرى إلا الغزالة في الشباك”، ورغم الشبه القريب بين الغزال والغزالة، إلا أننا نرى أن كلا منهما في النص يرسم مشهدا خاصا به، ولننظر إلى الصورة التالية، وهي غلاف كتاب من سلسلة هاري بوتر: (غزال هاري بوتر) الغزال في روايات هاري بوتر، له بعد أسطوري، حيث يأتي إلى البطل ويتبعه البطل حتى يصل البركة ويجد السيف، ولا تعنينا التفصيلات كثيرا هنا، إنما فقط الغزال، والذي ربما يعني فكرة الخلاص، وفي الرواية يجد السيف – أي الحل – وفي حالة درويش سيكون معنى السيف الحل، أي باختصار المقاومة، لكن درويشًا لم يذكر ذلك وتوقف قبله ” هنا كسر الغزال زجاج نافذتي لأتبعه إلى الوادي (فأين الآن أغنيتي؟)”، لم يذكر أنه تبعه!! وهذا يثير سؤالا ملحا، ماذا جرى بعد ذلك؟ لم يقل درويش إنه تبع الغزال إلى الوادي، بل قال إن الغزال كسر الزجاج ليتبعه إلى الوادي، ثم عاد للسؤال (فأين الآن أغنيتي؟)، وأسدل الستار على ما بعد ذلك، فهل تبع محمود الغزال إلى الوادي. الغزال – فكرة الخلاص – حضر وكسر الزجاج، لكن هل تبعه محمود ونزل إلى الوادي وأخذ السيف – الحل / المقاومة – أم لا؟، رغم أنه يتطرق إلى قضية السلام والفشل: يقول السائحُ : انتظر اليمامة ريثما تنهي الهديل! أقول : تعرفني وأعرفها, ولكن الرسالة لم تصل”. اليمامة = السلام وطريقه هديلها، وهو يعرفها وتعرفه، ولكن الرسالة لم تصل، فلا أحد يتلقى الرسالة، لذلك لم تصل ولن تصل، فهي مرسلة إلى من لا يريدها، وإن تباكى عليها. إن تحليل النص هنا مع ربطه بسيرة الشاعر تكشف لنا أنه لم يتبع الغزال ولم يأخذ الحل الذي كان الغزال سيدله عليه – السيف – كما في رواية هاري بوتر. (سيف الملك أرثور من أسطورة انكليزية حول السيف الذي سمي ايكسكاليبر) ننتقل إلى الرمز الثاني “لا أرى إلا الغزالة في الشباك”، وهنا نكشف عن الغزالة التي رآها في الشباك: (صورة الطفلة أسيل خالد محاميد على خلفية شباك المدرسة الابتدائية التي تعلم فيها محمود درويش في البروة المهجرة) يقول محاميد في مقاله: ” ويفتح هذا الوضوح البطيء مجرى لمعنى له صورة، فتصير ثلاثة أحرف بابًا أو دارًا. وهكذا تبني حروف خاملة، لا قيمة لها إذا افترقت، بيتًا إذا اجتمعت، كتلك الحروف التي تخيلناها عندما التقطنا صورة للوح، لوح الصف في مدرسة البروة التي تعلم فيها محمود درويش، التي استحوذت على مخيلتنا بتذكرنا “للحروف البيضاء على اللوح الأسود مهابةُ فجرٍ ريفي، في بناية المدرسة التي ما زالت قائمة بغرفتيها مصممة أمام الوحش الإسرائيلي على إخبار العالم أنه “هنا جمع محمود درويش في صباه حرفاً إلى حرفٍ وأصبح يكتب شيئاً فيملكه وهو يكتب الآن نهر العودة دون أخطاء إملائية”. وعودة إلى الغزالة.. هذه الطفلة، الغزالة، في الصورة، هي أسيل ابنة خالد محاميد، ووقوفها في هذا المكان بالذات، والمكان هو مدرسة البروة التي تعلم فيها محمود درويش في طفولته، فماذا تعني هذه الغزالة ووقوفها في المكان؟. إن الغزالة – أسيل – قد ألهمت الشاعر بعدين، الأول – الغزال – الرمز السابق، والثاني – الغزالة – الذي نحن بصدد الوقوف عليه. الغزالة كرمز سبق للكثيرين استعماله، فهو رمز محبب إلى النفس لما في الغزالة من جمال وجاذبية، فمنذ امرئ القيس وسواه من الشعراء كانت الغزالة مصدر إلهام لا ينضب تدفقه ودوما تمثل الحبيبة، بل إن قيس ليلى “رأى صيادا يلاحق غزالة من غزلان المسك فوقعت في الفخ وأسرع اليها قيس واحتضنها وأمعن النظر في عينيها فوجدهما تشبهان ليلى، وخفة حركتها كرشاقة ليلى، فقبلها وأطلق سراحها وكان الصياد يصرخ به فلم يسمعه إلى أن ضربه فقال له: قطعك الله كما قطعت رزقي. فقال له قيس: كفاني ياهذا ما ضربتني فإن عينها تشبه عين ليلى، واكمل سيره وهو يقول: ليلى ..ليلى.. أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني ** لك اليوم من دون الوحوش صديق ويا شبه ليلى لو توقفت ساعة ** لعل فؤادي من جواه يفيق فعيناك عيناها وجيدك جيدها ** سوى ان عظم الساق منك دقيق فتغير حال الصياد وأصابه الذهول وسأل قيسا : ماهذه الفعال؟ فقال له قيس وقد اشتد به الجوى وعظم مصابه: لا تلمني فإن عينها تشبه عين ليلى فتركه الصياد وهو يهذي بليلى”. إذن الغزالة في الذاكرة الشعرية العربية محببة وليست مما ينفر الطبع منه، بل إنها مثيرة للمشاعر الجميلة ولها علاقة بالحبيبة. هذه الغزالة – أسيل – جاءت في نص شاعرنا ليس كحبيبة معشوقة، إنما معيدة الشاعر إلى مرابع الطفولة والصبا، لقدا أعادته إلى طفولته أمام المدرسة، وفترة طفولته والمدرسة لها في نفسه وقع لا يوازيه وقع عند حضورها، ولا نستغرب اسقاط رمز الغزالة عليها، فربما وقف في طفولته نفس الوقفة التي تقفها الغزالة في الصورة، لقد أحدثت عنده عملية الارتجاع flash back ، فشخصت أمامه مشاهد طفولته في البروة، لذا قال حين قاطع الصحفي أغنيته الخفية: “ويقاطع الصحفيُّ أغنيتي الخفيَّة : هل ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع الألبان ذاك؟” قال إنه لا يرى “إلا الغزالة في الشباك”، إنه حاضر بينهم، لكنه غارق في أغنيته وطفولته وبروته التي فقدت حضورها زمنا طويلا، لكنها الآن شاخصة بكل جمالها وجمال الطفولة فيها، قبل أن يشرد عنها ولا يعود إليها إلا في أواخر حياته، ولذا استحق رمز الغزالة أن يسطر لوحده هنا، ولا غرابة أن يستعمل رمز الغزالة، فلا شيء أحب إليه من المشاهد التي رفعها وقوف – أسيل – أمام باب المدرسة، فتحولت أسيل إلى غزالة ، حبيبة، لكنها حبيبة بمعنى مختلف عن الحب العشقي، إنها معيدة درويش إلى مرابع الطفولة والزمن الجميل، حيث كان يعيش بلا هموم يومها، قبل أن يعايش ما حل به وبأهله وشعبه. يمكننا أن نرى تشابها معينا بين ” الغزال والغزالة” وهو أنهما أخذا الشاعر من واقعه إلى أمكنة أخرى ، فالغزال كسر الزجاج ليتبعه الشاعر إلى الوادي، وفي الوادي السيف، كما في هاري بوتر، ولعله الحل للقضية ، أي المقاومة، رغم سكوت الشاعر عما بعد كسر الزجاج، والغزالة أخذت الشاعر من واقعه إلى طفولته، وندرك ذلك رغم عدم ذكر الشاعر لعودته، إذ يكفي حضور الغزالة لتغيب الدنيا عن عينيه إلا ما تجسده الغزالة الواقفة عند الشباك، لقد عاد دون أن يخبرنا، بل إن النص هو ما نطق بذلك، بل يكفي أن تلوح صورة مبنى المدرسة التي تعلم فيها في طفولته، قبل النكبة، حتى تُستَفز روحه ويفيض مداده وإبداعه وصفًا وحنينًا إلى زمن جميل عاشه الطفل الذي عاد في الطللية: (المدرسة الابتدائية التي تعلم فيها درويش حتى الصف الثالث في البروة) إن حضور الماضي بجمالياته والطفل الغائب الذي استدعاه حضور الغزالة، فخرج من ذاكرة محمود درويش بسرعة ورضًى، قد ألغى الحاضر كله ورفع أمامنا المشهد القديم حين كان الطفل يركض في ساحة المدرسة والحديقة، ويظهر الأمر في قوله: “هل ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع الألبان ذاك؟/ أقول كلاّ. لا/ أرى إلا الغزالة في الشباك./ يقول : والطرق الحديثة هل تراها فوق/ أنقاض البيوت؟ أقول كلاّ. لا/ أراها, لا أرى إلا الحديقة تحتها,/ وأرى خيوط العنكبوت. يقول جففْ/ دمعتيك بحفنة العشب الطريّ. أقول :هذا آخري يبكي على الماضي…”. (هل ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع الألبان ذاك؟) أما محاميد فيقول في نفس المشهد ” وحين رأيت أبا فراس، وبشوق حب مسقط رأسه، بيت أبيه المهدم في البروة، الذي حوله أبراهام اليمني إلى “عَجَال بقر”، يحتل بيت محمود درويش في البروة، ورأيت ولع اشتياق اللاجئ لرؤية حجارة بيته التي تستأنس بمربط الحصان الذي ترك وحيداً”. وفي موضع آخر يتحدث عن الصنوبرة: “وأستذكر هنا حديثنا – أبو أحمد محمد السعد وأحمد درويش وأسيل ابنتي والمخرج الشاب أبو لاشين وأنا تحت شجرة الصنوبر الكبيرة قرب البيادر بين البيوت، حين شرح أبو أحمد: هنا كانت “أوضة” عمي محمود السعد قرب “أوضة” الولي الشيخ العجمي التي كانوا يضيئونها بزيت بطريقة معينة للقيام بطقوس وشعائر دينية. استمر وأكمل “جَرفوا لنا مقبرة دار سعد فَزَّعنا الدنيا وعزمنا الشيخ تبع أم الفحم ولم ينفع كل ذلك، هنا بئر مطموم هناك – البيادرية: الحمص والعدس والسمسم، وصلوا وقتها لشراء الحصادة أما الكومباية جابها اليهود”. الصنوبرة، مصنع الألبان، وتظهر في خلفية الصورة بقرة وخلفها في البعيد حظائر، والبقر مصنع ألبان، فهو مصدر الحليب الذي يتحول إلى ألبان، لكن شاعرنا لا يرى كل ذلك، إنه يرى فقط الغزالة في الشباك. لا يمكننا الحديث هنا عن توارد خواطر، خاصة ما تكشفه الصورة من تشابه بين نص درويش ونص محاميد، بل نكاد نجزم أن الصور، سواء ما أثبتنا أو ما بقي بحوزتنا، كانت أمام درويش وهو يبدع طللية البروة، ولا عيب ولا غضاضة في ذلك. درويش: “هل ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع الألبان ذاك؟” محاميد: “بيت أبيه المهدم في البروة، الذي حوله أبراهام اليمني إلى عَجَال بقر” مصنع الألبان / عجال بقر/ صورة البقرة في خلفية الصورة والحظائر في البعيد، كلها معالم تقول إن الشاعرين رأيا نفس المشهد من نفس الموقع، بفارق أن محاميد رآه عيانا ووقف تحت الصنوبرة، وهو في الصورة، بينما درويش رآه من خلال الصورة، ورأى من خلاله طفولته التي أحضرتها الغزالة بحضورها إلى موقع طفولته أمام المدرسة، لذلك رأيناه يقول إنه لا يرى مصنع الألبان، فقوة حضور الغزالة بما حملته معها طغت على المشهد وألغت بحضورها كل حضور سواها، لذلك، فإضافة إلى أنه لا يرى إلا الغزالة في الشباك، فإنه لا يرى كل حديث طارئ علا على الأنقاض، بل يرى ما تحته فقط: ” يقول: والطرق الحديثة هل تراها فوق أنقاض البيوت؟ أقول كلاّ. لا أراها, لا أرى إلا الحديقة تحتها, وأرى خيوط العنكبوت”. لقد دخل في المشهد الأول قبل النكبة فلم يعد يبصر سواه ” لا أراها, لا أرى إلا الحديقة تحتها, وأرى خيوط العنكبوت”. لقد استطاعت الغزالة، الطفلة الفلسطينية، أن ترفع أمامه المشهد الأول، الطفولي، قبل النكبة ليدخل فيه، ويكون بطله، وقد استطاع أن يخبرنا بكل جوانب ذاك المشهد كما عاشه هو، من جماليات ويصف لنا ما اشتمل عليه قبل أن يغشاه الطارئ ويخفيه. سنتوقف في المقال التالي على تشابهات أخرى في النصين، وهي كثيرة كما قرأناها

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل