المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد : زمن أشباه الرجال !!

03/03 23:56

لم يكن الرئيس المخلوع عند توليه الحكم يحظي بشعبية ولاعرفت له سابقة اهتمام بالشأن العام , وكان بادي الجهامة حتي أن من تعاملوا معه كانوا يجمعون علي خشونة حديثه , ولكن الناس عزوا أنفسهم عن ذلك بماروج له عن استقامته ونقاء سيرته وما أعلنه هو نفسه عن الكفن وأنه بلا جيوب  , وتعشم الكثيرون – وكنت أحدهم – أن يكون درس المنصة ماثلا أمام عينيه مذكرا اياه بمعني أن يغضب الشعب علي حاكمه .وكان هناك نوع من التفاؤل المشوب  بالخوف من مبارك لأنه لم يبد أبدا حساسية تجاه رأي الشعب فيه ولا عرف عنه الحرص علي أن يكون محبوبا قريبا لقلوب الناس  , ولكن البدايات عموما كانت تشير الي استيعابه درس من سبقه , وقد حدث يوما أن صحيفة نشرت في بدايات حكمه خبرا تزلفيا مؤداه أن أمنية قرينته كوب لبن لكل طفل مصري , وعندها قامت الدنيا علي الصحيفة وجري تنبيه الناس الي أن زمنا ولي ولن يعود , فقد سبق للسادات أن اعتبر أجهزة الاعلام شأنا عائليا صرفا , وكان ذلك ضمن أسباب كثيرة للسخط عليه .ودارت العجلة , وسرعان ما التفت حول الرئيس شراذم من بقايا كل العصور من الآكلين علي كل الموائد , وقاموا بشر مهمة تقوم بها حاشية سوء مستغلين أمرين أولهما ضعف حظ الرجل من الثقافة والحصانة الشخصية عموما والثاني رغبته في البقاء الأبدي في السلطة حتي قبل أن يلوح في الأفق شبح التوريث لولده المرفوض من طوب الأرض عدا قلة من مصاصي الدماء ممن اعتبروه زعيما ثوريا , وشر البلاء يضحك !بمرور الوقت بدأت كل الخطوط في سياسة مبارك تتجمع عند محور واحد سيما مع ظهور الوريث المتلهف ,  هو البقاء في الحكم حتي يورثه لولده , و راح يقيم  حكمه  علي دعامات واضحة , في الخارج راهن علي الانسحاق الكامل وغير المشروط لكل الاملاءات الأمريكية والصهيونية فتوطأ علي ضرب العراق وفلسطين ولبنان ومول الانفصاليين بجنوب السودان بالسلاح , وكان من العار أن يوصف علي لسان مسئول صهيوني بأنه ( كنز استراتيجي ) للكيان الصهيوني الغاصب لأرضنا في فلسطين , والحقيقة أن الصهيوني محق تماما في الوصف , وليأذن القاريء في أن أروي رواية عاينتها , فقد كنت ضمن مجموعة حاولت دخول عزة لمؤازرة أهلنا بها وهم واقعون تحت حصار العدو من كل جهة , والعدو هنا ليس الصهاينة وحدهم وانما معهم الكنز الاستراتيجي , وقد حوصرنا في محاولات ثلاث  , وفي المرة الثالثة سحل زبانية مبارك بعض الرجال وبعض النساء عند مجلس الدولة , ثم التأم شملنا عند نقابة الصحفيين , ورحنا نتحدث أمام أجهزة الاعلام في أسي وغضب شديدين , وقد قلت يومها ان الحب في صورته الانسانية أعمي ولكن يبدو أن العشق في السياسة أشد عمي وأبعد ضلالا , وكنت ولازلت لا أجد تفسيرا لمنع الناس من الذهاب الي حيث يصدهم الصهاينة الا أن يحمل الرجل عن أحبابه تبعة اللعنات لتصب علي رأسه هو بدلا من رؤوسهم !وأما علي الصعيد الداخلي فكان الرهان علي عدة أمور أولها العصا كخيار استراتيجي حاسم , مع فتح خزائن البلد لعصابات اجرامية شرهة , ولم يقف القانون حائلا ولا حتي جري تطويعه ليسهل السرقات وانما تحول المجلس التشريعي الي صكاكة للقوانين المشرعة للنهب العام ,  وتحول الوطن الي غنيمة للذئاب الجائعة وجيوش النهب المنظم باسم القانون !وارتكز النظام أيضا علي جهاز اعلامي مهمته اليومية تخدير الناس والهاؤهم وتزييف وعيهم , وراحت الأموال تغدق علي نحو أسطوري علي البعض  جراء دوره في بث الالهاء العام , وكانت هناك مشاهد مضحكة مبكية كأن يقام سرك لاثنين من ديوك الحكومة ليتناقرا ويكونا باب الهاء وحديثا للناس بضعة أيام ! أو أن يصور مجد مصر في نتيجة مباراة كرة قدم , ثم يهب الشتامون ومن لا نعرف من أي منبع بلاء ومنبت سوء هبطوا علينا ليسبوا أشقاءنا في أرض الجزائرالعربية الحرة الأبية  التي  اختلط دم أبنائها بدم أشقائهم  أبناء الكنانة في حرب أكتوبر العظيمة !وفي كل هذا جري أمر رهيب أقولها واثقا حزينا معا , وهو اختيار المسئولين في أكثر الأحوال بعد عرضهم علي أجهزة تفحصهم ظاهرا وباطنا فضلا عن معرفة تاريخ كل منهم والتحقق في النهاية ليس فقط أنهم لايعارضون ولم يعارضوا طوال حياتهم , وليس فقط أنهم لم يكونوا يوما أصحاب موقف , وانما كان لابد من التحقق أنهم – أقولها آسفا – من أشباه الرجال , باعتبار أن من المتيقن – علميا – أن الخيل المخصية لاتصهل !وأنا أضع معياري الي حيث يختبر , وأتساءل هل رأينا مسئولا يتمعر وجهه لباطل وقع أو حق أهدر ؟  مات الشهداء في القطارات حرقا وفي العبارة غرقا فلم نر وجها بدت عليه حمرة الخجل فاستقال , وانهارت صخور الدويقة ومات تحتها شهداء فلم يخجل مسئول واحد ويقدم استقالته , وتشرد الناس بلا مأوي وسكنوا القبور بينما أموالهم تنهب بالتريليونات ولم يرحل أحد , وصارت المستشفيات  خرابا يبابا وانهار التعليم انهيارا كاملا ولم يذهب أحد بل بقي الكل متشبثين بالكراسي ! بل ان مسئولين شتموا وسب آباؤهم كما روي ثقات ولم يستقل أحد !وانظروا معي اليوم الي بعض رجال الأعلام , ممن لعنوا الثورة ووصف الثوار بأشنع النعوت وتباروا في اهدار دمهم , ثم فجأة وعلي حين غرة تحولوا بقدرة قادر الي لعن اللصوص وسفاكي الدماء من سادتهم السابقين وسبحان مغير الأحوال .بين يوم وليلة تحول ( المساخيط ) وأشباه الرجال ليس بزاوية حادة ولاقائمة بل بزاوية مائة وثمانين درجة , لاخلال عام أوحتي شهر حتي يقال انهم راجعوا أنفسهم وانما بين عشية وضحاها .كان الطبيعي – لو كانت لدي البعض ذرة حياء أو كرامة أو شرف او كبرياء أو خلق – أن يبادر كل من سار في ركاب حكم العار والشنار والذل وسفك الدماء الزكية ,  وكل من روج وكل من ساعد أن يرحلوا غير مأسوف عليهم , ولكن كيف يرحلون وما الدافع أصلا ولو كانت هناك بقية مما تقدم  لما تردوا الي الحضيض الذي هبطوا الي قاعه .انني أفهم أن يختلف الناس علي فرق الكرة , وأن يميل بعضهم الي فريق من الدرجة الثالثة , وأن يختلفوا في حب المطربين مهما تدني  حظهم من الفن , وحتي أفهم أن يكابر مكابر فيقول اننا في الليل بينما الشمس ساطعة في رائعة النهار , ولكن مالايفهمه انسان أن أحدا كان يؤمن أن مبارك يعمل في خدمة المصريين  وليس في خدمة شخصه وعائلته لا أكثر حانثا بالقسم الجمهوري الذي يحلف فيه علي الحفاظ علي النظام الجمهوري وأرض الوطن ومصالح الشعب وليس صالحه وصالح عائلته و مصالح الصهاينة التي فتح لهم سيناء بدون تأشيرات !الم تروا وجوه المسئولين وكلهم أمل في البقاء ان لم يكن عاما فليكن شهرا أو أسبوعا أو حتي مادون ذلك  , وهم علي كامل الاستعداد لتقديم خدماتهم لمن يدفع ! الم نقرأ الصحف ونشاهد البرامج مذهولين ممن لايستحون حتي أن بعضهم يزعم أنه كان مع الثورة وأن أبناءه أو أخواله أو احدي خالاته كانت مع الثوار!ان هؤلاء – فيما يبدو – يعرفون مقامهم جيدا وأنهم لايرحلون بل يكنسون كنسا ويلقي بهم الي حيث يستحقون ككل النفايات البشرية!اننا نتمني أن نعيش لنري مسئولين يعرفون في قواميس حياتهم كلمة الاستقالة , وهي الوجه المرادف لقيم الشرف والنزاهة والاستقامة والكرامة والضمير !!مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل