المحتوى الرئيسى
alaan TV

رسالة أخوية جدا (2) ..أخي الإنسان العربي ..بقلم : حسان نزال

03/03 23:49

رسالة أخوية جدا (2): أخي الإنسان العربي : تحية إنسانية من حياض القدس وبعد، فقد احتجت لسنين عديدة لأرسل لك رسالتي الثانية ، كما احتجت أنت لذات الفترة لتقنعني بأهمية أن أكتب لك هذه الرسالة ، لتقنعني أنك تغيّرت َ ولم تعد ذلك الإنسان الذي خاطبته في رسالتي الأولى لك ، فقد تغيرت فعلا وصار لزاما عليّ أن أقرّ َ بذلك ، جماهير بنغازي المُتماوجة فرحا بالحرية وشوقا لها ، وسواعد ميدان التحرير والحناجر التي اجترحت الشعار ((الشعب يريد إنهاء النظام )) في تونس ليصبح شعار شباب الأمة كلهم تثبت لي ذلك ، لهذا صار لزاما علي كفلسطيني عربي مسلم كنعاني أن أهمس بأذنك بدمعتين اثنتين : كم أحبك أيها العربي ثائرا .. كم أحبك متغيِّرا ..كم أحبك مُدركا لذاتك هازّا بقبضتك عروش الظلم وقضبان الأنظمة المهترئة لهذه النظم المتهالكة القائمة على شخصية الفرد المالك لكل شيء ..المسيطر على الكل المالي والسياسي والاقتصادي والأمني في بلده ، يمسك بقبضته البلد كما يمسك مروض الجمال بقياد ناقته ويسيرها كما يشاء . لقد غزا الشيب فودَيّ وأنا انتظر أن تثأر لنفسك ، أن تخرُج من تحت شجرة النظام التي تُظلـِّلُكَ فتحجب عنك كلَّ شيء إلا ما تريده هي موهمة إياك أنها الحضن الظليل الذي لا بديل له ، تأخرتَ كثيرا لكنني سأتذكر المأثور (( من غاب وحضر فكأنه ما غاب )) وأنت تحضر اليوم حيث يجب أن تكون وتقوِّض بدمك ولحمك ودمعك هذه الأقبية التي تسمى أنظمة وهذه الفرمانات التي تسمى دساتير . أخي الإنسان العربي : أرادنا حُكامنا أن نعيش أدنى من البهائم إذ نحيا لغرائز الحياة ونجهد لإشباع حاجاتها فقط ، وأرادنا الله أن نكون أسمى من الملائكة إذ منحنا الأمانة ووهبنا العقل لنخلف في الأرض حملة الرسالات فننشر العدل ونوظف ما وهبنا من خيرات في سبيل البناء والعدالة والخير لنا ولعالمنا ...لم يهبنا الله النفط لتتكرش به بطونُ بضعة ِ آلاف من بين الملايين من أبناء الرؤساء وأنسبائهم وأعوانهم وعملائهم فقط ، بينما يعيش بقية الناس في أقبية لا تصلح حتى للحيوانات ، وهبنا الله النفط لعله يكون سبيل عـِزَّتنا وتعليم أبنائنا وبناء جامعاتنا وانتشال أجيالنا من الفقر والجهل وإقامة حضارة إنسانية شامخة ، لكن رعاة أمرنا ارتهنوه لغرائزهم ولهْوِهم ومجونهم وجنونهم وتركوا الناس تلهث خلف لقمة ينتهي النهار دون أن تـُحصِّلها كاملة أو تشعر بلذة مذاقها . أخي الإنسان العربي : لا أتوقع منك الآن أن تشد الرحال الى فلسطين ولا أن تُعد العدة لتحرير القدس والأقصى ، لقد كانت غاية حـُلمي أن أراك تقول لا ، أن تنطقها في غير الشهادتين وأن تفغر بها فاك في الميادين والساحات التي تغص بالمخبرين ومناديب الأجهزة القمعية ، وها أنت تفعلها ... ها أنت تفعلها فتستدِرُّ الدمع من عينيّ وتحرِّك بي عاصفة للفرح لم أتعوّده ، لكنني لم أفقد الأمل به أبدا ، وليس أدل من عدم فقدي للأمل ذاك إلا ما ضمنته لك في رسالتي الأولى ، كفى أيها العربي ..لقد فاض التنور ولم يعد بالإمكان الصمت أكثر ، صار لزاما عليك أن تخرج دفاعا عن الهواء الذي تتنفسه والماء الذي تشربه ، دفاعا عن كرامة مهدورة وإرادة مقهورة وأرض مسلوبة..وصار لزاما عليك أن تصدِّق أن باستطاعتك ...نعم باستطاعتك ، أن تصدق أنك أنت فعلا ...نعم أنت طردت حسني مبارك وزين الهاربين وتقوض الآن جنون القذافي وجعلت فرائص الآخرين ترتعد مما هو قادم ........لا تقرص نفسك لتتأكد أنك في علم لا حلم ، في حقيقة لا في خيال.....فقط انظر في المرآة وتأكد أنك أنت وأن شيئا ما فيك تغير ....لون عينيك ..منطوق لسانك ...لون الدم المتدفق في شرايين وجنتيك ..نعم تغيّرت وصار بإمكانك أن تفعلها وتقول لا وتنجح وتنام باكيا من الفرح أو حزينا على أخ لك سقط وهو يسير باتجاه ذاته . عشرون عاما أخي العربي ...أو ثلاثون أو أربعون ، يعني عقود ...يعني جيلين ...ولم يتحقق شيء ، ذات الوجوه وذات اللصوص وذات الخونة الذين استمرت كراسيهم أهم في حيواتهم من بلادهم ومصالح شعوبهم وكرامة أمتهم وقداسة عقيدتهم وقدسية معتقداتهم ومهد حضارتهم ، ما يقارب نصف قرن وتلك الجوارح تنهش في جسدك خلية خلية ...ما يقارب نصف قرن وهذه الخفافيش تفرش أرض وطنك لعدوك بالرياحين والزهور وتضع بين يديه خيراتٍ بعثها الله لك فكانت ــ لصمتك ــ لغيرك . ما الذي أبقاك صامتا كل تلك العقود؟!!! لعن الله الخوف وقاتل الجبن ..فقد كنتَ جبانا ..ولدتك أمك حرَّا فأرضعتك الأنظمة بسياطها ورائحة زنازينها حليب الخوف فنـُوِّمتَ وترعرعتَ مُدمِنا عليه ، لا ترى له بديلا ولا تجرؤ أن تبحث لك عن ذاك البديل . ضاعت فلسطين شبرا شبرا ..وأنت لا حول لك ولا قوة ، هُوِّدت القدس حجرا حجرا ودُنِّست قداستها آية آية وأنت لا حول لك ولا قوة ، فُـُضت بكارة لبنان واستبيحت حرمات محارمه ونام اليهود في مخادع عروسه وأنت لا حول لك ولا قوة ، سقطت بغداد وانتهبت كرامة نساء الفلوجة واغتصب علوج أمريكيا حرائر العراق وأعملت إسرائيل في غزة أظافرها وأنيابها ومخالبها حتى تركتها جسدا منهكا محاصرا مثخنا بالجراح لا يستطيع حسني مبارك أن يفتح لها كوة في الجدار ((لأن اليهود على الجانب الآخر من الحدود ولا بد من موافقتهم على الفتح)) وهو لا يريد أن يُغضِبَ الفتح َ بالفتح ..... وأنت لا حول لك ولا قوة ...تركت للأنظمة أن تتحدث باسمك ، تشجب عنك ... تدعوك للتظاهر متى تشاء وتلزمك الصمت متى تشاء وأنت لا حول لك ولا قوة ، غِبت عن الوعي طويلا وظللت طيلة ذلك تمتدح ثياب رئيس عارٍ وترقع مفاسد أمير لص وتربت على كتف ابن ملك سِكير ، يستأجر المأجورون موظفين يحملون لهم أحذيتهم ويُلقمونهم إياها بينما يسير ابنك حافيا في الأزقة ، تعجز أن تقيه حرّ الرمضاء أو برد الشتاء ..وإذا اختليت بنفسك تقول متذرعا أمام نفسك :لا حول لي ولا قوة اعتاد السلاطين صمتك وأدمنوا خوفك منهم وكانوا ينقلبون على أقفيتهم استهتارا كلما ذكـّرهم ناصح بأن شعوبهم قد تستفيقُ وينفجر البركان في وجوههم ...جلهم قالوا ذلك ، والفضائيات التي تفهم التاريخ تـُدوِّن وتعرض أمثال تلك المواقف كلما احتاج الرؤساء الى تذكير . يكفيني أنك تغيّرت أيها العربي ...صار بإمكانك أن تقرأ غير قصائد شعراء السلاطين ، وأن تستمع لغير خطب المشايخ ِالمُخبرين ، وأن تقول غير ما يـُلـّقـِّنُك إيّاه مذيعو وسائل إعلام النظام وأن تشاهد غير ما يمثله مخرجو مسرحيات النظام ....صار فضاؤك أرحب ، افحص ذلك بنفسك ..اشخصْ بناظريك الى السماء الآن ستجدها إليك أقرب واختبر الأرض من تحتك ستجدها أصلب ، وتحسس عشب الأرض من حولك ستجده أكثر يناعة واخضرارا ، تحسّس جسدك وستكتشف أنْ نعم ، لقد تغيرت وصار بإمكانك أن تفعل أكثر ، وصار لزاما عليَّ أن أُذكـِّر بأنّ دورَكَ بدأ ويجب أن لا ينتهي وأن لا تركـَن لتغير في القشور وتخلد الى الراحة . لا تركن إلى أنك أسقطت النظام ويجب أن تخلد للراحة ، لا.... فإن مرحلة البناء بانتظارك ، مرحلة قلب المفاهيم التي سادت والعقائد السياسية والأمنية التي تربّى عليها مُذِّلوكَ ومُعتقـِلوكَ ومُعذِّبوكَ في الأقبية صار لزاما عليك أن تغيرها وتنشئ لبـِنات قابلة لأن تبقى مدى طويلا ؟لأنها ترتدي عباءة الانتماء وحب الوطن والإيمان بعقيدة أهله وعظمة تاريخه وحجم طاقاته وإمكاناته صار لزاما عليك أن تفكر وتعمل كي توفر لـِنفسك وبنفسك غذاءك ودواءك ووسائل راحتك ورفاهيتك بنفسك ، أن تكون منتجا لا متقاعسا ً، مُهمّا لا هامشيا ، حاضرا لا مُغيّبا فاعلا وليس انهزاميا ، دقت ساعة العمل للحياة التي اختارها الله لك ونسيان ما اختارته لك الأنظمة كل هذا باستطاعتك وأكثر فقد انتصرت على الخوف وصار بإمكانك أن تنتصر على كل تداعياته وإرهاصاته ونتائجه. أخي الإنسان العربي: بقي عليّ أن أختبرك....أن أرى ماذا ستفعل حيال انتهاك عدوّك لوطنك ...هل ستصمت وتبقى مُتمسمرا أمام الشاشات إذا ما عاد العدو إلى خدش كرامة لبنان ؟! هل ستترك الجوعَ يقتات أحشاء الغزّيين؟! هل ستثور لدم يُهدر في العراق ودموع تنزّ في القدس؟!! هل ستترك النفط يتسلل بدفئه ودفء أمواله الى جيوب أعدائك بينما أبناء جلدتك يعانون شتى صنوف الحرمان؟؟!! سأنتظر وأرى لكنني سأهمس بأذنك قائلا : إنّ جبل الخوف انهار ، وصخرة الجبن التي غلّفت صدرك انزاحت ، المرحلة الصعبة تمّ تجاوزها وصار بإمكانك أن تحوّل كلّ ميادين وطنك إلى ميادين للتحرير وإلى ساحات تتماوج فيها الجماهير كما يفعلها اليوم سكان بنغازي الذين يغبطون اليوم على حرية يلفحها موج المتوسط.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل