المحتوى الرئيسى

كما تكونوا يولى عليكم بقلم:محمد جهاد إسماعيل

03/03 23:19

كما تكونوا يولى عليكم خرجت الجماهير في العديد من البلاد العربية لتعبر عن معارضتها للأنظمة الحاكمة, مطالبه إياها بالرحيل ومطالبه لرؤساء هذه الأنظمة بالتنحي العاجل والفوري. (الشعب يريد إسقاط النظام) , هذا الشعار سرى كالعدوى بين الجماهير العربية. هذا الذي أوقف يوماً عند مباحث النظام, وهذا الذي سدد مخالفة مرورية لشرطة النظام, وذلك الذي لم يوظف ابنه الخريج في مؤسسات النظام, و ذاك الذي شهرت به صحف ومجلات النظام, جميعهم, كلهم خرجوا إلى الشارع وهتفوا بملء حناجرهم (الشعب يريد إسقاط النظام) , اعتقاداً منهم أنهم بفعلهم هذا يحسنون صنعاً ويحلوا مشكلة الأمة العربية. أنا هنا لن أدافع عن الأنظمة, فسحقاً لكل الأنظمة العربية الدكتاتورية المستبدة, هل هذا جيد ؟ حسناً. هذه الجماهير تعتقد بأن الأنظمة ورؤسائها هم فحسب سبب مشكلات الأمة العربية وأزماتها. هذه الجماهير لا تقر أو تعترف أنها سبباً رئيسياً في التخلف المزمن الذي تعاني منه الأمة العربية. العقل والمنطق هنا يفيدان أن الشعب هو شريك النظام الحاكم سواء في تقدم الدولة أو تخلفها,و في انجازات الدولة أو نكباتها. اعتادت الشعوب العربية ومنذ أمد بعيد على التخفي على طريقة النعام, وعند كل مناقشة أو محاسبة تلقي بالمسؤولية على الأنظمة الحاكمة, فهي دوماً الشماعة التي يعلق عليها الجميع فشله, وتقاعسه, وتخاذله, وذبوله. هذا ما تسبب في ازدياد الفجوة بين الأنظمة والشعوب, هذا ما زاد الأنظمة استبداداً و زاد الشعوب تخلفاً. والآن بعد أن فاقت الأمة من سباتها العميق ! جاءت الجماهير العربية كي تحاسب الأنظمة على أخطاء وتجاوزات هم بالأساس وبشكل تراكمي من أنتجوها وتسببوا فيها منذ البداية. أخذت قوى المعارضة في مختلف الدول العربية تمتطي جواد الجماهير, وتركب موجة " التغيير". وهم الكثير من المتجمهرين بصلاح المعارضين, ظنوا أنهم قادرين على وأد الفساد وتوهموا أنهم قادرين على الرفع من جودة السلطة والحكم. لكن القرائن المنطقية والتجارب التاريخية تثبتان معاً, أن المعارضة لم تكن يوماً أفضل في حكمها من النظام الحاكم المنتهية ولايته أو المخلوع لتوه. أما إذا كانوا يعولون على مستقلين من التكنوقراط فالأمر سيان. لأنهم لن يختلفوا عن غيرهم في إدارة البلاد أو المهنية أو النزاهة, فجميعهم يظلوا عرباً كغيرهم وينطبق عليهم جميعاً القول القائل: (إن السوء في النفس تظهره الرئاسة). تطبيقاً لهذه النظرية وتحديداً على النموذج المصري, أعتقد بأن الأحوال بعد مبارك لن تتغير للأفضل, وربما تتغير للأسوأ, فالفساد لن يتوقف في (مصر ما بعد مبارك), أما إلزام الرئيس المقبل بالانصراف بعد فترة رئاسية أو فترتين كحد أقصى فلن يكون مجدياً إن تحقق, لأن الفساد سوف يبقى, ولن يكون التغيير حينها إلا تغيير وجوه فحسب. يتوجب على شعوب الأمة أن تصلح نفسها من الداخل قبل أن تطالب بالإصلاح السياسي في بلدانها. (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته), إذاً رئيس النظام أو حاكم البلاد ليس هو الراع الوحيد, بل هناك عدة رعاه, فالرجل يرعى بيته, والمسئول يرعى المسئولون منه, والمدير يرعى موظفيه, والمدرس يرعى التلاميذ, وهكذا. بالتخلق بالأخلاق الحميدة, وبالوفاء للدين والوطن, وكذلك بالإخلاص في أداء الواجبات والعمل, يرتقي المجتمع وترتقي معه الأمة جمعاء, فتترفع بذلك عن معاني النقص والخسس, وتتقرب أشد ما تقرب إلى معالم الفضيلة والنماء. لو وجد الحكام حال رعيتهم على غير هذا النحو المضطرب والبائس, لما شذوا, ولما تجبروا, ولما تفرعنوا. لكن الشعوب في أعين حكامها كانت كذاك الهشيم الذي تذروه الرياح كلما هبت, لذلك لم يحسب الحكام لشعوبهم حساباً ولم يقيموا لهم وزنا. أخذ الحكام صورة نمطية عن أفراد شعوبهم بأنهم مجموعة من مهووسي كرة القدم الأوروبية, ومرتادي المقاهي, والباحثين عن السيارات الحديثة, ومواكبة الموضة الغربية, والشغوفين بأحدث ما تنتجه هوليوود. للأسف هكذا تبدوا الشعوب العربية في أعين حكامها. وهنا أتذكر مشهد مضحك جداً وكوميدي كنت قد رأيته عبر التلفاز, مخرج سينمائي مصري يشتهر بأفلامه الإباحية, ومعه مجموعة من الممثلات المفسدات اللاتي استمددن شهرتهن من أدوارهن في الأفلام الإباحية أيضاً. كانوا يتصدرون الشباب الثائر في ميدان التحرير, كانوا يحتجوا ويهتفوا ضد النظام المصري, وكانوا يهتفوا ضد فساد الرئيس والزمرة المعاونة. ألم يكن أحرى بهؤلاء أن يكافحوا فسادهم أولاً, هل توقف هؤلاء عن بث قاذوراتهم وفضلاتهم عبر شاشات التلفاز, هل توقفوا عن خدش الحياء وإفساد العباد. لماذا لم تلتفت الجماهير المحتشدة بميدان التحرير إلى هؤلاء وتطالبهم بالتوقف عن الفساد, لماذا النظام وحده هو الفاسد وهؤلاء ليسوا بفاسدين !. ربما لم يسمع هذا المخرج وممثلاته الرخيصات بالمثل القائل: (من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة). هذه عينة فحسب من الفساد المتغلغل في الرعية والشعوب,بالطبع ليس متغلغلاً في جميع أفراد الرعية وإلا كانت مصيبة, ولكنه متغلغل وللأسف في الغالبية منهم. لو كانت الأمة قوية, وكان أفرادها متعلمين ومهذبين ومتحضرين ومنتجين ومبادرين, ففي هكذا حالة لا يجد الحاكم ما يعينه على الاستبداد والظلم, و لا تسول له نفسه أصلاً أن يتعدى على هكذا مواطنين أقوياء وأعزاء. لكن الأمة الضعيفة وللأسف هذا حالنا تساعد الحاكم وتعينه على التجبر والاستبداد. ليس حباً في الحكام ولكن حرصاً على أفراد الأمة العربية وشعوبها أقول : ابدؤوا بإصلاح أنفسكم وأهاليكم, ومجتمعاتكم, كفاكم تعيبوا حكامكم والعيب فيكم, هيا بادروا بإصلاح أحوال الأمة (إن الله لا يصلح ما بقوم حتى يصلحوا ما بأنفسهم). وإذا كنتم شجعان بالفعل, فلا تعلقوا كل خطيئة أو نقيصة على شماعة الحكام, لأنهم زائلون أما الأمة فتبقى أبد الدهر, وعليكم بالعلم والإصرار والعمل فما الحكام إلا عشرون أو بضع وعشرون, أما أنتم فعشرات الملايين. في النهاية أقول للأفراد والشعوب: المسيرات والاحتجاجات والثورات المخملية والغير مخملية ,جميع ما تقدم ذكره لا يأتي بالإصلاح ولا يأتي بحل جذري لآفة الفساد. ولكن كما قات آنفا (كما تكونوا يولى عليكم), أصلحوا أنفسكم ومجتمعاتكم حتى يسلط الله عليكم حكاماً صالحين, هيا انهضوا واعملوا, هيا, فبعد اليوم لن يقبل لكم عذر. الكاتب: محمد جهاد إسماعيل. Abujihad_thinker@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل