المحتوى الرئيسى

مستقبل الصحافة القومية بعد ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬

03/03 23:09

السمكة  ‮ ‬تفسد من رأسها‮". ‬هكذا يقولون‮ . ‬لكن النظرة العلمية الموضوعية للظواهر‮ ‬الاجتماعية ليست بهذه البساطة‮ . ‬فثمة علاقة‮ ‬جدلية بين السمكة‮  ‬ورأسها‮. ‬كلاهما يؤثر في الآخر‮  ‬ويتأثر به‮ . ‬وهذا الأمر ينطبق علي حال الدولة و الثورة في مصر‮ . ‬فقد ترجم ثوار‮ ‬25‮ ‬يناير الوعي بان السمكة تفسد من رأسها،‮ ‬فشددوا علي مدي‮ ‬18‮ ‬يوما مجيدا علي الاطاحة بالرئيس المتنحي‮ . ‬لكنهم يدركون ان عملية تغيير النظام برمته قد بدأت وحسب،‮ ‬ولا يجب ان تتوقف حتي الاطاحة بكل‮ "‬مبارك‮ " ‬و رجاله في كل مؤسسة ومجال ومعهم دستورهم وقوانينهم و أساليبهم ومناهجهم‮  ‬وثفافتهم،‮ ‬تمهيدا لبناء أسس جديدة لدولة ديموقراطية مدنية لم تشرق شمسها علي البلاد منذ فجر التاريخ‮ .    ‬وإذا ما شئنا ان نتناول أزمة الصحافة القومية،‮ ‬فاننا لاشك موقنون بان أيه محاولة لانقاذها واصلاحها تتطلب أولا تغيير القيادات التي تم اختيارها علي مدي عقود علي أسس‮ ‬غير شفافة وغير ديموقراطية‮ . ‬بل ان الاختيار في الأغلب الأعم جانبته معايير الكفاءة والمهنية والنزاهة‮ . ‬ودون التشكيك في قيادة بعينها،‮ ‬فان قرار التعيين لهذه القيادات كان يتم اسما وشكلا بواسطة مجلس الشوري و لجنتة العامة‮. ‬وكلاهما يسيطر علي أغلبيته الكاسحة الحزب الحاكم‮ . ‬ويرأسهما أمين عام الحزب نفسه‮. ‬وفعليا فان اختيار قيادات الصحافة القومية كان يجري من جانب رئيس الدولة رئيس الحزب الحاكم،الذي يصدرأيضا قرار تشكيل المجلس الأعلي للصحافة المهيمن علي شئونها عامة وعلي شئون الصحف القومية خاصة‮. ‬والي جانب سلطة رئيس الجمهورية في اختيار قيادات الصحف القومية هناك أسرته،‮ ‬بخاصة نجله أمين لجنة السياسات كما جري في السنوات الأخيرة،‮ ‬فضلا عن أجهزة الأمن التي يظل لتقاريرها الكلمة المؤثرة في دولة شمولية بوليسية بإمتياز و محكومة بالاستبداد والفساد‮ .‬‮ ‬ولما كانت هذه الدول سرعان ما تتحول للانقضاض علي القوانين التي وضعتها حكوماتها وبرلماناتها المطعون في شرعيتها شعبيا و تأخذ في انتهاك نصوصها واحدا تلو آخر،‮ ‬فقد جري اختيار قيادات الصحف القومية من أعضاء الحزب الحاكم وبواسطة آليات تخالف نصوص القانون‮ ‬96‮ ‬لسنة‮ ‬1996‮  ‬الذي يقضي بأن الصحف القومية مستقلة عن جميع الأحزاب والسلطة التنفيذية‮ ( ‬المادة‮ ‬55‮ ) . ‬بل ان ادارة هذه المؤسسات التي تعود الي الشعب كله كما تقول فلسفة انتقال كبريات الصحف في عام‮ ‬1960‮ ‬من الملكية الخاصة الفردية والعائلية الي لون من ملكية الدولة العامة ذات الطبيعة الخاصة جرت بالمخالفة لنصوص عديدة في هذا القانون‮ .‬وقد أوكل تمثيل الشعب وممارسة حقوقه في ملكية هذه المؤسسات الي‮ "‬الاتحاد القومي‮" ‬في عام‮ ‬1960‮ ‬ثم"الاتحاد الاشتراكي‮" ‬بحلول عام‮ ‬1962‮ ‬ثم‮ "‬مجلس الشوري‮" ‬بحلول عام‮ ‬1980‮ . ‬فاللوائح المالية والإدارية للمؤسسات الصحفية القومية سرية أو شبه سرية‮. ‬والميزانيات لا يجري الإعلان عنها،ومعها المكافآت والمخصصات السرية لمجموعات منتقاة‮. ‬و القيادات الإدارية والصحفية تستقطع لنفسها نسبة من حصيلة الإعلانات علي نحو لا يقره قانون،‮ ‬وبخاصة المادة‮ ‬70‮ ‬من قانون الصحافة لعام‮ ‬1996‮ . ‬و المجالس التحريرية‮ ‬غائبه او‮ ‬غير قائمة بالأصل‮ . ‬كما جري الخلط بين الإعلان والتحرير وعمل الصحفيين كمستشارين لمسئولين تنفيذيين و رجال اعمال و شركات ومصالح محلية وأجنبية‮. ‬ناهيك عن أوجه الفساد وسوء الإدارة الأخري‮. ‬وفي كل ذلك ما يخالف قوانين عهد جمهورية‮ ‬1952‮ ‬بما في ذلك حكم‮ "‬مبارك‮" ‬نفسه‮ .   ‬و لأن الشعب المصري قام في مطلع عام‮ ‬2011‮ ‬بواحدة من أعظم الثورات في تاريخ البشرية ولأن النية تتجه بعد الانتهاء من المرحلة الانتقالية الي دستور جديد يليق بالشرعية و بالجمهورية الجديدتين،‮ ‬فإنه لا يمكن تصور أن تظل صحافتنا القومية بذات القوانين السابقة،وقد سكنتها روح الاستبداد لعقود طويلة‮. ‬فبمقتضي هذه القوانين فإن مجالس الإدارة أغلبيتها من المعينين من جانب مجلس الشوري لا المنتخبين،‮ ‬فضلا عن الجمعيات العمومية التي جري اختزالها الي‮ ‬36‮ ‬عضوا نيابة عن جميع العاملين من عمال واداريين وصحفيين يأتي معظمهم ايضا بالتعيين‮ . ‬وهي بالأصل جمعيات محدودة الصلاحيات ولاتملك حق سحب الثقة من رئيس مجلس الإدارة او المجلس واعضائه‮. ‬و قد جري تركيز معظم الصلاحيات بين يدي‮ "‬رئيس المؤسسة‮"‬،وهو مايعكس الثقافة السائدة في نظام سياسي يركز السلطات في يد رئيس الدولة‮ . ‬والي جانب ذلك فان مجالس التحرير في صحافتنا القومية هي كلها بالتعيين‮. ‬بدءا من رئيس التحرير المعين من قبل مجلس الشوري ووصولا الي أعضائه المعينين من قبل مجلس إدارة المؤسسة بأغلبيته المعينة لا المنتخبة‮. ‬وفي الممارسة ووفق الثقافة السياسية الاستبدادية ذاتها،‮ ‬فان مجالس تحرير الصحف جري اختزالها في شخص رئيس التحرير،‮ ‬بل ان‮ ‬غالبية الصحف القومية لا تعرف مجالس تحرير ولا سياسات تحرير مكتوبة ولا نقاشا ديموقراطيا في اتخاذ القرار التحريري‮ . ‬وقد اضيف الي ذلك تآكل ماتبقي من تقاليد مهنية طورها الصحفيون في مصر منذ القرن التاسع عشر والي بدايه عقد السبعينيات من القرن الماضي‮. ‬وكان أثر هذه التقاليد قد تجلي علي نحو أو آخر‮  ‬في السنوات الأولي للصحافة القومية الي أن تلاشي أو كاد‮.‬‮ ‬ولكن‮ .. ‬من أين نبدأ والي أين نصل ؟‮ ‬حال الصحافة من حال البلد الآن‮ . ‬هناك مرحلة انتقالية يتلوها تأسيس جمهورية جديدة وصحافة جديدة بدستور وقوانين ديموقراطية‮ . ‬وحينها فان مصير هذه الصحف القومية سيعود الي الشعب،‮ ‬ممثلا في برلمانه المنتخب ديموقراطيا،‮ ‬ليقرر نمط الملكية و أسلوب الادارة وكيفية اختيار القيادات ومحاسبتها لو شاء ان تستمر هذه الصحف‮  ‬بفلسفتها وصيغتها‮ " ‬القومية‮ " ‬هذه‮ . ‬وفي كل ذلك فان المصريين لا الصحفيين المصريين وحدهم في حاجة الي نقابة صحفيين ونقابات مؤسسات صحفية فاعلة لا‮ ‬غائبة ومختطفة لحساب الإدارة و الحزب الحاكم وأجهزة الأمن،‮ ‬كي تشارك في صياغة هذا المصير‮ . ‬‮ ‬هذه مرحلة في الأفق تتحدد بمسار التحول الثوري الجاري في المجتمع كله ومعه مصير الصراع مع نظام ذهبت رأسه و اهتزت أركانه،‮ ‬لكنه لايزال يسيطر ويحكم بقليل من التغيير في الوجوه وبذات الأساليب والمناهج‮ .‬أما المرحلة الانتقالية في صحافتنا القومية فيجب ان تبدأ بأسرع ما يمكن انقاذا لهذة المؤسسات العملاقة و للاسماء التاريخية لصحفها،‮ ‬بعدما فقدت المصداقية لدي القراء و‮  ‬انهار توزيعها و شاع فيها حديث الفساد وإهدار المال العام،‮ ‬و خصوصا بعد أدائها التحريري‮ ‬غير المقبول شعبيا ومهنيا في تغطية ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ . ‬ولم يعد خافيا علي الرأي العام ان المؤسسات الصحفية القومية اصبحت اشبه ببرميل بارود علي وشك الانفجار‮ . ‬وقد اختلط في هذا المشهد النادر صراعات مصالح اجتماعية و مهنية بل وشخصية أيضا‮ . ‬و هي صراعات تبدو من بعيد للثوار والعسكريين والساسة بالغة التعقيد،‮ ‬إلا ان نظرة من قرب تسمح بالتقاط ماهو محوري ونبيل فيها،‮ ‬حيث يتشكل منذ اندلاع الثورة في رحم هذه المؤسسات ضمير مهني وطني انساني يكتسب يوما بعد يوم انصارا وكتلا مؤثرة‮ . ‬وتتشكل جماعات من عمال و ادرايين وصحفيين تبلور أفكارا خلاقة لعبور المرحلة الانتقالية،‮ ‬وتتحرك من أجل تغيير يقوم علي اسس الديموقراطية والعدالة و الشفافية‮  . ‬وهذه العملية علي اهميتها لا تخلو من مشكلات وعراقيل،‮ ‬لا مجال لمناقشتها هنا وفي الحيز المحدد المتاح للنشر‮ .‬‮ ‬لكن المهم ان هذه الحركة داخل المؤسسات و بتأثير رياح الثورة أخذت في‮ ‬غضون أقل من شهر واحد في بلورة حلول جماعية للمرحلة الانتقالية‮ . ‬وعلي سبيل المثال فقد وصلت هذه الحركة في مؤسسة‮ "‬الأهرام‮ " ‬الي وضع قائمة مطالب من‮ ‬15‮ ‬بندا يقوم بالتوقيع عليها جموع العمال والإداريين والصحفيين‮. ‬وتنطلق هذه المطالب من مزج خلاق بين‮  ‬ثلاث مكونات هي‮ :‬الشرعية الثورية‮.. ‬و الشرعية القانونيه لنصوص إيجابية ظلت معطلة ومهملة‮.. ‬وتراث النضالات الإجتماعية السياسية والنقابية المهنية علي مدي العقود الماضية‮ . ‬إذ انه ليس دقيقا القول أو الإيحاء بأن ملف الصحافة القومية لم يكن مفتوحا في يوم أو عهد ما،‮ ‬بما في ذلك عقد الستينيات من القرن الماضي‮ .‬فلطالما كان هناك عدم رضا ازاء صيغة الصحافة القومية قانونا و تطبيقا منذ ولدت‮ . ‬وطالما كان هناك مقترحات للإصلاح‮ . ‬ولدينا تراث جماعي صاغته توصيات مؤتمرات الصحفيين العامة بنقابتهم،‮ ‬وآخرها المؤتمران الثالث والرابع في عامي‮ ‬1995‮ ‬و2004‮ . ‬ولدينا تراث فردي كان لكاتب هذا المقال شرف المشاركة فيه بكتاب صدر مطلع عام‮ ‬2005‮ ‬بعنوان‮ :" ‬حرية علي الهامش‮ : ‬في‮  ‬نقد احوال الصحافة المصرية‮ ".  ‬ويخطئ من يقول بان اصلاحات المرحلة الانتقالية بدءا بتغيير القيادات الآن تخلف فراغا وفوضي‮. ‬فلدينا بوصلة رؤية وكتلة حية من الصحفييين ومختلف العاملين تعرف جيدا ما هو الطريق‮ .  ‬حقا ان إصلاح السمكة من رأسها،‮ ‬لذا تبدو المطالبة بتغيير قيادات المؤسسة الصحفية و علي اسس جديدة أمرا لايحتمل التأجيل‮. ‬لكن المنادين بهذا التغيير مثل شعبهم علي وعي بأن رأس السمكة وحده لايكفي‮ . ‬وهم في ذلك‮ ‬يسعون لانقاذ هذه المؤسسات و استعادة مصداقيتها‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل