المحتوى الرئيسى

الديمقراطية الخلاقة بدل الفوضى الخلاقة بقلم:يوسف العاصي الطويل

03/03 22:27

الديمقراطية الخلاقة .. بدل الفوضى الخلاقة يوسف العاصي الطويل عضو الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين الفوضى الخلاقة في السياسة هي مصطلح وممارسة اعتمدتها الإدارة الأمريكية لإعادة ترتيب أوراق العالم بالطريقة التي تريدها من خلال تحريك الأمور في كل الاتجاهات، وإثارة المشاكل والفتن داخل المجتمعات وما بين البلدان؛ ليتم خلق وضع جديد يحقق مصالحها عبر الفوضى والعبث، وقد طبقت الإدارة الأميركية السابقة هذه النظرية في العراق وافغانستان، ولكن الثمن كان غاليّاً دفعته شعوب المنطقة من دمها وقوتها واستقرارها، هذا بالرغم مما بشرت به أمريكا من أن العراق سيكون مفتاح التغيير بالمنطقة. وعندما تولت إدارة أوباما الحكم في أميركا، تبنت نفس أهداف الإدارة السابقة وإن كانت بوسائل مختلفة. فالقيادة الأمريكية تظن أن إبقاء الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط والعالم العربي كما هي، سيخلق وضع غير مستقر وسيزيد من فرص توالد الإرهاب في المنطقة. وفي قراءتنا للأحداث الجارية في المنطقة العربية لا يجب أن نستبعد فرضية أن أميركا قررت القيام بعملية تغيير استباقي من خلال أحداث تغيير سريع من داخل الأنظمة العربية ، قبل أن تأتي رياح االتغيير الداخلي بخيرها وشرها، من خلال استخدم أمريكا وسائلها المعروفة لتنفيذ ذلك، حقوق الانسان، الحرية، الديمقراطية .. الخ القائمة. حيث بدأت أمريكا منذ فترة الاتصال بالنخب السياسية العربية المعارضة وقوى المجتمع المدني وخاصةً ممن يمثلون الأجيال الشابة منها، وترافق هذا مع حملة إعلامية عبر وسائل الإعلام الغربية والمحلية، من أجل تسليط الضوء على هذه القضايا وتوحيد جهود هذه النخب باستخدام التقنيات الحديثة للتواصل وتنظيم الاجتماعات من أجل البدء بالتغيير المطلوب. وفي خطوه متقدمه لم يكن غريباً أن تتبع الدعوات الأمريكية للإصلاح في العالم العربي، حدوث أكبر عملية تسريب معلوماتية في التاريخ، من خلال ما تم نشره على موقع ويكليس، والتي لم تترك نظاماً عربياً إلا وشككت به، وهى وأن افترضنا صحتها، فإنها كلمة حق أريد بها باطل، لتنفيد أجندات خارجية. فهم يريدوننا أن نصدق أن قاعدة بيانات أكبر دولة في العالم مباحة للقراصنة وللهواة ليطلعوا عليها بسهوله، كما أقنعونا أن هجمات 11 سبتمبر قام بتنفيذها أفراد من القاعدة يقبعون في كهوف أفغانستان، فهللنا في البداية لابن لادن وجماعة القاعدة، ولكننا أفقنا أخيراً وبعد فوات الأوان على الدمار الكبير الذى لحق بنا جراء تصديق تلك الكذبه والتهليل لها، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين؟؟!! إنني لا أريد أن أشكك أو أقلل من صدق الدعوات الإصلاحية وشرعيتها أو من إمكانية صدق هذه الوثائق التي فضحت الأنظمة العربية وعرتها أمام شعوبها، فجاءت ردود الفعل الشعبية الغاضبة التي رفدت الثورة بأسباب ومبررات لضرورة حدوث التغيير. ولكن هذا لا يمنع من السؤال إن كان هناك أهداف خفية لأطراف خارجية تقف وراء ذلك، تحاول استغلال حالة السخط العام في المنطقة على الأنظمة الفاسدة لتحقيق أهداف معينة. وهنا أتمنى ألا يفهم كلامي على إنني ضد الإصلاح وكشف الحقائق، أو إنني أدافع عن هذه الأنظمة الفاسدة التي تجثم على صدر المواطن العربي في كل مكان وضرورة تغييرها واجبارها على الانصياع لارادة الجماهير، ولكننى في نفس الوقت لا أريد أن تستغل كلمة الحق التي تطالب بها الجماهير، من قبل ذوى الأهواء في الداخل والخارج لتتحول إلى باطل يعود بأمتنا عشرات السنين إلى الوراء، وبالذات إذا وجدنا أن من يدعم هذا الحق ويناصره في هذه اللحظة، هو نفسه الذي يدعم الباطل الإسرائيلي ويقف سداً منيعاً أمام مطالب عادله لشعب أعزل شرد من أرضه، وتستباح يومياً حقوقه المشروعة في الحياة الكريمة. فأمريكا التي تدعم مطالب التغيير في الوطن العربي وتتخلى عن أخلص أصدقائها بكل سهولة، بدعوى مناصرة الشعوب وحقها بالحرية والديمقراطية، هى نفسها التي تقدم كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي للكيان الصهيوني الغاصب وجرائمه اليومية ضد شعبنا الفلسطيني، وتقف سداً منيعاً أمام مطالبه العادلة بالحرية والاستقلال، بل أنها الدولة الوحيدة في العالم التي لا زالت تدعم اسرائيل في سرقتها للأرض الفلسطينية وتهويدها للقدس الشريف، وما الفيثو الأمريكي اليوم على مشروع القرار الذي يدين الاستيطان إلا خير دليل على ذلك، هذا ناهيك عن استمرارها في دعم أنظمة ديكتاتورية في المنطقة، وممارساتها الإنسانية في العراق وأفغانستان. بل إن الملفت للنظر والأمر المحير فيما يحدث من ثورات وإسقاط لأنظمة فاسدة، عميله لأمريكا، هو إن أمريكا والغرب واسرائيل يرحبون بما يجرى، بل إن اسرائيل والمفترض أن تكون أكثر المتخوفين من تحول السلطة بيد الشعوب، وقفت متفرجه وفرحه بما يجري، ولم تبدى أية خوف أو هلع، بل قام نتنياهو بالطلب من كافة المسئولين الإسرائيليين بعدم التعليق على ما يدور، وكما يقولون فأن السكوت علامة الرضا. ولكن الرئيس الاسرائيلى شمعون بيرس لم يتمالك نفسه من الفرح فعبر عن شماتته بالقذافي، وتوعد حسن نصر الله ونجاد بنفس مصير مبارك، حيث قال بأن الرئيس الليبي معمر القذافي كان قد قال قبل أسبوعين أن الشرق الأوسط قد يكون بدون اسرائيل قريبا ولكن صورة الأوضاع حاليا تشير إلى أن ليبيا قد تكون بدون القذافي. وأضاف بيرس أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ربما يمتلك قنابل؛ ولكنه لا يحمل أي رسالة لشعبه وللعالم وسيتم إسقاطه وإسقاط أمين عام حزب الله حسن نصر الله بيد شعبيهما. دور الجزيرة منذ انطلاق الجزيرة وهي تقوم بدور ملتبس في تغطيتها الإعلامية للأحداث سواء الحرب على العراق وأحداث سبتمبر والحرب على أفغانستان وحرب غزة، ونشر وثائق ويكليكس، وأخيراً أحداث الثورات العربية الحالية. فالمتابع للأحداث يلاحظ في أحداث تونس الأخيرة انه ورغم أن الجزيرة لا تتمتع بوجود على أرض تونس إلا أنها في لحظة معينه أصبحت لا تغطي سوى أحداث تونس، وتوجه مسار الأحداث عبر ضيوفها وتغطياتها الإنتقائية ورسائل الإس إم إس التى تتحرك على شاشتها المباشرة، وكانت وحدها موجودة في مكان الحدث إلى أن إنتهى الأمر في تونس ونفس الشئ حدث في مصر، حيث جندت الجزيرة كل إمكانياتها الإعلامية، من أجل نقل أحداث الثورة المصرية، وتحاول الجزيرة تكرار ذلك في ليبيا واليمن والجزائر .. الخ. وبالرغم من فرحي بسقوط أنظمة مستبدة وظالمة، إلا أن ذلك لن يعمينى عن التحذير من عواقب وخيمة لما تقوم به الجزيرة، من تحريض وبلبله، مستغله فساد وظلم أنظمه حاكمة تجثم على صدور الشعوب العربية منذ عقود، على حالة الاستقرار في المنطقة، وانفتاح احتمالات متعددة أمام المستقبل. فليس هناك محل للسؤال عن أهمية دور الإعلام في تغطية الأحداث ونقلها بموضوعية، ونصرة الشعوب المظلومة، إلا أن ذلك لا يجب أن يرتبط بأجندات خارجية، كما أنه يجب أن يطبق على الجميع، وليس من خلال عمليات إنتقائية، لحالات هنا وهناك، وترك أنظمة فاسدة على رأسها قطر تلهو وتتلذذ على مآسي دول أخرى عانت من ظلم وتنكر تلك الأنظمة لعروبتها وإسلامها، وربما عبر مذيع قناة العربية الميرازى عن هذه الإنتقائية، عندما حاول أن ينتقد الدولة الممولة للقناة، فاستقال أو تم إقالته. لقد لاحظت من خلال تغطية الجزيرة، أنها تعتمد الإثارة، وترويج الإشاعات، وتقوم بصناعة الحدث بدل نقله، وتمارس الإنتقائية في لقائاتها، وقد نشرت صحيفة فورين بوليسي مقالا للكاتبة شيلا كاربيكيو أستاذة العلوم السياسية في جامعة ريتشموند والجامعة الأمريكية في القاهرة أوضحت خلالها وجهة نظرها في التغطية المتحيزة والغير مهنية والتي وصفتها بالانتقائية لقناة الجزيرة الفضائية أكدت خلاله على أن القناة عرضت حقيقة جزئية فقط وليس كاملة حيث أنها ركزت بشكل متعمد على ميدان التحرير فقط وتجاهلت كل الأحداث التي كانت تدور في أماكن عديدة وهو ما يثبت أن الجزيرة تركز على الإثارة وكانت تركز على كل ما هو مثير حتى لو كان غير حقيقي كما أشارت شيلا إلى أن الجزيرة كانت تعرض أراء مؤيدة لتغطيتها ولم تعرض رأياً واحدا مخالفاً لتلك التغطية حتى في الوقت الذي أصبح الجميع يشعر بأن الأمر في طريقة للحل كان القناة تعمل على تصعيد الأمور . وقناة الجزيره لمن لا يعرف تتبع وزارة الخارجية القطرية مالياً وإداريا، وهذه الوزارة وبأمر من رئيسها وأمير قطر هي التي أقامت علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، وعقدت لقاءات عده مع زعماء اسرائيليين في قطر وخارجها، كما أن نظام الحكم في هذه الدولة وراثي لا وجود لأي دور للشعب فيه، ولا توجد ديمقراطية أو حقوق إنسان أو غيره، والثروة توزع على العائلة الحاكمة والأمير له نصيب الأسد فيها، كما توجد بها أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة استخدمت لتدمير العراق، وستستخدم لضرب ايران والسعودية ..الخ. من هنا فهذا الحرص الذى تبدية الجزيره ودولة قطر على أنصاف الشعوب العربية المظلومة ونشر الديمقراطية، ومحاربة الفساد لا نجد له صدى في أرض قطر العظمى، التي فتنت الأمة بتغطيتها الإعلامية المغرضة للأحداث، مستغله فساد الأنظمة، ومعاناة الشعوب، إنها فتنه تفتعلها الجزيرة، باسم حرية الإعلام، وبإصرار عجيب، ورغبة واضحة باسقاط كافة الأنظمة التي لا نختلف حول ضرورة اسقاطها، ولكن ليس على طريقة الجزيرة والفيس بوك والفوضى الخلاقة، والتى قد تستغل لتحقيق أجندات أجنبية تسعى إلي تفتيت المنطقة وإخضاعها كليا للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية. ولو أن قطر وزعيمها يريدون الخير للأمة العربية وشعوبها، ويناصرون حقوق الشعوب فليتنحى رئيس دوله قطر ويدعو لانتخابات عامه ليختار الشعب حكامه وممثليه، أو على الأقل يحول الحكم في إمارته إلى إمارة دستورية، أو إن يقوم باستثمار فوائض أموال قطر في البلاد العربية بدل من ابقائها في البنوك الغربية، أو يتبرع بالمليارات التي سينشئ بها منشآت بطولة العالم 2022 لكرة القدم لهذه الشعوب، أو أن يفتحوا ملفات الفساد وبيع ثرواث الأمة للغرب بثمن بخس، التي لو أحسن استغلالها، لما وجدنا هذا الضياع والفقر والبطالة في المنطقة العربية. اذا فعلت قطر ذلك فسنقول عندها إنها وقناتها فعلاً حريصون على الأمة ومصالحها، وأنهم يقولون ما يفعلون!! ولكن يبدو أن قطر وحكومتها وبالذات وزير خارجيتها، مستمرون للنهاية في قول كلمة حق يراد بها باطل، فليست القضية نصرة شعوب مظلومة أو إيمان بالديمقراطية والحرية وسيادة الشعوب، بل يبدو وكأنها مقاولة أخذت قطر على عاتقها تنفيذها، من خلال الجزيرة، وان لم يجدِ الأمر فلا مانع من تدخل السياسة، وقد لاحظنا أن دولة قطر كانت أول من رحب بتولي المجلس العسكري للسلطة في مصر، كما أنها وفي أول سابقة من نوعها، دعت الى اجتماع طارئ لمجلس الجامعه العربية لبحث استخدام القوة ضد المتظاهرين في ليبيا، في الوقت الذي حولت أرضها لقاعدة انطلقت وتنطلق منها حمم اللهب والدمار ضد الشعب العراقي والافغاني، وللشعوب بقية .. افيقوا يا عرب .. فالفتنه بدأت. الديمقراطية الخلاقة اذا كنت عرضت لوجه نظر تبدو متشائمة ومتشككة بعض الشئ فيما يدور الآن على ساحتنا العربية، فما ذلك إلا لخوفي وحرصي على هذه الثورة العربية الشاملة من مؤامرات وألاعيب تحاك ضدها أو تحاول وتعمل على استغلالها لمصالح بعيده عن رغبات الشعوب العربية. فالموقف الراهن الذى نمر به الآن مختلط يبعث أقصى درجات الأمل والتفاؤل بغذ مشرق للأمة، ولكنه يثير الخوف بل والرعب في بعض مشاهده وسيناريوهاته. فالتفاؤل والأمل مطلوب، ولكنه يجب أن يكون حذراً يضع في اعتباره كافة الاحتمالات الممكنة، كما أن الخوف والحذر المبالغ به يصبح خيال غير منتج وعديم الفائدة والمعنى. ولكن هذا لا يعنى نفي مشروعية الأمل والخوف، التفاؤل والتشاؤم، وإمكانية حدوث الفوضى الخلاقة كما تريد أمريكا وإسرائيل، وإمكانية تحقيق شعوبنا لآمالها وتطلعاتها العادلة. وما بين هذا الاحتمالات والإمكانيات يبرز دور النخب العربية والمواطن العربي وقدرته على التفريق بين الحق والباطل، بين ما هو في صالح الأمة وما هو ضددها، وهذا يحتاج إلى تفكير متأنٍ وعقلاني يكبح جماح العاطفة، ويغوص عميقاً لتفسير ما يجرى ويوجهه الوجهة الصحيحة، حتى لا ينحرف أو يحرفه أعداء الأمة لتحقيق أهداف وأجندات تخدم مصالحهم. من هنا فإننى أعتقد أن الطريق الأفضل للخروج من هذا التيه والفوضى الخلاقة التي ربما تريدها أمريكا للمنطقه، هو طرح مبدأ الديمقراطية الخلاقه، كمخرج لأزمة النظم السياسية العربية بعد انكشاف شرعيتها، من أجل تغيير المسار الذي خيم علينا لعقود طويلة وأرسى قيماً سلبية تتناقض مع القيم الإنسانية ما جعل المجتمعات العربية فريسة للاستبداد والقهر والظلم والتمييز الاجتماعي، وذلك من خلال قيام حوار حقيقي وجاد بين الحكام والشعوب العربية وممثليها، من أجل وضع آليات للخروج من المأزق الحالى بأقل الأضرار مع الإصرار على تطبيق كافة الاصلاحات المطلوبه الكفيله باعادة الاعتبار للمواطن العربي ولحقوقه المسلوبة بعيداً عن محاولات التغيير بالفيس بوك والبلاك بيري وحتى من خلال قناة الجزيره والسي. ان.ان وأخواتها. فبعد أن استشعرت الجماهير العربية بقدرتها على التغيير وبدا بوضوح هشاشة الأنظمة الفاسدة الحالية، يجب التأني والهدوء في تحقيق المطالب العادلة للجماهير، فانكسار حاجز الخوف أمام الجماهير العربية كفيل بأن يعيدها للشارع مرة أخرى لفرض مطالبها على الأنظمة إذا وجدت أنها تراوغ أو غير جادة في تحقيق هذه المطالب، كما أن رؤساء الأنظمة وأعوانهم تلقوا درساً لن ينسوه أبداً، بان إرادة الشعوب هي التي تنتصر في النهاية، وأن مصيرهم سيكون من الآن فصاعداً كمصير بن على ومبارك وأعوانهم، المطاردة والمحاسبة والسجن، والضياع والإغماء والجلطة نتيجة الصدمة والفضيحة . وهنا فيجب أن تكون الجيوش العربية هي صمام الأمان للأمة في هذه اللحظة العصيبة، كما حدث في تونس ومصر، بحيث يتولى الجيش إدارة البلاد لفترة انتقالية يتم فيها أحداث التغيير المطلوب بشكل جذري وتلبية طموحات الجماهير. فالأنظمة الفاسدة في منطقتنا العربية ليس لديها ما تخسره بعد انفضاح أمرها أمام شعوبها، ولكن الشعوب يمكن أن تخسر الكثير إذا لم تفكر بعقلانية وحكمة في إدارة الأزمة من أجل الانتصار على أعدائها، فنحن ليس في مباراة للمصارعة الحرة أو الملاكمة على الطريقة الأمريكية، يسعى الطرفين إلى تحقيق الفوز بالضربة القاضية، بل يجب أن نكون كمن يمتلك حديقة جميلة أهمل في زراعتها، وتركها للأعشاب الطفيلية الضارة تغزوها وتتغدى على ثمارها الغنية، ولهذا فعليه أن يهتم بحديقته من جديد ويعمل على تقليمها وحرثها وإزالة الأعشاب الضارة المتطفلة منها ليجنى منها أجمل الثمار وأعذبها. وإذا كانت المطالب الشعبية تدور حول مطالب معينة محددة، تتمثل في امتلاك الشعب للسلطة لينشئ من خلالها حكومات ديمقراطية منتخبه تكفل الحرية والمساواة للجميع، فإنه لا يختلف اثنان على أهمية العملية الديمقراطية في العصر الحاضر ودورها في خلق مجتمع حر تتكافئ فيه فرص الجميع للحصول على حقوقهم الطبيعية والقانونية، مما يتيح للجميع كافة الإمكانيات للابداع والارتقاء. وكما نعلم فقد خاضت الشعوب الغربية هذه التجربة منذ عقود عديدة، فوصلت إلى ما وصلت إليه من تقدم ورقي في ظل حكومات ديمقراطية منتخبه من الشعب، تخضع في كافة مراحل عملها لمسائلة الشعب ومراقبته في ظل اجواء من الحرية والشفافية. إلا أن هذه الشعوب لم تصل إلى ما وصلت إليه بين عشية وضحاها بل خاضت الشعوب نضالات كبيرة حتى استقرت على وضعها المشرق الذي تعيشه الآن. وقد سبق هذا التحول الديمقراطي ورافقه وتلاه تحول فكري وقيمي، مهد له ورعاه واستشرف آفاق المستقبل، بنظريات وآراء وفلسفات متعدده ساهمت في جعل هذا التحول قوياً وثابتاً، وله القدرة على مواجهة الصعاب. فقد أرست حركة التنوير الأوربية مبادئ أساسية وقيم عملية بنى عليها صرح الحضارة الجديدة، وكان أعظم هذه القيم والمبادئ، قيمة الحرية الإنسانية والمساواة والعدالة، وسيادة الشعب، بعيداً عن سيادة الكهنوت أو من يحكم بتكليف الهي أو غيره، وحل مكان ذلك عقد جديد بين الحاكم والمحكوم، يقوم على جعل السيادة في أيدي الشعب باعتباره المصدر الوحيد للسلطات. وإذا كنا نعيش في عالمنا العربي لحظات شبيهه لما حدث في أوروبا قبل أربعة قرون من تحول نحو اعادة الشرعية للشعوب، فإن ذلك يفرض علينا أن نقوم بمناقشة هذا التحول والأسس التي يقوم عليها، وقيمه الأساسية، ومنطلقاته الفكرية. فلا يكفي استنساخ تجارب الشعوب الأخرى بخصوصياتها التاريخية والحضارية، بل يجب أن نستفيد منها لنخرج بنموذجنا الخاص الذى ينطلق من قيمنا الحضارية الراقية، حتى لا يحدث صدام متوقع بين دعاة التغيير ودعاة الجمود، وحتى يكون التغيير والتحول مثمرا وخلاقا. فالتحول إلى حكم الشعب وسيادة الشعب، لا يتحقق فقط بثورات واحتجاجات هنا وهناك، بل يجب أن يسبقه ويسايره تحول فكري وثقافي يتماهى من القيم الجديده التى يأتى بها التحول الجديد، فتغيير الحكم أو النظام لن يحل المشكلة القائمة في مجتمعاتنا العربية إذا لم يرافقه تحول في الفكر والثقافة السائدة في هذا المجتمع . فالذي يرفع في الشارع ويطالب الحاكم بالديمقراطية والعدل والمساواة والحرية يجب أن يكون على استعداد أيضاً في بيئته الخاصة على فعل نفس الشئ في بيته وعمله وفي كل مجالات حياته، وإلا أصبح التغيير شكلي لا قيمة له ولا أثر. إن تغيير النظام الفاسد والظالم يعنى أن نبتعد كأشخاص وأفراد وجماعات عن نفس الشئ، بالامتناع عن مارسة الظلم والفساد بحق غيرنا.. والحرية والديمقراطية والمساواة ينطبق عليها نفس المقياس، فلا يعقل أن أطالب بحريتي وأنتهك حرية الآخرين،أو أطالب بحكم ديمقراطي وأقمع الرأى الآخر المختلف معي، أو إن أطالب بالعدالة لي وحدي، وأمارس الظلم على غيري، وأطالب بالمساواة وأكرس فكر عدم المساواة ضد أبناء وطني المختلفين عنى بالمذهب أو الدين أو اللون أو الجنس. فالقيم السامية لا يمكن تجزئتها، وهى عامة تشمل الجميع وتطبق على الجميع، ولا مكان للانتقائية والمزاجية فيها. فالحرية تعنى حريتى وحرية غيري .. وحرية المجتمع بأكمله بكافة أطيافه وفئاته، وكرامتي كانسان تبنى وتستمد قيمتها من مدى تقديسي واحترامي لكرامة الإنسان كانسان في هذا العالم .. فالقيم العظيمة والنبيلة هي قيم مطلقه يجب أن نحترمها لذاتها، بعيداً عن التقسيمات والتفريعات الخاصة بفئة أو جماعة أو طبقة، وإلا كان هذا بداية انهيار منظومة القيم والمبادئ السامية، وبداية لانتشار الظلم والقهر والاستبداد، الذي تحاول شعوبنا العربية التخلص منه، والذي بدأ أولى خطواته في تونس ومصر، ولن ينتهي إلا بنيل كافة الشعوب العربية حريتها من الاستبداد الجاثم على صدرها بكافة مسمياته الدينية والثورية والطائفية، والقبلية. إن الثورة على أهميتها وأهمية المبادئ التي حملتها تعنى شئ واحد فقط، وهو أن يمارس الجميع في ذواتهم وأنفسهم وفي أفعالهم وأقوالهم الفعل الثوري الكفيل بان يطهرهم من الموبقات التي كانت راسخة في أنفسهم قبل الثورة. فإذا كانت الثورة قد خلعت رأس النظام ووضعت أتباعه في طوابير من أجل المحاسبة، فإنه يجب على كل شخص منا سواء شارك في صنع الثورة أو تابعها أن يبدأ بنفسه يحاسبها ويرتضى أن يجعل من نفسه نموذجا ثورياً خاصاً، يضئ للآخرين الطريق، وكلما تكاثرت النفوس الثورية المضيئة، كلما اقترب تحقيقها لأهدافها لتنير الطريق للآخرين ليس في منطقتنا بل في العالم أجمع. إن الثورة تعنى أيضاً أن يحدث تغييراً ثورياً في الأفكار والمعتقدات والمسلمات، لتطابق الواقع أو لترسم الطريق للواقع في سيره نحو المستقبل، مستلهماً ماضينا العريق الزاهر ومتأملاً واقعنا بكل مرارته، ليحدد الخلل ومكامن التغيير المطلوب، وهنا يجب ألا تكون هناك عصمة لأي فكرة أو معتقد باستثناء الأصول، وأعنى بالأصول الكتاب والسنة الصحية، وليس غير ذلك. أنها عملية مراجعة شاملة لكل شئ عسانا نخرج من التيه الذى نعيش فيه، لنبني حاضرنا ومستقبلنا بايدينا، بدون الانغلاق على الذات، أو انفتاح يفقدنا ويهدد هويتنا وقيمنا النبيلة، التي ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل