المحتوى الرئيسى

الشعوب التي كفرت بنفسها لا مكان لها بقلم: د. علي الحمادي

03/03 20:47

يُحكى أن رجلاً كان لديه جَمَلٌ، فأراد أن يسافر إلى بلدة مَّا، فجعل يحمل أمتعة كثيرة فوق ظهر ذلك الجمل حتى كوَّم فوق ظهره ما يحمله أربعة جمال، فبدأ الجمل يهتز من كثرة المتاع الثقيل، وصاح الناس في وجه صاحب الجمل: يكفى ما حمَّلت عليه، إلا أن صاحب الجمل لم يهتم؛ بل أخذ حزمة من تبن فجعلها فوق ظهر الجمل وقال: هذه خفيفة وهي آخر المتاع. فما كان من الجمل إلا أن سقط أرضًا، فتعجّب الناس وقالوا: قشة قصمت ظهر البعير؛ والحقيقة أن القشة لم تكن هي التي قصمت ظهره بل إن الأحمال الثقيلة هي التي قصمت ظهر البعير. من هذه القصة استُنْبِطت المقولة الشهيرة: "القشة التي قصمت ظهر البعير"، وهي توضح أنه لا يجب الاستهانة بصغائر الأمور؛ فالتراكمات السلبية تؤدي في النهاية إلى مشكلة كبيرة قد لا يحسب المتسببون فيها حسابها ومن ثم تأتي بخسارتهم وربما هلاكهم. هكذا كانت تعيش كثير من الشعوب العربية في حالة من الاستسلام الغريب، والتبعية الذليلة، والرعب الشديد من كل ذي سلطان، رغم أنها قوية وأعدادها كبيرة، ورغم أنها تستطيع تغيير ما هي عليه ولكنها، للأسف، فقدت الإرادة والثقة بنفسها. لقد كان الظالمون في كل عصر يعرفون ذلك جيدًا، فكانوا لا يدعون فرصة للشعوب أن تقول لا، أو أن تطالب بحقها، كانوا يراهنون على ذل شعوبهم واستسلامهم للأمر الواقع، يقول تعالى حاكيًا عن قصة فرعون موسى: "ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى. فَحَشَرَ فَنَادَى. فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى" (النازعات: 22 – 24). أليس هذا هو مشهد كل فرعون وكل طاغية في عصرنا الحاضر؟ فقد أدبر كل واحد منهم – كما يقول سيد قطب (رحمه الله) - يسعى في الكيد والمحاولة، فحشر السحرة والجماهير؛ ثم انطلقت منه الكلمة الوقحة المتطاولة، المليئة بالغرور والجهالة: "أنا ربكم الأعلى".. قالها الطاغية مخدوعاً بغفلة جماهيره، وإذعانها وانقيادها؛ فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطاناً. إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رءوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى، وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم، فالطاغية وهو فرد لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها، وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئاً! وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبداً، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبداً، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضراً ولا رشداً! فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان، ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: "أنا ربكم الأعلى".. وما كان ليقولها أبدا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء، وإن يسلبه الذباب شيئاً لا يستنقذ من الذباب شيئاً!". إن أكثر العرب يعيشون حياة بائسة، فهناك كثير من المشكلات التي تنخر عظام هذا المجتمع العربي من القهر والذل، ومن الفقر والأمية، ومن العنوسة والبطالة، ولك أن تعرف أن هناك أكثر من (40%) من سكان الوطن العربي يعيشون تحت خط الفقر، وهناك (65) مليون عربي من الفقراء المعدمين، أي بنسبة (24%) من إجمالي سكان الوطن العربي – حسب إحصائية عام 2005 – وهناك (47%) من السكان لا يحصلون على مياه شرب آمنة، كما أن نسبة البطالة وصلت إلى (31%) على مستوى الوطن العربي، وعدد الأميين من العرب تجاوز الـ (70) مليون أميٍّ. وعلى الجانب الآخر فإن الدول العربية تمتلك (60%) من الاحتياطي العالمي للبترول، و(25%) من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي، وفيها من الثروات البشرية والزراعية والطبيعية والمعدنية ما لا يمكن أن يحصيه إلا الله تعالى. وإن المرء ليعجب أشد العجب وهو يقلب ناظريه في هذه الأرقام المخيفة، وهذه الأوضاع الحياتية والمعيشية الصعبة التي يحياها الناس، ثم يجد بعض الغافلين من الشعوب سكارى لا يفيقون، راقدين لا يستيقظون، خائفين لا ينتفضون، ضاحكين لاهين لا يعتبرون ولا يأبهون، تثور الدنيا من حولهم وهم ساكنون، يعيش العالم في رفاهية وعز وهُم عن الحاجة والعوز لا يفارقون، تتغير الدنيا من حولهم وهم بأنفسهم وإرادتهم وحقهم في العزة والكرامة والحرية والحياة يكفرون. والدليل على ذلك ما ذكره موقع مجلة الاقتصادي في الحادي والعشرين من شهر فبراير 2001، أن ثروة الزعيم الليبي معمر االقذافي المقدرة بـ (82) مليار دولار تساوي قرابة أربعة أضعاف ميزانية ليبيا لعام 2011، والتي بلغت نحو (22.4) مليار دولار. وبحسب بحث عن الأمن الغذائي العربي منشور في موقع المعرفة فإن واردات الوطن العربي من الغذاء سنوياً تتراوح بين (20) و (25) مليار دولار، مما يعني أن ثروة القذافي تكفي لسد حاجة سكان الوطن العربي (البالغ تعدادهم نحو 340 مليون نسمة) من مستوردات الغذاء لمدة أربع سنوات! بينما (35%) من سكان ليبيا (البالغ عددهم (6) ملايين نسمة) يعيشون تحت خط الفقر!! إن الحرية تعني القدرة على الفعل والاختيار، ويعرفها فولتير بقوله: "عندما أقدر على ما أريد فهذه حريتي"، أما الفيلسوف ليبينز فالحرية عنده عبارة عن "قدرة المرء على فعل ما يريده". والإنسان بطبعه وتكوينه مفطور على الحرية، فهي ليست هبة أو مكسباً أو مغنماً من الرؤساء ولا مكرمةً منهم، وإنما هي هبة ربانية، وضرورة حياتية، وحق أصيل مقرر في دستور السماء من قبل ألف وأربع مئة عام، والله عز وجل لا يرضى من الإنسان أن يهدر هذا الحق فيحيا أحمق وهو يستطيع الرشد، بليداً وهو يستطيع النظر. وقد عالج القرآن الكريم النفوس الضعيفة التي تصر أنها لا تستطيع، فإذا صاح المرجفون المُخذِّلون: "لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ" (البقرة:249) ردَّ عليهم المؤمنون الواثقون: "كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة:249). وإذا قعدت طائفة تبث السموم في جسد الأمة وتوهمها أنها لن تنتصر على أعدائها، يشنع عليهم القرآن ويقول: "مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" (الحج:15)، فالذي يقول: إن الله لا ينصر أصحاب الحقوق، ويصدر الحكم على الأمة بالهزيمة، ويدَّعي أنها قاعدة بلا حولٍ ولا قوة تنتظر رصاصة الرحمة؛ فهذا عليه أن يأخذ حبلاً يعلقه في سقف الغرفة ويربطه حول عنقه ويشنق نفسه! يقول الشاعر: إذا أنت لم تَعْـرِفْ لنـفسك حقها هوانًا بها كانت على الناس أهونـا فنفسكَ أكرمها وإن ضاق مسكـن عليك بها فاطلب لنفسك مسكـنــا إن من أراد أن يحيا من شعوب الوطن العربي فليس عليه أن يقعد أو يجبن أو ييأس، فكما يقولون: إن الصخرة العظيمة المعترضة سبيل الظمآن إلى الماء تقول له: إما أن تحطمني، وإما أن تموت، فأين الخِيَرة؟ ومن هنا تعلم أنه ليس على الشعوب إلا أن تتحرك وإلا تعرضت للفناء، عقوبة من رب السماء! لقد ظل ابن هانئ الأندلسي يفعل ما يفعله كثير من المنافقين اليوم، ويقول للمعز الفاطمي، وهو الخليفة الرابع للدولة الفاطمية العبيدية، (دولة شيعية): ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ ثم تمر الأيام فيكون ابن هانئ على فراش الموت، فيتذكر نفاقه السابق، فيلوم نفسه لومًا شديدًا ويقول: أبعين محتقر إليَّ نظرت لي فأهنتني وقذفتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخـالق وصدق سيد قطب حينما استخف بالمطبلين والمنافقين والمتخاذلين من الشعوب فقال: هبل.. هبل رمز الخيانة والجهالة والسخافة والدجل هُتَّـافة التهريج ما ملوا الثناء زعموا له ما ليس عند الأنبياء ملك تجلبب بالضياء وجاء من كبد السماء هو فاتح.. هو عبقري ملهم هو مرسل.. هو عالم ومعلم ومن الجهالة ما قتل هبل.. هبل صيغت له الأمجاد زائفة فصدقها الغبي واستنكر الكذب الصراح ورده الحر الأبي لكنما الأحرار في هذا الزمان هم القليل فليدخلوا السجن الرهيب ويصبروا الصبر الجميل وليشهدوا أقسى رواية فلكل طاغية نهاية ولكل مخلوق أجل هبل.. هبل. ولكن نحمد الله تعالى فقد استيقظت الشعوب، وعرفت طريقها، ووقفت أمام "لات" بن علي، و"عُزَّى" مبارك، و"هُبل" القذافي، والبقية تأتي عما قريب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل